الرئيسية » أحمد الجاسم » أحمد الجاسم : الوصاية على العقول

أحمد الجاسم : الوصاية على العقول

أحمد الجاسم
أحمد الجاسم

بفضل التقدم العلمي وثورة الاتصالات والمواصلات الحديثة وانتشار الفضائيات تحول العالم إلى قرية كونية صغيرة، تتداخل فيه الحدود والحضارات والثقافات والعادات بين الشعوب، وهذا ما بات يُعرف بعصر «العولمة» التي لها سلبياتها وإيجابياتها، فأصبحت الأحداث والأخبار الدولية تطغى حتى على الشأن المحلي، فتجد الناس مشدودة لمعرفة كل ما يجري من حولنا، عبر متابعة وسائل الإعلام المرئي والمسموع ومواقع التواصل الاجتماعي، فلم تعد هناك جدوى من سطوة الرقيب الإعلامي الذي يحاول أن يغلق المواقع الإلكترونية، ويحجب المقالات والكتب والأفكار المحظورة من التداول، فبإمكان الراغب في الاطلاع عليها أن يستخدم أي أداة من أدوات الاختراق، مثل «Proxy» أو تحميل أي كتاب ممنوع أو جديد، إلكترونياً بصيغة الـpdf، ولن يكلفه ذلك شيئاً سوى الضغط على زر download، وبعد بضع دقائق سيكون الكتاب موجوداً على جهازه.

ودَّعنا الدورة الأربعين لمعرض الكتاب الدولي في الكويت، وقد قضينا معه وقتاً ممتعاً، حيث كان هناك إقبال كبير هذا العام على المعرض، بالرغم من الدعاية المغرضة التي يروجها بعض المتكاسلين حول جودة الكتب، من جميع شرائح المجتمع من الشباب والشابات والطلاب والطالبات والأطفال والكبار، وهذا بحد ذاته مؤشر إيجابي يوحي بارتفاع مستوى الوعي لدى الناس، خاصة في هذا الظرف الحرج الذي تمر به الأمة العربية، حيث تستفحل فيه الصراعات المذهبية والقبائلية والمناطقية والتعصب الحزبي، فما أحوجنا إلى فتح النوافذ للعقل العربي كي يتجدد الهواء فيه، عبر تشجيع القراءة، والاطلاع على كل الأفكار النيّرة التي تخالف موروثنا الثقافي وقناعاتنا المسبقة.

ولا شك في أن التنظيم من قبل إدارة المعرض كان جيداً، وقد أشاد بعض الناشرين بتعاون الإدارة معهم، وبالمناسبة فإن أسعار إيجارات الأجنحة، التي بلغت ٥٠ دولاراً للمتر الواحد، تعتبر قيمة متواضعة مقارنةً بالمعارض الأخرى، بيد أن هذه الإيجابيات لا تحجب وجود بعض السلبيات والشكاوى من قبل الناشرين ضد سلطة الرقيب، وهناك بعض الملاحظات التي يجب الإشارة إليها ومنها:

1 – لوحظ هذا العام أن قائمة العناوين التي تم منعها ازدادت عن الأعوام الماضية، فتمت مصادرة كميات كبيرة من الكتب، ومن دور نشر معتبرة ورصينة في أبحاثها، وذات سمعة طيبة، مثل دار الانتشار العربي – السّاقي – مركز دراسات الوحدة العربية – الشروق – المركز العربي للأبحاث والدراسات السياسية – دار الفارابي – الطليعة.
2 – هناك عناوين تم منعها دون سبب مقنع، أو بالأحرى لعدم دقة الرقيب الإعلامي في قراءة عنوان الكتاب، مثل كتاب «هيغل والشرق»، تم منعه بالخطأ ظناً منهم أنه «هيغل والشرف»! وهذه مفارقة مضحكة.
3 – هناك مفارقة أخرى، وهي أن سطوة المنع والحجب طالت الكتب الفلسفية والفكرية العميقة والرصينة، بل وصلت إلى قصص الأطفال (فلافل النازحين – الملجأ)، بينما ظلت الروايات الإباحية والغرامية والجنسية مرصوصة على أرفف ناشريها، دون أن يمسها مقص الرقيب الأخلاقي!
4 – لفت أحد الإخوة انتباهي إلى أن الروائي الليبي إبراهيم الكوني كان مدعواً من قبل «المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب» لإلقاء محاضرة في المعرض، في حين كانت كتبه محظورة من البيع!
5 – هناك سلوك آخر منفر وغير حضاري من قبل إدارة المعرض، فماذا يعني أن يخضع الزائر والناشر للتفتيش الذاتي عند دخوله بكتاب إلى المعرض، ويتم حجز الكتاب منه، وكأنه يحمل متفجرات أو مخدرات يريد تهريبها إلى الداخل؟ فلماذا كل هذا الخوف المبالغ فيه من الكتاب والثقافة والفكر حتى أصبح يشكل حالة فوبيا لدى الرقيب؟
مع أنني أعتقد أن الخطر لن يأتينا من الكتب مهما ازدادت اصفراراً، بل الخطر من أعدائها ممَن يحملون أفكاراً سوداوية متطرفة ضد الحياة والتعايش والتسامح والمساواة والحريّة والعدالة.
6 – لاحظتُ أن بعض الزبائن في المعرض يتعامل مع الكتاب وكأنه بضاعة كاسدة، وعلى الناشر أن يتخلص منها بأي ثمن فيبدأ بمساومة مزعجة ومملة، وهؤلاء بعضهم ميسور الحال وليسوا فقراء.
وأخيراً يجب أن نصارح دعاة المنع في عصر «العولمة» الذين يتذرعون بـ«أننا مجتمع محافظ ومسلم، فعلينا المحافظة عليه من الأفكار الدخيلة»، بأن معرض الشارقة، وبحسب شهادة الناشرين، أفضل فضاء لحرية النشر في الخليج، حيث تتقلص فيه قائمة الممنوعات حتى تكاد تنعدم، مع أن المجتمع الإماراتي عربي وخليجي ومحافظ مثلنا!
لذا نأمل أن يكون المعرض القادم أفضل من سابقه.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *