الرئيسية » قضايا وآراء » ناصر العطار : جماعتنا!

ناصر العطار : جماعتنا!

ناصر العطار
ناصر العطار

ذات يوم، كتب د.أحمد الربعي بأسلوبه اللغوي البديع، وبفلسفته المعهودة مقالا بعنوان «نريد العودة إلى الوراء»، شرح في مضمونه كيف أن البلد في أغلب مجالاته كان متقدما بأفراده المبدعين، وقد عدَّد الدكتور الراحل في مقاله كثيرا من أسماء المبدعين الكرام، ولا أريد أن أكتب بإحباط، وأقول إن البلد خلا من المبدعات والمبدعين، لأن مثل هذا القول لا معنى ولا فائدة له، لأنه يتصادم مع طاقة ورغبة كل جيل شاب له حق الإبداع في الوطن، وعليه واجب التضحية لأجل الوطن. الإبداع والتضحية يدفعهما – ضمن عوامل كثيرة – شعور، بل إيمان لدى أفراد كل جيل، أن تنوع أفكارهم وتعدد أصولهم لا يمنع من أن يكونوا جماعة واحدة يطمئن أفرادها لبعضهم، وتجمعهم مصلحة عامة، ويتساوون جميعا أمام قانون واحد. أريد العودة إلى الوراء، وأذكر مثالا وأطرح بعده أكثر من سؤال، قبل وقوع الغزو العراقي بشهور قليلة، وأثناء تجمعات دواوين الإثنين دار حوار مصوَّر بين رجالات الفكر والسياسة في الكويت الذين كانوا مجتمعين في إحدى جمعيات النفع العام يتباحثون المطالبات بعودة الحياة الدستورية، بعد حلّ مجلس الأمة عام 86، قال أحد الحاضرين المؤثرين في الشأن العام: «نريد عودة الشرعية الدستورية لهذا البلد بالوسائل السلمية، وبالوسائل الشرعية التي يكفلها حق الدفاع عن أنفسنا وعن أهلنا وجماعتنا».

وأتساءل الآن؛ كيف تجرَّأ هذا الرجل على قول كلمة «جماعتنا»، وسط كل هذا الحضور المتنوع؟ وكيف لم يغضب أو يستنكر أحد في ذلك الوقت هذه الكلمة؟

إلا أن ما حدث بعد 26 عاما من وقت أن قيلت هذه الكلمة شهد تحولا شبه كامل في المفاهيم، وتدحرجا واضحا في الأفكار نحو طريق لم يكن مقبولا أو معروفا لدى أغلب الكويتيين، فلو قال الآن البعض «جماعتنا» وتصرفوا وفق مصلحة هذه الكلمة، فسيظن الكثيرون أن المقصود هو الطائفة أو القبيلة أو العائلة.

فما الذي جرى يا تُرى؟ هل قبول المجتمعين في ذلك اليوم من أيام دواوين الإثنين كلمة «جماعتنا» كان على مضض، فكان قبولا خادعا كشفته الأيام؟ أم هل نجحت السياسات الحكومية في تقسيم الجماعة الكويتية المتكاتفة إلى جماعات شتى متطاحنة وخائفة من بعضها، من خلال مساندتها للقوى المتأسلمة، التي زرعت الفتنة بين الناس، فنالت الرضا وكسبت المناصب؟

هل تعطل – كما يُقال – شيء في أعلى رؤوس بعض الناس، فباتوا مندفعين نحو أجندات إقليمية لا علاقة لها باستقرار البلد، وبطبيعة أهلها المسالمين المتسامحين؟ هل مقاطعة بعض نواب مجلس الأمة الأفاضل لإحدى جلسات المجلس التي ناقشت قضية مسَّت أمن الكويت ينمُّ عن بُعد نظر وتصرف حكيم لا يثير بين الناس المحسوبيات الطائفية ولا يناقض مفهوم النائب الذي يمثل الشعب بأسره؟

إن الإفاقة من مرض التناحر يتطلب جهدا عاليا، لكن لا بديل للكويتيين عن بذل الجهد الكبير، لنيل الحياة الكريمة والصحوة اللازمة لمواجهة ما يرونه من تحديات اقتصادية تلوح في الأفق. الحكومة وبرفقتها مجلس الأمة شاهدوا، بما لا يدع مجالا للشك، مدى حب غالبية الشباب الكويتي للكرامة والفرح والتلاقي والمساندة، فقد تظاهر الكثير من الشباب الكويتي بسلمية ضد الفساد، وتكاتفوا حين وقع انفجار مسجد الإمام الصادق، واحتفلوا بصدق في افتتاح استاد جابر، وتساءلوا عن حال منتخبهم الوطني كثيرا وساندوه بحب وبلا تمنن، وكسبوا حكما قضائيا من المحكمة الدستورية بشأن قضية التعليم المشترك، الذي حاربته قوى التأسلم ،ووجدته مدخلا مهما منذ السبعينات لتشويه العقول الشابة بالتطرف.

الغالبية الساحقة من الشباب الكويتي، كما يتضح لنا من خلال التجارب، لديه استعداد أن يتمسك بطبيعته، مهما حاول البعض في الخارج أو الداخل تخريبها، وأن يؤكد أن قبول الكويتيين الحاضرين في ذلك الحوار الذي تم قبل الغزو لكلمة «جماعتنا» لم يكن مزيفا، فالكويتيون جميعا، بتعددهم، هم الجماعة والأهل الذين تتكسر أمام تمسكهم بوطنيتهم كل السياسات والتكسبات الرديئة.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *