الرئيسية » قضايا وآراء » محمد الغربللي : مصر التي في خاطري

محمد الغربللي : مصر التي في خاطري

مراقبمحمد الغربللي:

غادر الملك فاروق مصر على متن السفينة الملكية «المحروسة»، ونجحت ثورة 23 يوليو، بقيادة الضباط الأحرار، وكان على رأس الحركة الرئيس جمال عبدالناصر، الذي كان محركها برؤيته الوطنية تجاه مصر.. محمد نجيب، أحد القيادات العسكرية العليا، هو مَن كان في الواجهة، لكن المحرك الذي كان يرسم ويخطط للمستقبل، هو عبدالناصر، ومَن معه من الضباط.

أحداث تمرُّ على مصر متسارعة ومتوالية في متغيراتها.. بعيداً عن السياسة وما جرى من أحداث، كانت تجرى الاستعدادات لأول حفلة لأم كلثوم في القاهرة في أكتوبر 1952، مواكبة للمتغيرات التي كانت تعيشها مصر، فغنت أم كلثوم أغنية ذات بُعد عاطفي وطني بامتياز من كلمات أحمد رامي وألحان رياض السنباطي، وقالت فيها:

مصر التي في خاطري وفي فمي
أحبها من كل روحي ودمي
يا ليت كل مؤمن بعزها
يحبها حبي لها
بني الحمى والوطن من منكم يحبها مثلي أنا
هي ليست كلمات وطنية مباشرة، ألحانها فيها من الترجي والحزن والأمل المنشود لحياة أفضل، كلماتها وألحانها تصبان في حب مصر وتدعوان إلى رفعة شأنها وتمجيد الوطن.. كلماتها وألحانها وبالطبع أداؤها فيها الكثير من الأمل والترجي والإخلاص والدعوة للتغيير والحب، ليس للأشخاص، بل للوطن.

طوت الأيام هذه الأغنية بالحفلات الشهرية التي تحييها «الست» على مدار السنوات، بعد ثورة 23 يوليو، والأمل والترجي لحياة أفضل أصبح واقعاً، من خلال الإنجازات الوطنية الكبيرة التي حققتها مصر على مدار الأعوام اللاحقة.

عادت الأغنية، لتتردد في وسائل الإعلام مع ثورة 25 يناير 2011، هي الوحيدة التي برزت من أغاني أم كلثوم الوطنية، باعتبارها حالة وجدانية لثورة التغيير التي انطلقت من ميدان التحرير والميادين الأخرى في المدن المصرية..

«مصر التي في خاطري»، كانت تعبيراً عن التحرك الجماهيري غير المسبوق وغير المتوقع، الذي جذب إليه أنظار العالم كله، المطالبة بالتغيير الجذري في مصر التي وصلت إلى حالة من التدني في كل الأمور قاطبة، مطالبات بالتغيير ليست عن طريق الانقلابات العسكرية، بل بهذا التحرك الشعبي، الذي أدى إلى تنحي الرئيس مبارك.

مصر ليست كأي دولة أخرى في تأثيرها على كافة الأقطار العربية، ودورها الوطني ليس كأي بلد آخر من البلاد العربية.

في فترة عبدالناصر تم تجريب إنهاء هذا الدور، وجرى التعاون الإقليمي والدولي، لتحقيق هذا الهدف، بكافة الوسائل، من حروب ومحاولات اغتيال، بما في ذلك استعمال السم، للتخلص من عبدالناصر.

فقد كان يفترض المسارعة في إنهاء هذا الحراك الجماهيري الكبير، بداية امتصاص الصدمة الأولى واستيعابها، تمهيداً لإعادة الأمور إلى وضعها الطبيعي، مع اختفاء قدر من التغيير في الشكل، وليس المضمون. وجرت انتخابات رئاسية «بالتدافع»، وفي ما بعد الانتخابات البرلمانية، وفي الأسبوع الماضي انعقد مجلس النواب، وظهر استيعاب صدمة ثورة 25 يناير والانقلاب عليها بأنصع صورة في أجواء الجلسة المضحكة لنواب دفعوا الأموال لتولي هذا المنصب البرلماني. وكم كانت مؤلمة صورة مرتضى منصور وهو يغير «القسم النيابي»، برفضه الاعتراف بثورة 25 يناير، كما أتت به ديباجة الدستور.

هي صورة صارخة على الانقلاب، بعد عملية الاستيعاب والامتصاص، حيث ساد الهرج والمرج، ورئيس الجلسة يترجى منصور أداء القسم.

هكذا كانت أول جلسة برلمانية، مليئة بالهرج وسوء الأداء والفوضى، وتعبيراً عن أن مصر التي في خاطر المصريين لم تصل إلى عتباتها الأولى بعد، على الرغم من التضحيات والدماء التي أُريقت في تلك الثورة التي أبهرت العالم، ولا يزال المصريون ينتظرون مصر التي في خاطر المصريين، كما العرب.

Print Friendly

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *