الرئيسية » محليات » في ندوة «أزمة الهوية.. المسألة الطائفية في الوطن العربي».. سلطان العامر: السياسة في الأصل فاجرة ودون أخلاق

في ندوة «أزمة الهوية.. المسألة الطائفية في الوطن العربي».. سلطان العامر: السياسة في الأصل فاجرة ودون أخلاق

جانب من الندوة وفي الإطار سلطان العامر
جانب من الندوة وفي الإطار سلطان العامر

حنين أحمد:
استضاف ملتقى كلمة في الجمعية الثقافية النسائية بالخالدية ندوة بعنوان «أزمة الهوية.. المسألة الطائفية في الوطن العربي»، حاضر فيها الأستاذ سلطان العامر، باحث دكتوراه علوم سياسية في جامعة جورج واشنطن.

بداية، رأى العامر أن النظرة الاختزالية للسياسة تتمثل في أنها في الأصل محاولة تحصيل مصالح، بحيث إنه يدخل فيها كل الناس الانتهازيين، وان السياسة في الأصل فاجرة ودون أخلاق، ومن يدخل السياسة رجل فاسد.

وأضاف ان هناك «نظرة ثانية هي أنه عندما نحلل الصراعات السياسية في أميركا نختزلها في المصالح الاقتصادية، ولذلك لا يوجد مجال عام مستقل اسمه المجال السياسي، بل يجب علينا رده إلى ما ورائه، كالماركسيين الذين يردونا إلى الطبقية، ولكن لا يوجد مجال سياسي مستقل مثل ما نقول مجال ديني أو جماعي أو أخلاقي».

ضروريات بيولوجية

ولفت العامر إلى أنه في الغالب لا ينظر إلى السياسة على أنها مجال مستقل رغم أن هذه النظرة موجودة منذ أيام الرسول محمد (ص)، فالإنسان كائن أو حيوان سياسي، والمقصود هنا أنه يشترك مع باقي الحيوانات لناحية الضروريات البيولوجية التي تضطره للعيش مع الناس، ولكن ما يميزه مجموعة كماليات، كالأخلاق والدين.

وزاد أن من بين هذه الكماليات أنه يمارس السياسة، وهذا يعني أن حياته ليست مجرد أكل وشرب، بل يعيش حياة فاضلة، والفضيلة تختلف باختلاف السياقات، لكن هذا المعنى الإضافي للحياة الحيوانية مع الحياة البيولوجية يمكن إشباعه عن طريق المجال الديني أو الأخلاقي أو السياسي.

التمييز بين الصديق والعدو

وتساءل العامر: ماذا نقصد بأنه يمكن إشباعه عن طريق المجال السياسي؟ مضيفا: «قبل 2000 سنة عرّف أحد الكتاب الألمانيين السياسة على أنها المجال الذي يتم فيه التمييز بين الصديق والعدو، والأخلاق هي المجال الذي يتم فيه التمييز بين الحسن والقبح، فهناك مشاعر عند الإنسان ومجموعة سلوكيات، كالتضامن والتضحية وتجاوز المصالح الشخصية لأجل مصالح جماعية».

وتابع ان «هذه السلوكيات لا يمكن أن يمارسها الإنسان إلا بعد أن يعرف من هم أصدقاؤه أو أعداؤه، وبدون ذلك لا يوجد مجال سياسي، ولا يمكن أن تكون هناك حالة لا يوجد فيها أصدقاء وأعداء حتى عند الأشخاص الذين يتبنون الإنسانية كهوية، فعليهم خوض حرب أخيرة ضد من يعادون الإنسانية، ولا نستطيع العيش في الحياة دون الاعتراف بهذه المجالات».

الدولة القديمة.. والحديثة

وأوضح العامر أن السياسة هي المجال الذي نحدد فيه لمن ننتمي وضد من، وتحويل الهوية المذهبية إلى هوية سياسية، يعني تحويل أتباع مذهب معين إلى جماعة سياسية، وكون ذلك ظاهرة حديثة، فهذا يعني أنها مرتبطة بنموذج سياسي نشأ في المنطقة الغربية، وتم تعميمه عبر الاستعمار والرأسمالية التي هي الدولة الحديثة وهي نظام سياسي مختلف عن الدولة المدنية.

وأشار إلى أن «كلمة دولة في الثقافة الإسلامية تعني الثورة، وترجمة الدولة تعطي انطباعاً على أنه عندما نتكلم عن الدولة الأموية كأننا نتكلم عن الدولة السعودية، ولكن الدولة القديمة تختلف عن الحديثة، فالقديمة تطلب من مواطنيها فقط التجنيد والضرائب، أما الحديثة فهي متغلغلة في جوانب الحياة من صحة ونقل وأحوال شخصية».

وأفاد بأن أحد العلماء الفرنسيين يعرف الدولة الحديثة بـ «أن تُحكم يعني أن تُراقب ويُتجسس عليك وتُقاضى بالقانون وتُحصر وتُسجل وتُدجل، وأن يتم التحكم بك، وأن تُفتش وتُقيم وتُؤمر بواسطة مخلوقات ليس لديها الحق في ذلك».

وبين أن العلاقة مع الدولة تبدأ من شهادة الميلاد، وتنتهي بشهادة الوفاة، وبين هاتين الشهادتين هناك الكثير من الأمور، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الدولة القديمة مختلفة عن الحديثة كلياً، والأخيرة تتدخل في كل شيء في حياة الناس، وهنا يكون موضوع الرزق قد تحول من شأن عام إلى خاص، وإذا تحول إلى مسألة سياسية يبدأ الناس بتعريف أنفسهم كصديق وعدو داخل هذا المجال، أي لمن يستحق الثروة ومن لا يستحقها، وهنا تصبح الهويات مسيسة.

واردف ان هذا التغلغل للدولة الحديثة في مجالات الإنسان خلق فضاءات سياسية جديدة يتم فيها التنافس بين جماعات وتعريف أنفسها كأصدقاء وأعداء، وهذه الفضاءات السياسية يكون عليها صراع في الدولة الحديثة، كالصراعات الموجودة في سوريا والعراق، وهي صراعات في هذه المجالات.

دولة تمثيلية

وذكر العامر أن الجانب الثاني للدولة الحديثة يتمثل في أنها دولة تمثيلية، أي إنها تبرر علاقة الحاكم بالمحكوم عبر تمثيل الحاكم للمحكوم، ولكن لا أحد يبرر حكمه على اعتبار أنه يمثل الشعب، وهذا التمثيل يقوم على الأغلبية، ومن لا يدخلون ضمن هذا التعريف يتم تسييس هويتهم، كالأكراد والسنة والشيعة وغيرهم.

وقال: «هنا نتساءل: هل العراق دولة سنية أم شيعية؟ والخلاف هنا ليس على نصوص، إنما لأن مجموعة من الناس يريدون أن يروا رموزهم مجسدة في هذا الكيان السياسي الذي يبرر وجوده وحكمه عن طريق تمثيل الناس، والخلافات الموجودة هي خلافات على التمثيل أكثر من الثروة، وهنا تصبح الأكثرية العددية لها قيمة معيارية، وحتى الدولة الديمقراطية ليس كل الناس هم من يختارون فيها، وهذه ظاهرة حديثة تحول الهوية المذهبية إلى سياسية».

كيف تتشكل الطائفية؟

واعتبر العامر أن الطائفية في الوطن العربي تتشكل عبر توفر شرطين:
● الأول: شروط بنيوية، أي ان يصبح هناك عدم عدالة في توزيع الثروة والتمثيل، فالدولة عندما تمثل جزءاً من المجتمع وتتجاهل الجزء الثاني يصبح هناك عدم عدالة بتوزيع التمثيل، وهذا ما يخلق إحساساً بالظلم والتهميش وعدم الاعتراف.
● الثاني: هو تحويل هذه الحالة إلى طائفية، ونشوء حركة اجتماعية تقصد هؤلاء الناس، وتقول لهم إنكم مظلومون لأنكم تنتمون لهذه الهوية أو هذه الطائفة، وتخلق علاقة صداقة وعداوة بناءً على هوية محددة تبرر فيها الاختلاف الاجتماعي والاقتصادي والتمثيلي، وهنا تنشأ الهويات الطائفية، فالحركات الشيعية في العراق نظرت إلى العراق على أنه دولة سنية، وهناك من ذهب للناس وقال لهم إنكم مظلومون لأنكم شيعة والدولة سنية، وبهذا الشكل يتم تبرير مطالباتهم بالعدالة، وبهذه الطريقة تنشأ الطائفية.

تعريف الهوية الوطنية

واعتبر العامر أن المشكلة بنشوء الطائفية وتعريف الهوية الوطنية معناه أن الهوية الوطنية والقومية والطائفية تنشأ بنفس الطريقة، أي بحسب ظروف الدولة الحديثة، فمثلاً أنا أصنف نفسي على أنني عروبي قومي، لكن إذا كانت كل هذه الهويات تنشأ بنفس الطريقة، فما الذي يجعل الطائفية مشكلة والوطنية شيء جميل والقومية أجمل؟ باعتقادي أن ذلك يعود إلى أسباب:

1 – تسييس الهويات المذهبية داخل المجتمعات العربية يخلق حالة شرخ في الكيان الاجتماعي، فبدلاً من أن ينظر الناس إلى أنفسهم كأصدقاء ضد عدو خارجي، ينظرون إلى أنفسهم كأعداء. هذه العداوة الداخلية تبرر التدخل الخارجي والاستعمار.
2 – الهويات المذهبية تخلق حالة تضامن عالمية، فالسني الموجود في السعودية يعتبر السني الموجود في العراق أقرب له من الشيعي الموجود في السعودية، وهذه تخلق خريطة في الذهن الطائفي، ما يهدد الأنظمة الحاكمة، وهذه النظرة تعزز الخطاب الاستشراقي الذي يقول إن هذه منطقة عربية سنية تخاطب بالأقليات، ولذلك يجب أن نحمي هذه الأقليات من الأنظمة العربية، وهذا يبرر الاستعمار والتدخلات الخارجية ويجعل أرواح العرب غير متساوية.

كيف نتجاوز الطائفية؟

وأكد العامر أن الحلول المقترحة في الإعلام لا تجدي نفعاً، لأنها تقول إن الطائفية هي خطاب كراهية، وإذا جففنا منابع هذا الخطاب تنتهي الطائفية وهذا خطأ، لأنه يمكن أن أكون طائفياً وأؤمن بحق الآخرين في المواطنة والثروة، وحبي لطائفتي لا علاقة له بالانتماء السياسي، والخوف يعزز الانتماء السياسي أكثر من الطائفي، وهناك طائفيون ليس لديهم كراهية، ففي لبنان مثلاً هناك طائفيون ليس لديهم كراهية.

وذكر أن الحل الثاني يكمن في العلمانية، لكنه لا يحل المشكلة لأنه يمكن للعلماني أن يكون طائفياً، فيمكن لشخص أن يكون سنياً ملحداً، ولكن عندما يصوّت سيصوّت كسني، لذلك لا يوجد علاقة بين الهوية المذهبية والانتماء والعقيدة.

وشدد في نهاية محاضرته على أن الحل يكمن في انتشال المجموعة الطائفية من هذه الهويات المذهبية إلى هويات أخرى لا مشاكل فيها، كهوية منفتحة تحل مشاكلهم وتعبر عنهم وتستوعب القادمين الجدد، وتتضمن معياراً ضد التدخلات الخارجية، خصوصاً أن الطائفية يتم إنتاجها عبر مؤسسات كثيرة.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *