الرئيسية » آخر الأخبار » تقليص الدعومات يخنق المواطن ويعكس عجز الحكومة

تقليص الدعومات يخنق المواطن ويعكس عجز الحكومة

الحكومة تحمّل المواطن تبعات تراجع النفط وفشلها في تنويع مصادر الدخل
الحكومة تحمّل المواطن تبعات تراجع النفط وفشلها في تنويع مصادر الدخل

كتب إيهاب علام:
لا تزال الاعتراضات مستمرة على عزم الحكومة  تقليص الدعومات المقدمة للمواطنين على المتطلبات التي تمس حياتهم، والتي قد تطول القرض الإسكاني، وبدل الإيجار، والبعثات الخارجية، والكهرباء، والبنزين، والعلاج في الخارج، ومنحة الزواج، والتكاليف المعيشية.

ولا يختلف اثنان على أن هذا التوجه الحكومي، بتقليص الدعومات المختلفة على أمور جوهرية في حياة المواطنين ينمُّ عن عجز حكومي في التعامل مع أي أزمة اقتصادية، أو أي ضائقة مالية.. فبدلاً من أن تبحث الحكومة عن بدائل أخرى لترشيد الإنفاق، بعيداً عن المواطن البسيط ومكتسباته التي كفلها له الدستور، وبدلاً من أن تبحث عن خطط بديلة لتعويض العجز في الميزانية، نجدها مع أي مشكلة اقتصادية تبحث عن جيب المواطن.

وبدلاً من أن تبدأ بنفسها بالترشيد، ووقف الهدر في كثير من بنود الميزانية، نجدها دائماً ما تعالج مشاكلها الاقتصادية على حساب المواطن،  على طريقة المثل الشعبي «أبوي ما يقدر إلا على أمي».

والغريب في قضية تقليص الدعومات التي كثر حديث الحكومة عنها خلال الفترة الماضية (ومن أجل ذلك تعاقدت مع شركة «إرنست آند يونغ»، لتقدم هذا التقرير المغلوط)، أن الحكومة لم تتحدث مطلقاً عن الهدر الحكومي، الذي يتم في الوزارات والهيئات والمؤسسات الحكومية، ولم تتحدث عن الفساد المالي، الذي يتسبب في هدر مئات الملايين من الدنانير سنوياً، ولم تتحدث أيضاً عن المناقصات المليارية، وما يحدث فيها من هدر مالي وتلاعبات.

والأمر ذاته ينطبق على المستشار العالمي الذي أعدَّ الدراسة للحكومة (إرنست آند يونغ)، فلم يتحدث هو أيضاً عن أي من هذه الأمور، وكان تركيزه في التقرير الذي أعدَّه على المواطن، وما يحصل عليه من دعومات، فلم يذكر مطلقاً التبذير الحكومي، بكافة أشكاله وألوانه، ولم يتطرق إلى الفشل الحكومي على مدار عشرات السنوات في تنويع مصادر الدخل، وهو ما وضعنا في هذه الورطة مع التراجع الحاد في أسعار النفط.

ابدأ بنفسك.. الهدر مستمر

في الوقت الذي تواصل فيه الحكومة الحديث عن حجم الهدر المالي الذي سيتم توفيره من تقليص الدعومات التي تقدم للمواطنين، في ترويج واضح وصريح لهذه الخطوة، نجد أنها لم تبدأ بنفسها، ففي ذات التوقيت الذي خرجت فيه التصريحات الحكومية من أكثر مسؤول عن فوائد تقليص الدعومات على الميزانية، نجد ديوان المحاسبة يصدر تقرير الأسبوع الماضي، يؤكد فيه أن الهدر المالي الحكومي مستمر.

وأشار التقرير إلى استمرار تزايد الصرف على الرواتب والمكافآت خلال السنوات المالية الثلاث (2013/2012– 2015/2014) بشكل يخالف قرارات مجلس الوزراء، المتعلقة بمعالجة مواطن الهدر في الإنفاق.

وبيَّن أن تزايد الصرف على المرتبات بميزانية الوزارات والإدارات الحكومية، بما فيها المكافآت لا يتماشى والتوجهات المالية بالدولة، التي تؤكد ضرورة ترشيد الإنفاق.
وأوضح التقرير أن المبالغ المصروفة على المرتبات، وما في حكمها قفزت من 7 مليارات و827 مليوناً في 2013/2012 إلى 8 مليارات و735 مليوناً في السنة المالية السابقة، فيما ارتفع الصرف على المكافآت من 215 إلى 359 مليوناً في الأعوام نفسها، مشدداً على أن استمرار تزايد الصرف على المرتبات بميزانية الوزارات والإدارات الحكومية، بما فيها المكافآت، لا يتماشى والتوجهات والسياسات الاقتصادية والمالية في الدولة، التي تؤكد ضرورة ترشيد الإنفاق، والحد من الإنفاق الجاري، بتخفيض معدل النمو في مصروفات الباب الأول.

وأكد التقرير استمرار تنامي الصرف على الباب الأول (المرتبات)، حيث شكلت الاعتمادات المخصصة لهذا الباب بميزانية الوزارات والإدارات الحكومية ما نسبته 24.1 في المائة من جملة الاعتمادات المخصصة للمصروفات بميزانية 2015/2014، بزيادة بلغت نحو 391.9 مليون دينار، وبنسبة 7.5 في المائة من اعتمادات السنة المالية السابقة.

وأوضح أنه بلغت زيادة المصروفات الفعلية لهذا الباب في السنة المالية 2015/2014، عن مثيلتها في السنة المالية السابقة، نحو 265.4 مليون دينار، وأن جملة المرتبات التي تتحملها الميزانيات العامة لا تتمثل فقط في ما تعبر عنه مصروفات الباب الأول (المرتبات)، في الحساب الختامي للإدارة العامة للدولة، وإنما تشمل، بالإضافة إلى ذلك، ما يصرف من مرتبات بالباب الخامس، التي تشمل المصروفات المختلفة والمدفوعات التحويلية بميزانية وزارة الدفاع، وتبلغ نحو 799.6 مليون دينار، ومرتبات الشؤون القضائية بوزارة العدل، وبلغت نحو 144.3 مليون دينار، ومرتبات العاملين بالجهات ذات الميزانيات الملحقة والمستقلة (التي تمول ميزانيتها من ميزانية الحسابات العامة بوزارة المالية)، وبلغت نحو 812 مليون دينار، بالإضافة إلى التحويلات للمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية (مساهمة الحكومة في الصناديق التقاعدية)، التي بلغت نحو 1.676.7 مليون دينار.

مكافآت القياديين  

ولا شك أن الخلل والزيادة المستمرة في الباب الأول، والهدر المالي المستفحل في كافة جهات الدولة، نتاج سياسات حكومية خاطئة على مدار السنوات الماضية، وليس من العدل عندما يتراجع النفط أن تحمّل الحكومة المواطن أخطاءها وفشلها في إدارة اقتصاد البلاد، والأجدر بها وقف الهدر في الجهات الحكومية، والهدر في مكافآت القياديين في الدولة، ومراقبة ووقف الهدر في المناقصات المقدرة بالمليارات.

لكن بدلاً من كل ذلك، نجدها تريد تخفيض الدعم عن أمور ضرورية، وأولوية قصوى للمواطنين، التي من المفترض على الحكومة أن توفرها له من دون منّة، أو تقصير أو تخفيض، وعلى الحكومة أولاً أن تصلح خدماتها ومرافقها من صحة وتعليم وعلاج، وتبدأ بنفسها بترشيد الإنفاق في بنود ميزانيتها، من ثم تبحث عن تخفيض الدعوم التي يستفيد منها المواطن.

كما على الحكومة، أن توقف البنود التي تثقل كاهل الحالة المالية للدولة، مثل بند الاستشارات والتدريب، وكذلك الدورات الداخلية والخارجية، وبند المهمات الرسمية غير الضرورية، والمشاركات الخارجية، وبند النثريات الخاصة للوزراء والوكلاء وكبار المسؤولين، والبند الخاص بتغطية الهواتف والوقود، وكذلك الأعمال الإضافية واللجان والبنود الأخرى المشابهة.

والأمر ينطبق، كذلك، على أعضاء مجلس الأمة، وبعد كل هذا تأتي مناقشة الأمور المتعلقة بتخفيض الدعوم على المواطنين وأصحاب الدخل المحدود.

تضييق على المواطن

ما جاء في الدراسة ليست محاولات لمعالجة أوجه الهدر، بقدر ما هي محاولات للتضييق على المواطن البسيط.. وإذا كانت الحكومة جادة فعلاً في تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية، فعليها إثبات جديتها في اتخاذ إجراءات عملية في إصلاح الهدر في وزاراتها وهيئاتها، والتوجه في الوقت ذاته نحو تعظيم الإيرادات غير النفطية، ومعالجة الاختلالات التي تعتري الموازنة العامة للدولة، والتخفيف من حدة الاعتماد على مصدر أحادي، وما ينطوي عليه من مخاطر وتداعيات سلبية كثيرة، بعيداً عن المساس بمعيشة وحياة محدودي الدخل من المواطنين.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *