الرئيسية » أحمد الجاسم » أحمد الجاسم : عودوا إلى رُشدِكم

أحمد الجاسم : عودوا إلى رُشدِكم

أحمد الجاسم
أحمد الجاسم

ربما لم يمر على المجتمع العربي في تاريخه المديد حقبة مضطربة مثل هذا الظرف الدقيق الذي نعيشه، من اضطرابات وفتن وحروب وتطرف وإرهاب واقتتال أهلي وانقسام في الرأي، فلم يخطر ببالي مرة، أنه سيأتي علينا يوم نرى فيه مَن يشكر ويؤيد العدو الإسرائيلي حين يستهدف أرضا عربية وجيشا عربيا، أو يغتال مناضلا عربيا كبيرا بحجم عميد الأسرى العرب الشهيد سمير القنطار، الذي حاول البعض – مع الأسف- أن ينسف تاريخه النضالي، بدءاً من عملية نهاريا ١٩٨٦، ومكوثه بسجون الاحتلال قرابة ثلاثة عقود حتى عام ٢٠٠٨؛ ليصوروه لنا، أنه مجرَّد «شبيح» لدى النظام الجائر في سوريا، وقاتل للأطفال، وكأن العدو استهدفه، ثأرا لأطفالنا في سوريا!

أليس بإمكاننا أن نضع مواقفه السياسية المساندة للأسد في ميزان الإدانة والرفض، وبطولاته وشجاعته في ميزان الإكبار والاعتزاز والتقدير، كي نقيّمه تقييما موضوعيا يليق به وبتضحياته؟ ومن المعروف والمؤكد أن العدو قتله، حفاظا على بقاء جبهة الجولان المحتل مغلقة وساكنة بلا مقاومة، وليس لسبب آخر.

هناك مَن ينفخ، ليلا ونهارا، في نار الطائفية والصراع المذهبي بين السُنة والشيعة، كي تكون له الأولوية على الصراع العربي- الإسرائيلي، وكأن كل مشاكلنا ومآسينا وهمومنا هي التي صنع إيران فقط لا غير، التي لنا معها مشتركات، ولدينا عليها تحفظات وانتقادات مستحقة، علما بأن الوطن العربي كان طيلة عمره متحفا لمختلف الأديان والأعراق والمذاهب والفرق، التي عاشت في كنف حضارتنا وساهمت فيها، من دون أن يصبح هذا التنوع هو المشكلة، وقد كان للزعيم الراحل جمال عبدالناصر صولات وجولات في مواجهة شرطي بريطانيا وأميركا في الخليج، شاه إيران، ولم يثر حينها أي صراع طائفي معها، بل خطت دار التقريب بين المذاهب في الأزهر الشريف، آنذاك، خطوات عظيمة في إزالة الحواجز المذهبية بين المسلمين، فلماذا يثار الآن؟ ولمصلحة مَن يتم تقسيمنا؟

لا شك أن المستفيد الأول من تمزقنا، هما العدو الإسرائيلي وحلفاؤه، وذلك جزء من الاستراتيجية الاستعمارية والصهيونية التي قامت على مبدأ «فرّق تسد»، والذي يعربد في فلسطين المحتلة كل يوم، وهو الآن يعيش بأزمة حقيقية منذ اندلاع الانتفاضة الثالثة في مطلع أكتوبر الماضي، فلم يعد الجدار العازل والقبة الحديدية وهدم منازل المقاومين واعتقالهم تقيه من طعنات السكاكين.

أما المستفيد الثاني، من وجهة نظري، فهي الحكومات الاستبدادية، التي تخشى التغيير، فحورت حراك الانتفاضات العربية، المطالبة بالحرية والكرامة والعدالة والمساواة والتنمية، إلى صراعات طائفية وقبلية وفوضى خلطت الأوراق والأولويات.

لم يكن الوضع العربي الراهن ينقصه احتراب أو أزمة، حتى تأتي قضية إعدام الشيخ النمر، ليزداد الاحتقان الطائفي سوءاً من جهة، وبتفاعل إيران وأتباعها بتهور وطائفية مع القضية من جهة أخرى، وخصوصا بعد الإقدام على حرق السفارة السعودية في طهران، ما أدى إلى سحب السفراء بين البلدين، وقطع العلاقات الدبلوماسية، والتصعيد مفتوح على أكثر من جبهة.

ومن المؤكد أن النمر لم يُعدم لأنه «شيعي» محرّض، فهناك العشرات من «السُنة» أيضا أُعدموا معه، بل لمواقفه السياسية. لقد كان بإمكان إيران أن تحتج إنسانيا على مبدأ الإعدامات بحق المتهمين، من دون تحيُّز طائفي، لو تخلَّت هي أيضا عن تطبيق هذه العقوبة القاسية. ومن المعروف أن إيران تتصدر دول العالم في تطبيق الإعدامات، إلى جانب أميركا والصين والسعودية.

وأمام هذا الانقسام العربي والإسلامي، وفي كل الملفات تقريبا، من ليبيا وسوريا ومصر واليمن إلى البحرين، لابد لنا من قضية جامعة نلتف حولها، وفلسطين هي وحدها القادرة على جمعنا، فلا يمكن أن يكون هناك ثائر حقيقي وباحث عن الحرية والعدالة والكرامة ويقبل باستمرار احتلال هذا البلد العربي وإبادة أهله، وتأجيل مواجهة هذا العدو، من أجل صراعات جانبية ومذهبية وعبثية لن تعود علينا إلا بالمزيد من الويلات والخراب.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *