الرئيسية » آخر الأخبار » حرب نفطية شرسة على الأسواق الآسيوية.. وفقد عقود يؤرق الكويت

حرب نفطية شرسة على الأسواق الآسيوية.. وفقد عقود يؤرق الكويت

انتعاش الطلب الآسيوي على النفط في مصلحة الكويت.. والانحسار له نتائج سلبية
انتعاش الطلب الآسيوي على النفط في مصلحة الكويت.. والانحسار له نتائج سلبية

كتب إيهاب علام:
لا يوجد اختلاف بين المعنيين بالشأن النفطي على أهمية السوق الآسيوية، فهذه السوق واعدة، وتستحق أن تظل محط اهتمام المنتجين، حيث إنها تنمو بمعدلات جيدة سنوياً على مدى الـ 40 عاماً الماضية، وخصوصاً خلال السنوات العشر الأخيرة، إذ ارتفع الطلب الآسيوي على النفط من 26.7 مليون برميل يومياً عام 2010، ليصل إلى 29.9 مليون برميل يومياً خلال 2015، أي بزيادة مقدارها 630 ألف برميل سنوياً، وبالتالي التنافس من قبل المنتجين على هذه السوق أمر حتمي، خصوصاً في ظل استمرار الفائض في المعروض النفطي، مقابل تراجع الطلب في أماكن أخرى.

من ثم، فإن متابعة مستجدات هذه السوق وتطورتها، تأتي على رأس اهتمام منتجي النفط، وفي مقدمة سلم الأولويات بالنسبة لكل من له مصلحة في هذه السوق، والكويت صاحبة مصلحة في هذه السوق، باعتبارها من الدول النفطية التي تصدر نسبة كبيرة جداً من نفطها إليها.. وعليه، فأي انتعاش في الطلب على النفط في هذه السوق يكون في مصلحة الكويت، وانحسار الطلب بالتأكيد ليس في مصلحتها، كما أن المنافسة الشرسة في هذه السوق ليست في مصلحة الكويت أيضاً، وقد تكلفها خسارة عقود نفطية هناك.

والمتابع لتطورات السوق النفطية الآسيوية، يعرف أن المنافسة في هذه السوق بدأت تتسم بالشراسة منذ أكثر من عامين، مع الطموحات العراقية الدائمة بزيادة الإنتاج النفطي، وستزداد هذه المنافسة شراسة، بعد عودة إيران إلى السوق النفطية.

خسائر جديدة

مع التراجع الكبير في أسعار النفط على مدى ما يقرب من عامين، فقد لا تتوقف خسائر الكويت الاقتصادية عند خسائرها المالية، من جراء هذا التراجع، والتي تسببت في العجز المالي الكبير الذي تعانيه الميزانية، لكن الخسائر قد تمتد إلى فقدان الكويت عقودا نفطية كبيرة مع دول آسيوية، تعتمد عليها بشكل كبير في تسويق نفطها، الذي لا يجد إقبالاً بنسب كبيرة في الأسواق الأوروبية والأميركية، وهذا الأمر يعني خسائر مالية جديدة لميزانية الدولة.

وقد بدأ مسلسل تهديد الكويت بفقدان عقود نفطية مع دول آسيوية منذ نوفمبر 2013، حينما أعلنت الشركة الحكومية الصينية «سينوكم» عزمها استخدام الخام العراقي لتشغيل 40 في المائة من طاقة مصفاة جديدة تعتزم تشغيلها، متخلية بذلك عن اتفاق أولي لاستخدام النفط الكويتي الأغلى ثمناً، واستخدام النفط العراقي الخفيف الأقل تكلفة في التكرير.
وكان الاتفاق بين مؤسسة البترول الكويتية والشركة الصينية يقضي بشراء 240 ألف برميل يومياً من النفط الكويتي لمجمع «تشيوانتشو»، لكن الشركة الصينية أعلنت أنها لن تفي بالاتفاق إلا جزئياً، لافتة إلى أن حجم ما ستحصل عليه من الكويت قد لا يتجاوز مليوني برميل كل ثلاثة أشهر، أي نحو 22 ألف برميل يومياً، وهو ما يقل عن عشر حجم الاتفاق الأولي، وكان هذا الأمر بمثابة جرس إنذار، بأن النفط الكويتي بدأ يفقد بعض الاتفاقيات المتوقعة لمصلحة النفط العراقي، وقد يصل الأمر إلى فقدان عقود نفطية موقعة بالفعل مع دول آسيوية، أو حتى عدم تجديدها مستقبلاً، وخصوصاً أن النفط الكويتي من النوع الثقيل والنفط العراقي من النوع الخفيف، ما يعطيه ميزة الأفضلية.

طموحات إنتاجية

مع ارتفاع إنتاج العراق المستمر من النفط، وسعيه لاقتحام أسواق دول خليجية (تقارير اقتصادية تتوقع وصول الصادرات النفطية العراقية إلى نحو 7.5 ملايين برميل في اليوم بحلول عام 2020) ومع الزيادة الكبيرة في الطلب على النفط العراقي، بفضل عملاء آسيا، وعلى رأسهم الصين، فإن الأمور أمام تسويق النفط الكويتي باتت صعبة للغاية.

ومن الأسباب الأخرى التي تضغط على النفط الكويتي في الأسواق الآسيوية بقوة، عودة إيران إلى الأسواق النفطية، بعد رفع العقوبات المفروضة عليها الأسبوع الماضي، وقد استعدت إيران جيداً للعودة القوية إلى الأسواق النفطية، إذ أعلنت أنها ستزيد إنتاجها من النفط بمقدار500 ألف برميل يومياً، كما أعلنت منذ العام الماضي (حال رفع العقوبات عنها)، أنها على استعداد لشحن النفط مجاناً إلى بعض زبائنها، ومنهم الهند، وكل ذلك من أجل تعزيز مبيعاتها، وكسب عملاء جدد، وهو ما يعني اشتعال المنافسة في الأسواق الآسيوية.

والمؤكد أن عملاء إيران في الهند سوف يستفيدون من إعفائهم من تكلفة شحن تتراوح بين 70 سنتا إلى دولار للبرميل عند شراء الخام من إيران، كما تعرض إيران على الهند أيضاً خصماً إضافياً في سعر النفط إذا زادت شركات التكرير من حجم مشترياتها، إضافة إلى أن إيران تمنح شركات التكرير الهندية فترة سماح مدتها 90 يوماً، لدفع ثمن مبيعات الخام، فيما يتمسك معظم المنتجين الآخرين بفترة سماح مدتها 30 يوماً، وهذه العوامل مجتمعة قد تجعل الكثير من الشركات تفضل التعاقد على شراء نفط إيراني، وعدم الشراء من الدول الخليجية، ومنها الكويت، وهذا بدوره يعني فقدان عقود نفطية كويتية مع الهند.

ولا شك أن هناك حرب أسعار نفطية شرسة تتعرض لها الكويت من دول إقليمية مجاورة، حيث تعرض هذه الدول نفطها لأسواق آسيا بخصومات كبيرة، وقد أكد هذا الأمر تقرير لوكالة «رويترز» نشر الأسبوع الماضي، مبيناً أنه مع وصول أسعار النفط إلى مستويات 20 دولاراً، بدأت بعض الدول تبيع شحنات في السوق الفورية الآسيوية بأسعار بـ 13 دولاراً للبرميل أو أقل، وسط ضراوة حرب الخصومات من منافسين ينتجون خامات مماثلة للخام الكويتي الثقيل (العالي الكبريت).
وأشار التقرير إلى أن مجموعة من الدول المنتجة باتت بالفعل تبيع بعض شحنات الخام في السوق الفورية بأسعار أقرب إلى 13 دولارا للبرميل، بفضل وفرة الخامات «عالية الكبريت» التي ينتجونها، وقاعدة مستهلكين تفضل الخامات «الخفيفة» عالية الجودة التي تأتي من مناشئ أخرى.
وقال التقرير: «يتأهب منتجو خامات معينة من المكسيك، فنزويلا، كندا، والعراق لمواجهة ما هو أسوأ، في ظل استعداد إيران، المتحررة أخيراً من العقوبات الدولية، لضخ كميات ضخمة من الخامات الثقيلة عالية الكبريت في أسواق التصدير».

وأشار إلى أن أسعار بعض شحنات الخام المكسيكي الثقيل بلغت أقل من 13 دولاراً للبرميل، ويبدو أن الضغط النزولي على أسعار الخامات صعبة التكرير مرشح للتنامي.

وفي أوائل ديسمبر الماضي عرضت شركة النفط الوطنية المكسيكية «بيمكس» خصماً على المشترين الآسيويين لخام «المايا» بلغ نحو 12 دولاراً عن متوسط خامي عمان ودبي (وهما خاما القياس للإمدادات الآسيوية)، لكن مع تراجع أسعار النفط أكثر من 10 دولارات منذ ذلك الحين زادت الشركة مقدرار الخصم حتى وصل سعر البيع إلى 12.5 دولاراً للبرميل.
وكل ما تقدم يقودنا إلى القول إن الكويت تواجه حرباً شرسة في الأسواق، تقودها بشكل خاص إيران والعراق اللذان يمنحان نسب خصومات كبيرة، بهدف اكتساب حصص سوقية، والدخول إلى الزبائن الحاليين للدول الأخرى، وهناك توقعات بمزيد من الضغوط في الفترة المقبلة، مع الدخول القوي لإيران إلى السوق بنحو نصف مليون برميل إضافية يومياً، غالبيتها من الخام الثقيل نفسه الذي تتركز عليه حرب تكسير الأسعار.

منافسة أفريقية

من الأسباب الأخرى التي تضغط على أسواق النفط الكويتي، زيادة إنتاج أميركا من النفط الصخري، إذ أن تهديد النفط الصخري ضغط بقوة على النفط التقليدي، وهذه التهديدات، وإن كانت في الماضي محض تخمينات، إلا أنها تحولت في الوقت الراهن إلى حقيقة ملموسة، مع الإعلان العام الماضي، بأن إنتاج النفط الأميركي تجاوز الواردات للمرة الأولى منذ عقدين، ومع زيادة إنتاج النفط الصخري ستكتفي الولايات المتحدة ذاتياً، وستوقف استيرادها من النفط الخفيف من الدول الأفريقية، مثل أنغولا ونيجيريا، وبالتالي هذه الدول ستبحث عن أسواق جديدة، وستدخل في منافسة شرسة على نفس أسواق الكويت الآسيوية، وستملك ميزة غير متوافرة لدى الكويت، وهي أن نفوطها من النوع المميز الخفيف، والمؤكد أن السوق النفطية قد لا تستوعب كل هذه الزيادات القادمة من النفط الخام من الدول المنتجة، وهذا ما بدأ يتحقق فعلياً على أرض الواقع، وأدى إلى تدهور أسعار النفط، حتى وصلت إلى أدنى مستوى منذ 13 عاماً.

Print Friendly

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *