الرئيسية » قضايا وآراء » ناصر العطار : مسرح «هذا سيفوه»!

ناصر العطار : مسرح «هذا سيفوه»!

ناصر العطار
ناصر العطار

إذا كان عنوان المقال يوحي إلى تبسيط مقام الحدث الذي رأيناه، أو يشير إلى شعور بعدم اللامبالاة تجاه الحال التي نعيشها، فإني لا أقصد ذلك.. فعدم اللامبالاة لا يفيد الوطن وأفراده، وتبسيط أهمية افتتاح المسارح في الوطن لا يليق، لأن في جنباته تعلو حرية التعبير وترتقي، ويحضر النقد وتطرح الحلول بأكثر من أسلوب، وتجد الأفكار المتنوعة منفذ لها مع الابتسامة والموسيقى، وهذا أمر في غاية الحضارة.

المسرح في الكويت يعد أحد أبرز وأجمل القوى الناعمة منذ ما يزيد على نصف قرن، فمن خلال تمتعه بمساحات حرية التعبير تعرف الكثيرون خارج الكويت على مدى قدرة الفن الكويتي على مناقشة العديد من القضايا التي تهم شعب الكويت وشعوب الأمة، على حد سواء، وكلمة مناقشة تعني تبادل الآراء والجدال، ما يعني أن مهمة المسرح ليست في إيجاد الحلول السريعة والساحرة، بل في تنوير العقول التي منحها الله للبشر، ليتدبَّروا شؤون أمورهم، قدر ما استطاعوا.. هذا التنوير بحد ذاته يساهم في انضاج الرأي العام، وبلورة الحلول لمشاكل المجتمع المستجدة أو المتراكمة.

لذلك، فليس من المستغرب أن يرفض الكثير من الفنانين والفنانات قيود المجتمعات والحكومات، حيث يقول بعضهم إن «الفنان رقيب نفسه»، خصوصا مع تقادم الخبرات لديه، وتعمُّق ثقافاته وقراءاته.

مسرح عبدالحسين عبدالرضا الكبير بحجمه، والجميل بمظهره، حمل اسم فنان أثرى الحياة الكويتية العامة، بقفشاته الكوميدية وبألفاظه الشعبية التي أستوحاها من الواقع المُعاش ورسخ في تاريخ الفن العربي أدوار مثلها بتلقائية بارعة، عبدالحسين عبدالرضا ورفقاء دربه الذين نذكر أعمالهم بحب وإعجاب كانوا الثمرة التي زرعها الفنان العربي الراحل زكي طليمات، الذي جاء إلى الكويت أوائل ستينات القرن العشرين، قادما من مصر، للإشراف على تأسيس مسرح حرفي بكل معنى الكلمة، وكان من نتائجه، بزوغ جيل من الفنانين والفنانات أضحى الإبداع لصيقهم على مدى عقود من الزمان.

هنا أعود لسؤال «ماذا بعد إفتتاح مسرح عبدالحسين عبدالرضا؟»، في ظل قيود شتى ورقابة شبه صارمه تحجم الرأي وتحاصر الكلمة وتقطع من النصوص والمشاهد الفنية الشيء الكثير، فلم تكد تمر ساعات على افتتاح المسرح، حتى جاء أحد المتزمتين وشطب من اسم الفنان المخضرم المكتوب فوق لوحة إعلانية تشير إلى المسرح ما يظن أنه لا يجوز في الشريعة الإسلامية وفق اعتقاده، هذا التزمت المجتمعي لم يكن لينمو ويترعرع لولا مباركة بعض السياسات الحكومية له منذ ما يربو على ثلاثين عاما مضت، حتى وصلت هذه المباركة إلى أغلب مجالس الأمة المتعاقبة منذ تحرير الكويت إلى اليوم، فلا فائدة كبرى – على سبيل المثال – ترجى من تغيير الوجوه النيابية المتطرفة، من خلال الانتخابات، في الوقت الذي استوطن التطرف المجتمع في معظم عقليات أفراده.

بكل أسف، لم تحظ مفاهيم الديمقراطية وأطرها ومبادئها أي اهتمام من قبل وزارة التربية، فقد تخرَّجت أجيال وأجيال من المدارس بكافة مراحلها التعليمية، وهي لا تكترث لاحترام الرأي الآخر، وربما لم تمارس النقاش في ما بينها بشكل عملي، لذلك نجد أن العنف اللفظي والحركي هو الوسيلة الحاضرة الغالبة بين الشباب في المدارس، وفي كل مكان تقريبا.

قبل وقوع الاحتلال العراقي، قدم عبدالحسين عبدالرضا، وبرفقته نخبة من الفنانين المرموقين، مسرحية «هذا سيفوه»، الجريئة بطرحها، الذي تحدث عن أحوال الكويت قبل الاستقلال، وصولا إلى فترة العدوان الثلاثي على مصر، وعن المتمصلحين وغير الثابتين على مبدأ واحد في المجتمع، وحينها أجازت وزارة الإعلام النص المسرحي، الذي لم يرق لبعض المتنفذين والمتطرفين، فاعترضوا عليها، ورفعوا قضية على أبطالها، الذين تعرض بعضهم للشتائم من فوق منابر بعض المساجد. ووفق تصريحات بعض الفنانين المشاركين في المسرحية، فإن وزارة الإعلام في ذلك الوقت، كجهة أجازت النص، لم تساندهم المساندة اللازمة ضد التطرف والنفوذ.

بعد مضي وقت طويل على تغلغل التطرف في مجتمعنا، هل نملك القدرة اليوم على الاستنهاض؟ وهل تمتلك وزارة التربية تعليم الأجيال الناشئة كيفية ممارسة الديمقراطية قولا وفعلا؟ وهل تستطيع وزارة الإعلام حماية حرية الفنان؟ وهل يعود مسرح «هذا سيفوه» الذي جسَّد النصوص الهادفة، وعبَّر عن حرية الرأي إلى الساحة الفنية؟

ليس من السهولة الإجابة بنعم، لكن من المستحيل الإجابة بـ «لا»، فعلى الرغم كل الهزات والصعاب، فنحن في بلد استنشق الديمقراطية منذ نشأته، فهل يعي المسؤولون هذا الأمر؟

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *