الرئيسية » قضايا وآراء » ناصر العطار : «الطليعة» والبشوت الثلاثة

ناصر العطار : «الطليعة» والبشوت الثلاثة

ناصر العطار
ناصر العطار

سأتوكل على الله، وأكتب بصراحة، معبراً عن حدود ما أعرفه، وعن وجهة نظري، التي قد يجانبها الصواب، حول «الطليــعة»، من دون انحياز أعمى، وتجاهل لواقع مستجد. لو نظرنا في منطقتنا العربية لسياسيين كثيرين مارسوا العمل الحزبي أو البرلماني أو تبوأوا مناصب عليا، لربما سنجد أنهم أصحاب أهداف ذاتية، أو انجروا وراء تحديد وتحقيق أهداف ذاتية، وتكشف ممارساتهم على أرض الواقع تلك الأهداف، حيث نجدهم يشعلون أو يستغلون نارا لا تنطفئ يجنون من خلفها مكاسب يظنون أنها أبدية.

في عام 1984، استضاف المذيع القدير عبدالرحمن النجار في برنامجه الشهير شبكة التلفزيون د.أحمد الخطيب، الذي كان نائبا في مجلس الأمة، وكان أول سؤال وجهه المذيع للنائب، هو: «هل نطلق عليك لقب سياسي أم دكتور (طبيب)؟»، فأجاب الخطيب: «أنا دكتور، وهذه الصفة التي أعتز بها. وأنا أقضي معظم وقتي في ممارسة مهنة الطب.. أما لفظة سياسي، فلا أطيقها، لأنها توحي بأنني محترف سياسي، وأسعى لنيل منصب»، فقاطعه المذيع، قائلا: «لكن هذا لا ينفي عملك السياسي»، فأجابه الدكتور: «نعم، أنا تربيت على الاهتمام بالقضايا العامة».

من الواضح، أن د.أحمد الخطيب في إجابته الثانية حاول بقدر الإمكان الترفع عن صفة السياسي المراوغ صاحب الأهداف الذاتية، حتى وإن كان يقوم بعمل سياسي، كما قال المذيع المخضرم.

هذا الطبيب واحد من بين مجموعة عُرفت باسم «جماعة الطليعة»، ولا أظن أن أحداً بسيط الاطلاع لا يعرف بقية أسماء أفراد هذه الجماعة، فما الهدف الحقيقي لهذه الجماعة، وماذا واجهت في طريقها لتحقيق هدفها؟ والأهم من كل ذلك، إلى أين وصلت هذه الجماعة في هدفها؟

منذ حقب طويلة، فاقت ربما الستين عاما، كان هناك ثلاثة أطراف تملك بدرجات متفاوتة حضورا طاغيا على الساحة العامة في منطقتنا العربية، والكويت ليست استثناء عنها، وهي الحكومة والتاجر ورجل الإسلام السياسي.

ومن الطبيعي، أن تكون هذه الأطراف الثلاثة أصحاب الكلمة العليا في المنطقة العربية، حيث إنهم الأكثر نفوذا، والأقدر على إمساك زمام الأمور بحكم السلطة والمال والعلم الذين يملكونه، والأخطر من كل ذلك، هو بحكم المصلحة التي تربط في مرات عديدة الكثير من بينهم.

ومن الضروري هنا، أن أذكر طرفا رابعا، وإن كان غير عربي، لكن لا يمكن إغفال سطوته في منطقتنا العربية، وهو المستعمر الأجنبي، الذي صال وجال في الأرض العربية، محتلا أو داعما لاحتلال لايزال قائما إلى هذه اللحظة، أو زارعا في الأرض العربية ألغاما سياسية تنفجر في أي وقت.

في تلك المرحلة كان معظم الناس في المنطقة العربية مغلوبين على أمرهم، فلا كلمتهم مسموعة، ولا تأثيرهم حاضرا على أوطان يسكنونها، جيلا بعد جيل.
في الكويت، كان الشعب الذي اختار أسرة الحكم بلا إكراه مشغولا بتوفير الرزق الحلال والسفر لأجل التجارة، لكنه لم يغفل اتصاله بالعالم وارتباطه بمحيطه، ولم يقبل أن يكون قطيعا مجردا من الحرية والكرامة، فكان يلحُّ ويناضل، مرحلة بعد مرحلة، لكي يكون له حضور في وطنه.
صفحات التاريخ تذكر أن الكويتيين كتبوا في أشعارهم عن القومية العربية في العشرينات، وطالبوا بالديمقراطية في الثلاثينات، وتعلموا الكثير من البعثات المصرية، بدعم مباشر من طه حسين في الأربعينات.. هذا النضال الشعبي هز الكلمة النافذة التي احتكرتها البشوت الثلاثة عقودا من الزمن؛ بشت الحكومة وبشت التاجر وبشت رجل الإسلام السياسي، إلى أن جاءت مرحلة الخمسينات، حاملة أحداثا جساما في المنطقة العربية ساهمت بتتويج النضال الشعبي إلى أن نال الشعب دستور 1962، الذي كتبه المجلس التأسيسي المنتخب بحرية مطلقة من قبل الكويتيين.

ورغم ما تخلل حقبة الخمسينات من إغلاق تام للصحف والأندية الرياضية، فإن إصدار هذا الدستور يعني بوضوح، أن أصحاب البشوت الثلاثة (الحكومة والتجار ورجال الإسلام السياسي) عرفوا أن للكويتيين البسطاء كلمتهم، ما يعني أن كثيرا من الأطراف الثلاثة رضي، بشكل أو بآخر، بالوضع الجديد، وهل يمكن لدور المغفور له الشيخ عبدالله السالم، ولغيره من رجالات الكويت المحبين لحرية وكرامة واستنارة دين شعب الكويت، أن يُنسى في هذا المقام؟

في ظل هذه الأجواء، بزغت «الطليـعة» على وجه الحياة العامة في الكويت، وبالتحديد قبل صدور الدستور بأربعة أشهر.. صدرت، تجسيدا لما كان، وما استمر من نضال شعبي يهدف إلى ترسيخ قيمة الإنسان في الكويت والأمة، ساهم بعض رجالات «الطليـعة» في كتابة الدستور، من ثم تمسكت هي بالدفاع عن مبادئه، بشكل قد يعجز عنه البعض، ضعفا أو مللا أو انجرافا نحو إغراءات مادية.
تجاسرت «الطليـعة» في مراجعة أكثر من موقف لها على مستوى الوطن والأمة، لم تتعصب ضد قيام ثورة الخميني، ولم تنجرف خلف صدام حسين أثناء الحرب العراقية – الإيرانية، ولم تنسَ فلسطين بعد غزو الكويت، ومن قرأ البرامج الانتخابية لمرشحي «جماعة الطليعة» في انتخابات مجلس الأمة عام 1992، ويتذكر ندواتهم الانتخابية ذلك العام يعرف كيف كانت فلسطين حاضرة، ولم تستنكر اختيار المصريين للإخوان المسلمين بعد ثورة يناير، واعتبرته اختيارا ديمقراطيا، ورفضت بعناد، يُثير العجب والإعجاب، تهميش الإنسان الكويتي والعربي.

كان تقدير الإنسان العادي، هو هدفها، وقد واجهت غضب البعض من أصحاب البشوت الثلاثة، لأنها ببساطة أزعجتهم بهدفها، فلا كثير من الحكومات العربية والكويتية منها تعترف بالديمقراطية، وإن اعترفت بها شكلا، اعترضت عليها مضمونا، ولا بعض التجار الانتهازيين يقبلون بكسر الناس لاحتكار العمل التجاري، ولا رجالات الإسلام السياسي يقبلون بأن يكون الدين لله والوطن للجميع، وبمحاربة الطائفية، لأنها وقودهم الذي يقودهم لنيل رضا الحكومات العربية والغربية وتبادل المنافع معها. إذن، «الطليعة» كانت دائما على موعد مع حرب ضروس تعطل الإنسان في معيشته وكرامته وحريته في التعبير والممارسة، وحين حرق البوعزيزي نفسه في تونس، لم تفرّق «الطليعة» بين مطالب إصلاحية في البحرين، ومظاهر سلمية في سوريا، واعتبرت تأثر الشباب العربي أمرا قوميا طبيعيا تجب مساندته ضد الاستبداد العربي الرسمي.

واصلت «الطليعة» عنادها، ورفضت العنصرية، واعتبرت أن كل الشباب الذين تظاهروا في الكويت، هم شبابها، وفرَّقت بينهم وبعض السياسيين العنصريين، ولم تقبل التشكيك في القضاء الكويتي، ونادت باستقلاله، وطالبت من تطاول عليه بالاعتذار له.

عبَّرت «الطليعة» عن تسامحها، وصفحت عمن حاول إسكاتها بالرصاص، وساندت حرية تعبير من كان خصما عنيفا لها.

إذا كان الواقع المستجد يقول إن أغلب الناس اتجهت لوسائل التواصل الحديثة، فإن مسار تواصل «الطليعة» عبر هذه الوسائل لم يُغلق بعد.
وإذا كان أغلب الناس الآن، بكل فئاتهم ومستوياتهم، تجرأوا وقالوا ما كانت تقوله «الطليعة»، فإنها حققت هدفها، الذي سعت إليه بلا كلل، ولم تنتظر عليه ثناءً .

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *