الرئيسية » عربي ودولي » الانتخابات الرئاسية الفرنسية على صفيح ساخن

الانتخابات الرئاسية الفرنسية على صفيح ساخن

فرانسوا هولاند
فرانسوا هولاند

محمد الغربللي:
أحدثت الانتخابات المناطقية في فرنسا إرباكاً سياسياً كبيراً على ضوء التقدم بأصوات الناخبين لمرشحي «الجبهة الوطنية»، حيث حصلت القائمة على 6800000 صوت في كل الأقاليم، وهو حاجز رقمي لم تصل إليه الجبهة في تاريخها الانتخابي، فدقت أجراس الإنذار للأحزاب الأخرى التي تستعد للانتخابات الرئاسية التي ستجرى عام 2017.

بداية، لنأخذ الأمور في إطارها الجغرافي – السياسي بوضع الأحزاب في الانتخابات القادمة.. تشير استطلاعات الرأي إلى تدني شعبية الرئيس الفرنسي الحالي فرانسوا هولاند إلى أدنى مستوى، حيث وصلت نسبة رضا الفرنسيين عن أدائه إلى 12% في وقت ما، قبل أن ترتفع مرة أخرى نتيجة لإدارته مجريات حادث الاعتداء الإرهابي، الذي جرى في 13 نوفمبر الماضي.. وإذا كانت إدارته للأزمة قد رفعت نسبة الرضا عنه، إلا أن هذا الأمر مؤقت بعض الشيء، ومتأثر بحالة الصدمة التي ألمت بالشارع الفرنسي جراء العمليات الإرهابية في أكثر من مكان، فمشاكل الرئاسة والأغلبية الحاكمة مستمرة ومتزايدة، نتيجة ارتفاع نسبة البطالة والوعود غير المنفذة وحال اليسار تجاه القضايا الدائرة هناك، وآخرها الدعوة التي أطلقها هولاند لإجراء تعديل دستوري عقب حوادث الإرهاب، وأبرزها نزع الجنسية الفرنسية عن المولودين في فرنسا، أو منحوا جنسية فرنسية ولديهم جنسية أخرى، في حال ارتكابهم أي عمل إرهابي.. هو قرار جاء كردة فعل آنية على العمليات الإرهابية، ولكن بذهاب «السكرة» واتيان الفكرة، بدأ اليسار، ومنهم من الحزب الاشتراكي الحاكم، برفض هذا التعديل الذي يبين هيكلية الانتماء للوطن الفرنسي، ويهدد فكرة الجمهورية بمبادئها، كما أنه يعزز نداءات وأهداف الجبهة الوطنية اليمينية التي تطالب بوقف الهجرة والتجنيس وغيرها من المطالبات العنصرية، فضلا عن أن هذا التعديل الدستوري سيعطي دعماً للجماعات الإرهابية لتعزيز فكرة الفصل القائم على الدين بين الفرنسيين أنفسهم.. وإزاء ذلك ظهر تردد بالموافقة على هذا التعديل.

نيكولا ساركوزي
نيكولا ساركوزي

فضيحة الحزب الجمهوري

على الجانب الآخر، خرج الحزب الديغولي الذي يمثله الرئيس السابق نيكولا ساركوزي، والذي أصبح يسمى الحزب الجمهوري، بفضائح عدة أمام المرشح الاشتراكي في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، وأمام فرانسوا هولاند الذي يعتبر شخصية ضعيفة في الحزب الاشتراكي قياساً بشخصيات أقوى منه.. الحزب الجمهوري خرج بفضائح مالية قادت الرئيس السابق إلى التحقيق القضائي بقضية «ليليان بتنكور»، صاحبة الشركة الغنية التي يقال إنها تبرعت في انتخابات الحزب بطريقة غير شرعية، عدا الأقاويل التي جرى الحديث عنها بتبرع معمر القذافي بمبلغ 50 مليون يورو لحملة ساركوزي الانتخابية.. وكان مشهد الرئيس السابق ساركوزي صاعقاً على شاشات التلفزة الفرنسية، وهو يُقاد إلى التحقيق القضائي، لكن الأوضاع والأحداث السياسية يمكنها تغطية الفضائح على الساحة جراء كثرتها، أو بطريقة عمل الآلة الإعلامية بكل طاقتها في كنسها.. وهكذا عاد ساركوزي من جديد منذ فترة إلى مواجهة الحزب الاشتراكي في الانتخابات الرئاسية القادمة غير مستسلم، بل يهدد حتى الجبهة الوطنية بأنها تضعف مبادئ الجمهورية الفرنسية.

تنافس 3 أحزاب

مارين لوبان
مارين لوبان

الحزبان الجمهوري والاشتراكي كانا يعتقدان – قبل الانتخابات المناطقية التي أبرزت التوجهات الانتخابية الفرنسية – أنهما المتنافسان الوحيدان على كرسي الرئاسة، كما جرت عادة الانتخابات، لكنهما فوجئا بشكل كبير بالأصوات التي نالتها الجبهة الوطنية.. وهذا يعني أن الانتخابات الرئاسية القادمة، وفق تحليلات الأرقام، ستفوز بها الجبهة الوطنية ممثلة في مرشحتها مارين لوبان، بنسبة تتيح لها المنافسة في الجولة الثانية، حيث إن الانتخابات تتم بجولتين، وتشير الاستطلاعات الأخيرة إلى أنه في الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية سيحصل الرئيس الحالي هولاند على 22% من أصوات الناخبين، وساركوزي على 21%، ومارين لوبان على 27%، ما يعني بموجب هذا الاستقصاء الأخير أن المنافسة ستكون بين الحزب الاشتراكي والجمهوري في الجولة الأولى للانتخابات، ليتمكنا من الوصول إلى الجولة الثانية ومواجهة لوبان وحزب الجبهة الوطنية.

المنافس الجديد

تأثير الأشخاص على الوضع والتوجهات السياسية ليس محصوراً على منطقة دون غيرها، أو على الدول النامية وحدها، بل حتى في الدول المتقدمة، حيث تشير الاستقصاءات إلى أنه في حال تقدم رئيس الوزراء الأسبق آلان جوبيه (في عهد الرئيس الأسبق جاك شيراك خلال 1995-1997، وكان يتمتع بعدة مناصب وزارية أخرى منذ عهد فرانسوا متيران، ويعتبر الأب الروحي للحزب الاشتراكي) للانتخابات الرئاسية فإنه سيحصل في الجولة الأولى منها على 30%، وهولاند على 20.5%، ومارين لوبان على 26%، لتصبح المنافسة بين جوبيه ولوبان، وتكون العملية من ناحية الأرقام الانتخابية والتحالفات السياسية محسومة للوصول إلى الكرسي الرئاسي عام 2017.

الثقل الأكبر

عام ليس ببعيد عن تلك الانتخابات، حيث بقي 16 شهراً لعمل دؤوب متواصل ولحشد الأنصار واستنهاضهم، وثقل هذه الانتخابات يأتي أكثر على الحزب الاشتراكي الحاكم الذي لا يمكنه قطع عهود ووعود دون تنفيذ سياسات يجد أغلبها فاشلة أو خارج إمكاناته المالية، في ظل الأزمات الاقتصادية التي تتعرض لها فرنسا.. يمكن للحزب إطلاق الوعود وتحديد توجهات وسياسات داخلية وخارجية، ولكن عليه وحده تطبيقها على الواقع مادام يتولى دفة الرئاسة ويحظى بأغلبية المجلس الوطني، وهنا تكمن المصاعب.. الأحداث الإرهابية خدمته بقدر ما، لكن لا يمكن الارتكان على الحوادث الطارئة وحدها.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *