الرئيسية » قضايا وآراء » ناصر العطار : لأننا نحب السعودية

ناصر العطار : لأننا نحب السعودية

ناصر العطار
ناصر العطار

واجب مصارحة الإنسان لأخيه الإنسان، لا يقل أهمية عن واجب المساندة وعدم إهانة الكرامة، ومسّ الحرية، والمخاطبة ببذاءة.

واجب المصارحة بين الناس ليس من السهل القيام به، لأن بعض طبائع البشر تظن نفسها أنها لا تخطئ، فلا ترضى بالتنبيه، ولا تتقبَّل مواجهة نفسها، لتقويم ذاتها وتلقي باللوم على غيرها.

في السنوات العشر الأخيرة، نمت الطائفية، وقبلها سرى التطرف بشكل يكاد يخنق كل نفس عربية، وتمدد ما يعانيه العرب إلى خارج نطاق أمتهم، وأصبحوا متهمين في هويتهم ودينهم.

وحين نبحث في الأسباب، نجد صراعاً علنياً بين السعودية وإيران، فقد أعلن كبار المسؤولين في البلدين، أن هذا الصراع لن يصل إلى حالة الحرب، كما صرح ولي ولي عهد السعودية، وأن هناك رغبة إيرانية في تهدئة التوترات، كما صرح وزير خارجية إيران، وهذا الصراع يؤججه البعض ويستغله، بعد أن تم تغييب مفهوم دولة المواطنين من قِبل معظم الحكومات العربية، ما يعني غياب تكافؤ الفرص والحق في المشاركة الشعبية، وبالتالي لا يحترم الإنسان التعددية، لأنه ليس في حياته قانون يتساوى أمامه الجميع.

ولا أشك إطلاقاً في صحة كثير من الاتهامات، التي يتم توجيهها للسياسة الإيرانية، بشأن إثارة طائفية هنا، وتوسع نفوذ هناك، بل إنني لا أستغرب من السياسة الإيرانية الإثارة والتوسع، فكل مشروع سياسي يتحدث عن نفسه بنفسه، ولا يعيب إيران أن تكون دولة ذات مشروع سياسي، حتى قبل قيام ثورتها الإسلامية، لكن حين يختلف ظاهر مشروع الدولة السياسي عن باطنه، وحين يقوم على إعدام منتقديه، ويتطرف في طرحه، ويرفض أن يحاسبه أحد، يتحوَّل من مشروع دولة إلى مشروع مصلحة، ويفتقد مشروعيته شيئا فشيئا.

في عهد الشاه كان مشروع السياسة الإيرانية قائماً على نيل رضا الغرب، بقمع الشعب الإيراني، ومعاداة حقوق العرب.. أما بعد اندلاع الثورة الإسلامية، فإن مشروع الدولة في إيران ترنح بين عدة أشكال متناقضة، رغم راية الدفاع عن المظلومين في كل مكان التي رفعتها الثورة.

في مقابل التناقض الثوري الإيراني، فإننا نحن العرب مع تغييب مفهوم دولة المواطنين عن أغلب مجتمعاتنا العربية، كما أننا نمد في أمد الصراع مع الأنصار المتطرفين للسياسة الإيرانية بذات أسلوبها، الذي تعرف السياسة الإيرانية كيف تستثمره لمصلحتها، فكل طرف يريد الغلبة في الصراع يفرض أسلوبه على غيره، ولو بعد حين، فتزدهر الطائفية في هذا الجو البائس، ولا يجد العامة من الناس حلولاً لمشاكلهم المشتركة في عالم اليوم، الذي بات صغيراً أكثر من أي وقت مضى، وهنا أستسمح قارئ هذه السطور المتواضعة، بأن أتوجَّه بمصارحة الأشقاء السعوديين، الذين من حقهم علينا مساندتهم ضد مَن يعتدي على كرامتهم وحريتهم، وكما غنَّى العندليب الأسمر في إحدى وطنياته «أحرار ونحب الحرية لبلدنا ولكل الدنيا ولكل الأمة العربية»، أقول إن كثيرين من الأشقاء السعوديين بدأوا بإدراك أهمية معالجة الأمراض الاجتماعية التي يعانيها المجتمع السعودي الكبير، شأنه شأن معظم مجتمعاتنا العربية، وهذا ما يستحق الإعجاب، ويستلزم الدعم والتشجيع، مثل عدم إنصاف المواطنات، وإهانة الوافدين، والأنا، والنفاق، والطلاق، والاستئثار في المناصب الإدارية، ورفض أغلب ما تتقدم به العقول الشابة من خطوات، واتهام كل من اختلف بالرأي في أخلاقه ومذهبه وأصله.

إن الإخلاص والمضي قدما في معالجة هذه الأمراض الاجتماعية وغيرها ربما كثير، يكفل لنا جميعا وللأشقاء السعوديين بالذات، كونهم طرفا رئيسا في خضم صراع طائفي مؤثر يفكك المجتمعات، المناعة القصوى لحماية حريتنا من الأخطار الخارجية، والقدرة الأهم على تفويت الفرصة على مَن يبث سموماً لا تنطلق فقط عبر الصواريخ والمدافع، بل أيضاً عبر الأفكار والأحوال.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *