الرئيسية » ثقافة » عباس يوسف: المبدعون رُسل محبة وسلام وجمال

عباس يوسف: المبدعون رُسل محبة وسلام وجمال

من لوحاته
من لوحاته

حوار: هدى أشكناني
الفنان عباس يوسف، أحد الفنانين البحرينيين الذين يعملون بكل حب واهتمام. كل لوحة يرسمها تبحث في داخلك عن مخرج ضوء، لتُظهر «الإنسان» الذي فيك. لوحاته حروفيات من جمال تغري الناظر إليها بشغف المتابعة.

«الطليـعة» التقته، للحديث حول الفن والإبداع، وهذا نص اللقاء:

عباس يوسف
عباس يوسف

● في أي مناخ فني نشأت؟
– لم أعش في بيئة فنية أو عائلية حاضنة، كما عاش بعض المبدعين، عشت في قرية كان البحر رفيقها والنخيل جارها القريب.. قرية محاطة بهذا السحر، حيث النخيل يغنج لصوت هدير الموج والنسيم الرقيق المرافق لتلك الزرقة.. انفتحت عيناي باكرا على الخط العربي، وسرعان ما شغفت بالحروفية. أخذتني طاقة الحرف الكامنة فيه، الخارجة عن الأطر التقليدية في رسمه، باعتباره طاقة متجددة، إذا ما ذهبت بصاحبها صوب الانفتاح على الفنون البصرية الأخرى، حيث منه تخلق لوحاتي وتبنى رؤاي الفنية المتعلقة بهذا الحقل، وأعني فضاء الخط العربي المفتوح على كل الآفاق.

● في عبارة كتبت على أحد جدران مرسم عشتار الذي تزاول فيه عملك الفني وصديقك الفنان عبدالجبار الغضبان، وهي لجان كتكو (أخاف إنسانا لا يقرأ شعراً) لماذا الشعر تحديدا؟
– في ذات السياق، قال الصديق الشاعر البحريني قاسم حداد في نص:
الشعر إغراء يقيدني/ يا من يحب قيوده/ فالشعر يعتقل… الخ.
أنا ربما أكون مولعاً بالشعر بشكل خاص، وبصنوف الأدب الأخرى وكل الكتابات ذات العلاقة بالشأن الثقافي والبصري والإنساني بشكل عام.
أظن أن الحياة التي نعيش، وكل ما يحيطنا، هي نص مفتوح، أو لنقل مجموعة نصوص مفتوحة على العالم الذي نحن فيه، نصوص شبيهة بنصوص شعرية لذيذة وعميقة وحلوة وسلسة وشفيفة جدا، تطول وتقصر تنطلق بشراسة وتخبو في أحيان خبوا، تصعد بنا.. تأخذنا إلى الهناك، ولو خيالا، حيث فردوسا من الحب والضوء والجمال يتنظرنا ونحن إلى الوصول إليه، أو أنها تهبط هكذا ببساطة، وتصلنا أو تأخذنا على حين غفلة إلى اللامتوقع وغير مرغوب.. أحب الشعر، كونه نص الحياة النابض، أو أنه المرآة التي نرى ونعرف ونلمس ونعيش من خلالها مجموع الصور التي نعيش ونحيا.

طاقة الحرف

● ما الذي وهبته لك الحروفيات، ما لم يهبها أي من أنواع التشكيل الأخرى؟
– أظن أن كل فنان ومبدع ينشد إلى عالم ما، أو أن هذا العالم يسحبه إليه، كما الشعراء، باختلاف أساليبهم وأدوات تعبيرهم، وكذلك الروائيين وكُتاب القصة القصيرة، لا يختلف الأمر عن الفنانين التشكيليين، وكل منهم يشتغل على العنصر أو مجموعة من العناصر؛ المرأة، الرجل، الطير، الحيوان، اللون.. الخ، التي يؤسس ويبني عليها منجزه ورؤيته الفنية.
بالنسبة لي، أخذني الحرف العربي منذ الصبوات الأولى، لم أنشد إليه كخط أكاديمي يعتمد الأسس والقواعد الفنية المتعارف عليها، بقدر ما شدني جانب التعبير، الطاقة والحرية فيه، والتي على ضوئها يمكنني إنتاج لوحة معاصرة تجانب لوحة الحامل الحديثة، إن جاز لي القول.
من الحرف تنشأ الكلمة، ومنها تبزع الجملة، ومنها تبرق العبارة، ومنها يشرق هذا التلاقي والتلاحم، وهي العناصر الحية التي أشتغل عليها، وفي هذا الساحر الذي أخذني إليه وأسر قلبي داخله، فلا فكاك منه، باعتباره قدرا مفتوحا على اللانهايات الفنية والجمالية.

● وأنت تشكل وتنقش الحرف، كيف تتلمس خطواته في لوحاتك؟
– الحرف يسري في اللوحة، كما يسري الدم في الشرايين.. يسري ببطء وتنتشر في ثنايا الجسد.. جسد اللوحة، الحروف تنمو وتتكاثر بتراكم بعضها فوق بعض، تخلق الكتلة تلو الأخرى، كتلا من حروف.
الحرف يسيل ارتفاعا وانباساطا، أتلمسه ككائن حي، يسأل وأجيب، يطلب وألبي، يذهب وأتبع، يتحرك في فضاء القماش والورق، فأراقب وأفرح، أراه يبسط كيانه بركازة وثبات، وكأني به يقول قف هنا، تعال نرى.. نتأمل ما نحن فيه الآن، وما وصلنا إليه، أراه واللون قد تعاضدا وتوالفا وتمازجا حد التماهي، فصارا كتلة متماسكة، جسدا واحدا مخلوقا من الحرف واللون.

● اللون والحرف، أيهما يسبق الآخر في الاختيار والاندماج عند صناعة لوحة؟
– لا أعرف بالضبط، أيهما يسبق الآخر، لأن كليهما يسبق الآخر، ولا أعرف بالتحديد من يأتي أولا، ومن يأتي بعده، أبدأ بالحرف، وينتهي لونا مفردا، أو متراكمات لونية، أبدأ باللون، فيستحيل حروفا.. كلمات.. جملا مقروءة ربما.. غير مفهومة في الغالب الأعم، وكأنها طلاسم تشي ببريقها عن ماهية الحرف وجماليته. لا أنتبه أبداً لأي منهما يسبق الآخر، كل ما يهمني نقطة البدء التي أدخل منها عالمي وجنة اللوحة، تلك اللوحة إن صادف وتحوَّلت إلى ما يشبه الجحيم، نتيجة خطأ تقني أو نفسي، انعكس سلبا عليها، أستل خيوط الجمال المنبثة في دواخلها وجنباتها استلالا، لأعيد إليها توازنها، أو لأصب عليها من سلسبيلها دفقا يرجعها إلى حيث هي، من ثم مواصلة العمل عليها مثلما سبق. اللون يعاضد الحرف، والحرف يناغي اللون، ليشكلا هذه الوحدة بينهما داخل اللوحة التي تبني وتقوم عليهما.

علاقة خاصة

● رغم اختلاف التقنية والأسلوب الفني بينك والفنان عبدالجبار غضبان، إلا أن قاسما ربما يجمع بينكما، بعيدا عن الصداقة والرفقة.. فما هو؟
– من الصعوبة بمكان الإجابة عن سؤال حول علاقتي بالصديق الفنان عبدالجبار الغضبان، جل الأصدقاء.. يعرفون وشاجة هذه العلاقة.. ويعلمون عمقها. هذه العلاقة عصية على الحديث عنها، وأكبر من التطرق لها عبر سكب أسطر من الحبر على الورق، وأوسع من تركها وركنها في زوايا الأصدقاء والقريبين منها.
حين أقول، وهذا قول بخيل أو قول شحيح، أو يحمل شيئا من الإجحاف، ما يربطني بجبار أعمق من تجربة ثنائية وأعلى من سماوات وأشمل من معاجم لغة.

● صباح كل سبت، ترسل تحاياك الملونة لأحد الأصدقاء أو المثقفين أو المبدعين، وبعض الأحيان تكون ولادة جديدة لذكرى خاصة.. كيف خلقت الفكرة؟
– قال لي أحد الأصدقاء ذات يوم: «لمَ اخترت السبت يوما لبطاقتك، وأردف مازحا هل أنت يهودي؟».
أجبت في داخلي، أن السبت يوم محايد، وإن كان يوما له قداسته عند اليهود. بطاقة السبت.. أردت منها الإطلالة صباح كل سبت على من أحب، على من أرى ثمة رابطا يجمعني بها/ به، هذا السبت اقتحمته أحداث ومناسبات، حاصرتني إنسانيا ووجدانيا، فوجدت نفسي أسيرها، وأنه لا مجال إنسانيا، إلا من متابعة مستجداتها والتعاطي معها – بوصفها حدث يحرض على فعل الجمال، إن جاز لي القول- حضرت الأعياد بمختلف أنواعها، حضر الفقد، الاحتفاء، المآسي.. الخ، في هذا الخضم من الأصدقاء والمناسبات.. وجدتني شبه عاجز عن المواصلة.. صرت في حيرة من أمري، والسؤال يلاحقني ويواجهني وبقوة «هل أتوقف وأنا الذي بدأت بشغف في هذا المشروع؟ وماذا عن بقية الأصدقاء والأحبة ممن لم أردّ لهم دين محبتهم ببطاقة سبت صباحية؟.. قبلاً كنت مكتفيا بإرسالها إلى مجموعة من الأصدقاء عبر البريد الإلكتروني، بعدها دخلت عالم فضاء وسائط التواصل، «تويتر»، «فيسبوك»، «إنستغرام»، «واتس آب»، صار لها أصدقاء يترقبون ويسألون صباح كل سبت عن البطاقة، فيما تأخرت في نشرها.
في البدء كانت البطاقة تعتمد الخط العربي، بصورته الكلاسيكية التي تعتمد الحبر الأسود مادته اللونية الأولى، ولقناعتي أنه لون غرافيكي بامتياز، تقدم الأمر بالبطاقة، فصرت ألعب بها وفيها، لا تحديد لورق، حيث استخدم كل ما يقع أمامي في المرسم من ورق، ظرف رسالة، بطاقة دعوة فاخرة الورق، ورق الآرش، فبريانو وورق الدفتر المدرسي.. الخ، كما اختلفت المواد المستخدمة أيضا في التنفيذ، دخل «الفوتوشوب»، الشاشة الحريرية، الكولاج، الإكريليك والأحبار الملونة، صارت البطاقة لوحة مصغرة مفتوحة على كل الاحتمالات، وتستقبل كل المواد.

رسالة الفنان

● ما تقوم به يعزز فكرة «العمل على جعل الشيء مثاليا» أو تجميل الواقع، فهل هذه رسالتك التي توجهها للعالم؟
– العالم هو الواقع الذي نعيش، ما المبدعون في هذا الكون، إلا رسل محبة وسلام وجمال. بالنسبة لي أحلم دوما بأن يعم السلام. ينتشر الجمال، الجمال طمأنينة وراحة ومحبة، بعيدا عن المثالية.. الجمال الذي يعضد ويعمل على مجد الإنسان.

● قرأت عنك هنا وهناك، فأجمع الجميع على أنهم أحبوا البحرين، من الفنان عباس يوسف. هل تعتقد أن الفن والإبداع لهما أن يخلقا منا سفراء جيدين للبلد الذي ننتمي إليه؟ وهل هذا يدخل في حيز تجميل الواقع أيضا؟
– لا أعرف بالضبط، فإن صح هذا القول، فهذا حمل ثقيل، على المبدع مسؤوليات كبيرة تجاه الإنسان، الذي هو أساس الأوطان.. أظن أن المبدع الصادق دائما يكون سفيرا جيدا، وأيضا لبلده، أينما حط رحاله.
بالنسبة لي، لست معنيا أبدا بما ذهبت إليه، من أنه يدخل في حيز تجميل الواقع، كوني لست وسيلة إعلام، ولن أرضى لنفسي أن أكون بوقا لأحد البتة.. أنا فنان أحاول قدر الإمكان العمل على نشر ثقافة حب الفن، بمختلف أنواعه، وفعل الجمال والخير في هذا الكون الذي نعيش. عموما، شكرا لجميع الأصدقاء الذين أحبوا البحرين ولا يزالون.

تجربة جديدة

يعود الفنان عباس يوسف الى الكويت مجدداً بعد 20 عاماً لاقامة معرض مشترك مع الفنان عبدالجبار الغضبان وحول ذلك يقول: معرضنا الأول الذي أقيم في صالة غدير بمجمع الصالحية لصاحبته الفنانة ثريا البقصمي- والذي افتتح في 18 – 1 – 1995، كان يرتكز على الأعمال الجرافيكية، أي الأعمال المطبوعة طباعة يددوية على معدني الزنك والنحاس، كنا نهدف إلى نشر هذا النوع من الفن، الذي يُعد بشكل وآخر مغيبا، أو لا يمارسه الفنانون في الوطن العربي بشكل مرضٍ، مثلما هو التعاطي مع الرسم أو النحت أو الخزف أو الخط العربي أو التصوير الفوتوغرافي. في هذا المعرض، عرضت ما هو مختلف تماما عن التجربة السابقة، حيث حضور الرسم المباشر، واللون والمساحات الكبيرة للأعمال المنفذة في جلها على القماش، وإن اعتمد في الكثير من الأحيان على الطباعة بواسطة الشاشة الحريرية.. الأكيد أنها تجربة مختلفة عن السابق، إلا أنها استمرار لتلك التجربة.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *