الرئيسية » ثقافة » صنع الله إبراهيم أنموذجا: الأسلوب الوثائقي في السرد الروائي.. بين الواقع والحقيقة ووجهة النظر

صنع الله إبراهيم أنموذجا: الأسلوب الوثائقي في السرد الروائي.. بين الواقع والحقيقة ووجهة النظر

صنع الله إبراهيم
صنع الله إبراهيم

أساس الرواية ذات الشكل الوثائقي يكمن في الفضاء التاريخي ــ لا يقتصر الفضاء على المكان ــ هذا الفضاء الذي يستعيره الروائي ويُعيد تأويله وفق وجهة نظره ــ أو التشكيك في صحته ــ بحيث يصوغ حكايته ويوحي بدلالاتها المختلفة والمعقدة وفق هذا السياق أو البناء الجديد الذي يؤكد من خلاله رؤيته الخاصة. وهنا يصبح البناء متفرداً بذاته وخيالياً تماماً، بحيث أصبح ما يستند إليه ــ على اعتباره وقائع ــ يصبح داخل النص مبنى مُتخيّل بالكامل تؤكده عمليات الانتقاء المستمرة التي يقوم بها الروائي من الوقائع والوثائق المتاحة، هذه الحرية في التعامل مع الوثيقة، هي التي تعيد صياغتها في شكلها المتخيل الجديد. إضافة إلى أن الوثيقة في شكلها التاريخي ممسوسة بالخيال.

تجربة صنع الله إبراهيم

تعتبر تجربة الروائي (صنع الله إبراهيم 1937 ــ …..) من التجارب اللافتة في الرواية العربية منذ أولى نصوصه المعنونة بـ (تلك الرائحة 1966)، حيث ينتبه إلى خلق توثيق لحالة أو جو عام كانت تعيشه مصر في ذلك الوقت، ولم يقلل منه سرد تجربة الروائي الذاتية، بعد فترة خروجه من السجن. هذا الأمر الذي اتضح أكثر وصار

غلاف «تلك الرائحة»
غلاف «تلك الرائحة»

شكلاً مُلازماً لمعظم أعمال صنع الله إبراهيم، والذي تجلى في كل من روايات … نجمة أغسطس، بيروت بيروت، ذات، وردة ــ كتب في مقدمتها .. من الأفضل أن تُقرأ على أنها رواية ــ مروراً برواية شرف والعمامة والقبعة، وغيرها، رغم تباين مستوى هذه الأعمال من الناحية الفنية.

فعل التوثيق هذا لا يُنكر وجوها في معظم هذه الروايات، ورغم أنه يستند إلى العديد من الوقائع والوثائق التاريخية، إلا أنه لا يستسلم لها، بل يُعيد تشكيلها وفق هوى الرواية ووجهة نظره. كما أنه يقوم بفعلين متضادين في الوقت نفسه .. يتوسل بالوقائع والتاريخ ليضفي شيئا من الحقيقة، ويفضح هذا الزعم بقول الحقيقي في الوقت نفسه!

رواية «ذات»

بهدف التوثيق اعتمد صنع الله ابراهيم في رواية «ذات» على أسلوب الإيحاء وخلق المفارقات التي يجيدها، فضلا عن خلق فضاء عام تتحرك خلاله الشخصيات، وتتناوب الفصول ما يخلق فارقاً حتى على مستوى الراوي/المؤلف.

الراوي العليم الذي يحكي حكاية «ذات»، والمؤلف الذي يخلق من قصاصات الصحف والوثائق المرئية ــ لقاءات تليفزيونية وما شابه ــ عالماً تدور في فلكه الشخصيات.

غلاف «ذات»
غلاف «ذات»

مناخ عام يؤثر في سلوكها ومعتقداتها، مناخ قادر على صياغة حيواتهم بالكامل.

«عند عودته من السوق مُحملاً باحتياجات العشاء .. رأى حذاءً نسائياً، خالياً بالطبع، ملقى أمام باب جاره. ورغم انهماكه في حساب ما أنفقه .. فإنه استطاع .. أن يلقي نظرة متأنية على الحذاء، أمدّته باكتشافين: الأول أن الحذاء موضوع بعناية فوق فرشة من المطاط .. والثاني أنه موضوع بتشكيل غير مألوف يبدو متعمداً، فالفردان مقلوبين ومتعامدين على هيئة الصليب. أدركت ذات بغريزتها الأنثوية السر من نظرة واحدة، فقالت بعد أن أصبح عبد المجيد داخل الشقة وأغلقت الباب: «عمايل الأم». استفسر عبد المجيد في براءة: «عمايل إيه؟» زادت في الإيضاح: «شبشبة، فنعل الحذاء في وضع الصليب كفيل بإحباط المكائد وردّ الكيد إلى صاحبه».
هذا الموقف البسيط الذي اندهش له عبد المجيد، واكتشفت مغزاه ذات، يحمل في دلالته مدى التفكير العقلي الذي أصاب شخصيات ذلك العصر، التفكير الخرافي، الذي ساعد عليه مناخ ديني، أدّى إلى أن تعود المعتقدات الخرافية مرّة أخرى وتتأصل في نفوس وسلوك الشخصيات، كاتقاء الحسد بوضع الحذاء المقلوب على عتبة الباب. هذا المناخ/مناخ الرّدة هو ما يكشفه المؤلف في الفصل اللاحق على هذا الموقف، لتتضح الصورة تماماً ــ راجع محمود غنايم: العبر نوعية في الأدب العربي الحديث. مجلة الكرمل عدد 23 و24 ــ ويصبح الفصل شبه المُعتمد التوثيق هذا هو الفضاء الأكبر/المتن السردي، لقصة ذات/المتن الحكائي.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *