الرئيسية » محليات » 6 وجوه كشف عنها حكم «الدستورية» بإبطال هيئة مكافحة الفساد

6 وجوه كشف عنها حكم «الدستورية» بإبطال هيئة مكافحة الفساد

المحكمةكتب آدم عبدالحليم:
عدة وجوه سياسية ودستورية وقانونية أفرزها قرار المحكمة الدستورية الأحد الماضي بعدم دستورية مرسوم هيئة مكافحة الفساد، ليعد بذلك رابع أشهر قرار للمحكمة في آخر أربع سنوات، والتي بدأت بالقرار المتمثل في إبطال مجلس 2012 (المبطل الأول)، لعدم سلامة إجراءات حل مجلس 2009، الذي بمقتضاه عاد الفصل التشريعي الثالث عشر من جديد قبل أن يتم حله مرة ثانية بعد عدم إمكانية عقد الجلسات.

ويأتي في المركز الثاني من حيث الأهمية قرار بطلان مجلس 2013 (المبطل الثاني)، بسبب عدم خضوع مرسوم اللجنة العليا للانتخابات، التي أشرفت على الانتخابات في وقتها، لحالة الضرورة، وهو القرار نفسه الذي حصن مرسوم الصوت الواحد.

وفي المركز الثالث رفض المحكمة منذ عامين جميع الطعون الانتخابية بشأن صحة انتخابات مجلس الأمة (يوليو 2013)، ما ترتب عليه تحصين المجلس الحالي، وأبعد هاجس إمكانية إبطاله.

صلاحيات «الدستورية»

وأول تلك الوجوه التي أفرزها قرار المحكمة الدستورية الأخير، وفقاً لآراء دستورية، يتمثل في تأكيد ما ذهب إليه السياسيون والقانونيون عقب قرار المحكمة بإبطال المجلس الأول، بقولهم إن الحكم منع استسهال إصدار المراسيم، أو بمعنى آخر أعطى للمحكمة الدستورية الحق في التوسع في اختصاصاته، للنظر في مدى ضرورة المراسيم، وليس فقط اقتصار اختصاصاته على سلامة الإجراءات الدستورية.

وأوضحت حيثيات القرار ذلك بتأكيد المحكمة أن المرسوم «ليس في المسائل التي تناولها بالتنظيم ما يوجب الإسراع في اتخاذ إجراء تشريعي عاجل يتحمل الأناة والانتظار، وأن ما تناولته المذكرة الإيضاحية لهذا المرسوم وإن جاز أن تندرج ضمن البواعث والأهداف التي تدعو سلطة التشريع الأصلية الى سن قواعد قانونية في مجال مكافحة الفساد ومعالجة أسبابه».

المجلس التشريعي

ثاني تلك الوجوه تأكيد أن مجلس الأمة هو الصفة الأساسية للتشريع، وهو شعار رفعه كثير من السياسيين في الفترات الأخيرة، لاسيما عقب إصدار مرسوم الصوت الواحد، بتأكيدهم، وفقا لآراء دستورية، أن المجلس التشريعي هو صاحب الاختصاص الأصلي في سن القوانين، وأن مراسيم الضرورة حق فرعي تستخدم وفق ضوابط معينة وأطر حددها الدستور.

الكسب غير المشروع 

ثالث تلك الوجوه إسقاط كل التهم «الجنائية»، المتعلقة بقضايا الكسب غير المشروع، وأهمها ما أحاله مجلس الأمة من تقارير الى الهيئة للتحقيق فيها، وعلى رأسها إحالة ملف جميع النواب منذ 2006 حتى المجلس الحالي للكشف من قبل الهيئة عن الذين استفادوا من الإيداعات، وتضخمت أرصدتهم البنكية والعقارية.

وبالتبعية، سقطت كل التهم الجنائية الأخرى، المتعلقة بعدم تقديم إقرارات الذمة المالية في موعدها، وآخرها ما أعلنه رئيس الهيئة منذ أيام عن إحالة 43 مسؤولا الى الإدارة العامة للتحقيقات لاتخاذ الإجراءات القانونية ضدهم بعد تأخرهم وتخلفهم عن تقديم إقرارات الذمة المالية في موعدها المقرر.

قضايا الإيداعات

أما الرابع فهو أن عدم دستورية الهيئة العامة لمكافحة الفساد، واعتبارها كأن لم تكن، يعني إمكانية تكرار قضايا الإيداعات من جديد، وحفظها مرة أخرى دون محاسبة مرتكبيها، نظرا لوجود فراغ تشريعي لمعالجة تلك القضايا، وهو السبب الذي من أجله تم حفظ هذه القضايا.

الطعن على المراسيم

ويتمثل الخامس في فتح الباب أمام الطعن على جميع مراسيم الضرورة، التي صدرت في غياب مجلس الأمة، سواء في تلك الفترات التي أعقبت الحل أو التي أعقبت انتهاء الفصل التشريعي، لكي تفصل المحكمة الدستورية في مدى ملاءمتها للمادة 71 من الدستور، وخضوعها لصفة الضرورة التي نصت عليها المادة.

فراغ قانوني

والوجه الأخير إلقاء الكرة في ملعب مجلس الأمة، فالفراغ القانوني الذي تعيشه البلاد حاليا على مجلس الأمة أن يملأه، ورغم أن هناك بالفعل اقتراحاً بقانون تدرسه اللجنة التشريعية وأنباء عن استعجال الحكومة لمشروعها لتعويض ذلك الفراغ بالاتفاق مع المجلس ورئيسه، إلا أن الأمور لم تحسم نهائيا، فضلا عن أن الأمر، في حالة إقرار المشروع الحكومي أو المقترح الذي هو في جعبة اللجنة التشريعية حالياً، سيظل مرتبطاً بأمور أخرى كاللائحة التنفيذية ونشر القانون في الجريدة الرسمية.

محمد الفيلي
محمد الفيلي

الفيلي: تشريعات متعددة قد تسقط..
ويمكن لـ «الأمة» إعادة التشريع مرة أخرى

ذكر الخبير الدستوري د. محمد الفيلي: «وفقا لما هو منشور، فإن الحكم استند الى فكرة عدم توافر الضرورة، التي بُنيت على عنصرين أولهما أن هذا الأمر ليس مستجداً، وآخرهما لم يصدر في التشريع (المرسوم) أمر يؤشر على الضرورة، مما يتيح إمكانية الاستعجال في التنفيذ».

وأضاف د. الفيلي: «إذا أخذنا هذين العنصرين في الاعتبار تصبح الكثير من التشريعات معرضة للحكم بعدم الدستورية، ما يدعونا الى التأمل في أن هناك تشريعات متعددة يمكن أن تسقط لذات السبب».

وعن مدى تأثير الحكم على هيئة مكافحة الفساد كمؤسسة قال إن «الحكم اعتبر أن الهيئة لم تكن موجودة في يوم من الأيام، وما عمل فيها من أجهزة فنية ووظيفية وغيرهم من الموظفين رواتبهم سليمة، كونهم تقاضوا أجورهم مقابل عمل تم تأديته كموظف، وعلى الإدارة الحكومية أن تنظر في وضعهم الحالي»، مضيفا ان انتقالهم من أماكن عملهم الأصلية كان بناء على ظاهر قانوني صحيح، وبإمكانهم العودة الى عملهم الأصلي مرة أخرى.

وعما يمكن أن يفعله مجلس الأمة بعد وجود ذلك الفراغ القانوني تابع: «يمكن للمجلس أن يعيد التشريع مرة أخرى، ويمكن أن يصل لأكثر من ذلك بأن يقوم بتصحيح تشريعي يعتبر وجود هذه المؤسسة في الماضي أمرا سليما قانونيا ودستوريا، وفي هذه الحالة سيحتاج المجلس الى التصويت بأغلبية خاصة (الثلثان)».

وزاد: «إذا أقر المجلس تشريع هيئة مكافحة الفساد بأثر رجعي فلن يمتد ذلك الى المسائل الجنائية، لذلك من لم يسلم إقرار ذمته المالية من المسؤولين في الموعد المحدد لن تتم معاقبته جنائيا، وحتى هذه اللحظة (بعد إصدار المحكمة حكمها) لا توجد جريمة على المسؤولين وغيرهم الذين لم يسلموا إقرار الذمة المالية في مواعيدها المحددة التي أعلنت الهيئة».

بندر الخيران
بندر الخيران

الخيران: عودة إلى المربع الأول..  وهناك إمكانية لاستمرار الفراغ القانوني

أكد أمين عام المنبر الديمقراطي بندر الخيران أنه «بعد عقود تفاعلنا فيها مع قضية كانت مطلب الشارع والسياسيين، وظهرت بوضوح خلال فترات الحراك الأخيرة، ها نحن نعود إلى المربع الأول من جديد، عقب حكم المحكمة الدستورية بعدم دستورية الهيئة العامة لمكافحة الفساد، والأدهى من ذلك أن هناك إمكانية لاستمرار حالة الفراغ القانونية الحالية في ملف مكافحة الفساد لوقت ومدة أطول».

وأعرب الخيران عن تخوفه من أن يبقى الفراغ القانوني على ما هو عليه حاليا بعد الحكم، استغلالاً لحالة الهدوء التي تسيطر على المشهد السياسي حالياً، وعدم وجود قوة ضاغطة على الحكومة، مبيناً أن «الحكم ثبت وجهة نظرنا التي أكدنا عليها مراراً وتكراراً بأن مجلس الأمة هو الجهة الأصيلة للتشريع وما عداه جهة فرعية، وأن استخدام السلطة التنفيذية حقها في إصدار المراسيم ليس أمرا مطلقا، لكنه محدد وفق ضوابط تتعلق بالضرورة، كما نص عليها الدستور في مادته رقم 71».
وتابع: «لذلك فإن على الحكومة أن تعلم أن إصدار المراسيم خلال العطلة الصيفية، أو في فترات عدم انعقاد المجلس، يكون في أضيق الحدود وفي حالات الضرورة التي تحتاج الى استعجال، وبشكل تكون فيه السلطة التنفيذية مجبرة على ذلك»، معتبراً أن القضاء الدستوري بحكمه الأخير أثبت مرة أخرى امتداد صلاحياته لتشمل أبعاداً لم يختص بها في السابق، وأهمها مدى ملاءمة تلك المراسيم لحالات الضرورة والاستعجال.

واعتبر أن مجلس الأمة منوط في الوقت الحالي بالتغلب على ذلك الفراغ التشريعي، الذي حدث بإبطال المرسوم في أسرع وقت ممكن، ولا يتباطأ في ذلك الملف، متمنياً أن يأتي التشريع الجديد خاليا من الثغرات التي كان عليها التشريع القديم.

وأضاف الخيران: «لا بد أن تكون تبعية مقترح هيئة مكافحة الفساد القادمة، أو أيا كان اسمها، لمجلس الأمة لا للجهة التنفيذية، وأن تكون الأمور القانونية واضحة تماما في ما يتعلق بحماية المبلغ وإقرارات الذمة المالية والعقوبات، على أن تكون شاملة وخالية من الثغرات التي كانت محل حديث الشارع السياسي في السنتين الاخيرتين».

وزاد: «يشاء القدر أن يتم وضع السلطتين في تحد لا بد من إنجازه وبأسرع وقت ممكن»، متسائلاً: «هل يا ترى سيتم الانتهاء من ذلك الملف في الوقت الذي أعلنته الحكومة والمجلس بعد إقرار مجلس الوزراء مشروعه الجديد، أم سيرحل ليضاف الى قائمة الانتظار العريضة من الملفات المهمة والمستحقة؟».

محمد نهار
محمد نهار

نهار: كشف مدى رغبة الحكومة في التغوّل على بقية السلطات

شدد منسق عام التيار التقدمي محمد نهار على أن إبطال هيئة مكافحة الفساد أثبت عدم اهتمام الحكومة بتطبيق صحيح الدستور عند إصدار المراسيم، لا سيما في ما يتعلق بتوافر عنصر الضرورة بين أدوار انعقاد مجلس الأمة أو في فترة حلّه.

وأشار نهار إلى أن تلك الإشكالية هي التي أحدثت الربكة الحاصلة حاليا في مؤسسات الدولة، ودليل دامغ على مدى التخبط الذي تعانيه الحكومة في إدارتها للدولة، خصوصاً في ما يتعلق بالفتوى والتشريع.

واعتبر أن «الحكم اثبت أيضاً وجهة نظرنا المتمثلة في مدى رغبة الحكومة في التغوّل على بقية السلطات، وعدم الاكتفاء بدورها كجهة تنفيذية، بل ظهر بشكل واضح سعيها إلى ممارسة دور المشرّع أيضاً، وهذا ما يعكس حقيقة الأزمة التي نعيشها ويوضح مكامن الخلل في إدارة البلد».

وأضاف: «ما يؤكد ذلك أن الحكم جاء ليفند أسباب رفض المرسوم، وتأكيده عدم توافر العنصر الأهم (الضرورة والاستعجال)، والتي للأسف كانت حاضرة من وجهة نظرهم في حكمها حول دستورية مرسوم الصوت الواحد، والتي لا نزال نعتقد أنه فقد أيضاً عنصر الضرورة، كما نصّت عليه المادة ٧١ من الدستور، ولا يمكننا تجاهل ما ترتب عليه إلغاء الهيئة، وهل ستتم محاسبة المسؤول عن هدر الوقت والمال بإنشاء هيئة بشكل مخالف للدستور؟».

المحامي بسام العسعوسي
المحامي بسام العسعوسي

العسعوسي: خلل كبير بجهاز الفتوى والتشريع
ومستشاري رئيس الوزراء

وجه المحامي بسام العسعوسي برقية الى سمو رئيس مجلس الوزراء، قال فيها إنه «وبعد حكم المحكمة الدستورية ببطلان مرسوم إنشاء هيئة مكافحة الفساد، فضلا عن السوابق الأخرى العديدة، التي سبقت ذلك الحكم، بداية من بطلان مرسوم اللجنة العليا للإشراف على الانتخابات (يونيو ٢٠١٣)، والذي أدى الى بطلان مجلس الأمة، نجد أن هناك خللاً كبيراً في جهاز الفتوى والتشريع (محامي الحكومة)، وأيضاً بمستشاري رئيس الوزراء».

واعتبر العسعوسي أن «بطلان مراسيم يقرها مجلس الوزراء ويصادق عليها سمو أمير البلاد، ويتم إبطالها من المحكمة الدستورية أمر يدعو للوقفة وطرح التساؤلات المستحقة لكي نكتشف جميعا مكامن الخلل التي أوصلتنا الى تلك الحالة ونمنع تكرارها»، متسائلاً: «هل للمواءمة السياسية دور؟ وهل توجد نية تعمد وقصد لإصدار هذه المراسيم حتى يتم بطلانها؟».

وأوضح أنها أسئلة مستحقة وهناك ضرورة للإجابة عنها وبشكل واضح، وستكون محاولة لإيقاف هذا العبث والاستهتار بإصدار هذه المراسيم ومحاسبه المتسبب، سواء إدارة الفتوى والتشريع أو أيا من المستشارين في مجلس الوزراء.

وأضاف العسعوسي أن أجهزه الدولة، وما يصدر عنها من قرارات ولوائح ونظم تمس الناس ومصالحها، يجب أن تكون محصنة دستوريا وقانونيا لكي يطمئن الناس ويشعرون بالاستقرار، ويمنع تهديد استقرار المؤسسات والجهات الحكومية.

وبين أن «قانون إنشاء الهيئة من القوانين الحضارية التي ستساهم بلا شك في محاربة الفساد، وتعالج حالات الكسب غير المشروع التي عانى منها مجتمعنا الصغير، وكادت تعصف بمؤسساته»، معتبرا أن وجود هذه الهيئة سيزعج الكثيرين من الفاسدين، ويقضي على طموحهم التوسعي.
واردف: «نأمل من مجلس الأمة، وفي أسرع وقت ممكن، معالجة الخلل التشريعي الحادث حاليا بعد حكم المحكمة، إذ يمكنه تقديم نفس التشريع والتصويت عليه لإقرار إنشاء الهيئة، مع معالجة بعض الثغرات التي أثارها العديد من السياسيين والخبراء في الفترة الماضية»، متمنيا أن تساهم تلك الخطوة في تفويت الفرصة على المناورين السياسيين لإجهاض هذا القانون والقوانين التي تقيد الفاسدين.

Print Friendly

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *