الرئيسية » آخر الأخبار » … وما الحديث عن تنويع مصادر الدخل إلا حفنة من الأمنيات

… وما الحديث عن تنويع مصادر الدخل إلا حفنة من الأمنيات

الكويت طاردة للاستثمارات المحلية والخارجية لسوء البيئة الاستثمارية
سيبقى موضوع تنويع مصادر الدخل في خانة الأماني ما لم يوضع حجر الأساس

محمد الغربللي:
لايزال تنويع مصادر الدخل من المسائل التي يتم تناولها بقدر كبير من الخفة والسهولة، وكأن الموضوع سلعة يمكن شراؤها من أقرب سوق مركزي، وليس عملية زمنية طويلة الأمد تعتمد في أساسها على التعليم الجيد بما يخدم هذا التوجه.. هذا الأمر لن يأتي خلال سنوات وجيزة بل يتم تشكيله خلال عقود من الزمن، ويكون التعليم ركيزته وأساسه الراسخ لتوفير الكوادر البشرية القادرة على تنويع مصادر الدخل في أي دولة.

عرفت شركة هواتف نوكيا شهرة أكبر من تلك التي حظيت بها في بلدها المنتج وهي فنلندا، وأصبح هذا الاسم دائراً على كل لسان في معظم دول العالم، وهي شركة تعنى بالبرمجيات، ولعل أشهر ما نجحت فيه هو تصنيع هواتف نوكيا النقالة التي غدت أداة التعريف بفنلندا.. شركة وصل صافي أرباحها عام 2012 إلى 2٫303 مليار يورو، وتضم آلاف العاملين.

مناسبة التطرق إلى هذه الشركة أن هناك متلازمة في هذه المقدمة ممثلة في التعليم وجودته، فلا عجب أن تحتل فنلندا المركز الثالث على مستوى العالم عام 2015 في ما يخص هذا المؤشر، وفق التصنيف الذي نشره المنتدى الاقتصادي العالمي دافوس.

عوامل الارتقاء

تعليم جيد بتوفير كل مستلزمات العملية التعليمية وفق رؤية تنموية واضحة من شأنه الارتقاء بشعب أي دولة، ولعل سنغافورة التي تفتقر إلى ثروات طبيعية أبرز مثال على ذلك، جراء إيلاء التعليم الأولوية في عملية التنمية، فأصبحت تحتل المركز الأول في مؤشر جودة التعليم، علما أنها كانت دولة فقيرة ولديها تنوع ديمغرافي كبير، وكانت تعاني أمراضا اجتماعية عدة، أبرزها الرشوة والفساد التي بلغت ذروتها في نهاية الخمسينات.

لكن سنغافورة منذ مطلع الستينات استطاعت أن تنتشل نفسها، وتعتبر الآن من الدول ذات المستوى المعيشي المرتفع والتقدم التكنولوجي، والمستوى الجيد من الخدمات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية بشكل كبير، أما العنصر الآخر للتنمية فيتمثل في رأس المال، وهو مادة يمكن توفيرها إن أحسن استخدامها، وتأتي المؤسسات المالية العامة والخاصة للمشاركة في عملية التنمية وتحقيق مصالحها النفعية مادام هناك مردود يصب عليها، لكن لابد أن تكون هناك أيد أمينة تحركها العقول وليس الفساد وسوء الإدارة.

حالة متردية

نعود إلى واقعنا الذي مر عليه عقود من الزمن ولايزال على حاله، وهي حالة متردية من سيئ في الدرجات إلى درجات أكثر سوءاً.

فقد كانت لدينا في سنوات ماضية فوائض مالية كبيرة ليس نتيجة جهد عقلي وعملي، بل جراء زيادة أسعار النفط منذ عام 1973، وبموازاة هذه الارتفاعات في الأسعار جرى إنشاء الهيئة العامة للاستثمار في ما بعد، لتكون الأداة الاستثمارية لتنمية الموارد المالية النفطية بجزء من تلك الفوائض، لكن في الوقت ذاته غابت أي سياسة حصيفة تجاه تلك الأموال، وجرى التلاعب بها بأوجه عدة، أبرزها المضاربة في الأسهم عام 1978، وانتهت في ما بعد بسوق المناخ في سياق تصرف نزق في تبديد الأموال، هذا خلاف التبذير والعمليات التي يشوبها ويحيطها الفساد.

وحتى مبالغ الاستثمار، التي كانت بحوزة مكتب الاستثمار الكويتي في لندن، امتدت إليها أيادي السرقة، وصدرت أحكام بشأنها، ولايزال أبطالها خارج الكويت.. هي قائمة طويلة عريضة من تبديد الثروات، نهبا وسرقة، منها أيضا شراء شركة سنتافي الأميركية بأسعار عالية، وبعد أن اتضح أنها تشكل حملاً ثقيلاً على الاستثمار النفطي تم التخلص منها بخسائر كبيرة أيضا. لدينا أيضا حالات الرشى والفساد والسرقات في بناء ناقلات النفط، وحتى أموال المتقاعدين، وهي بمئات الملايين، لم تسلم من السرقات، والأدهى والأمر أن تلك السرقات ظلت تمارس طوال سنوات، وكأن الأجهزة الرقابية مخدرة بـ«بنج» يغيّب الوعي والإدراك!

مؤشرات عالمية

ولم يقتصر العبث على المناحي الاستثمارية، بل تعداه إلى المشاريع والبنى التحتية من طرقات وشوارع سيئة التنفيذ، تتطاير منها الأحجار لدى حدوث أي زخة مطر، إلى مجار تفيض بعد الانتهاء منها بفترة وجيزة، إلى مشاريع باهظة التكلفة خلاف التأخير وتدني الجودة.. إلخ والقائمة تطول وتفيض بالأمثلة المتعددة سواء على مستوى الاستثمار أو المشاريع.. لنأتي إلى العنصر الآخر ممثلاً في التعليم، وهو العنصر الأساسي في البحث وتنويع مصادر الدخل كما تتم المطالبة به، فالمستوى يتدنى من سيئ إلى أسوأ، وليس مرد ذلك انطباعات عامة قد يشوبها الخطأ بالتقدير، لكن بموجب المؤشرات العالمية لمستوى جودة التعليم، فبحسب تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، الصادر هذا العام، أتت الامارات العربية في المرتبة الأولى من حيث جودة التعليم على مستوى الوطن العربي، والمرتبة الـ45 على مستوى العالم، تلتها البحرين، ثم لبنان، الأردن، تونس، أما الكويت فكانت خارج القائمة في التصنيف حالها حال مصر التي خرجت أيضا خارج القائمة، علماً أن أغلب كوادرنا التعليمية من هذا القطر العربي.

وظهرت مؤخراً ظواهر لم تكن موجودة في زمن سابق، منها الشهادات الجامعية والعليا المزورة، أو الصادرة عن جامعات تجارية ليس لها من التعليم أي أساس، كتلك الموجودة في الفلبين أو بعض الدول العربية من جامعات خاصة، اعتمادها على ما يغدق عليها من رسوم، «وكان الله بالسر عليم» في ما يخص تلقي التعليم فيها.

مقارنة مؤلمة

سمعنا عن التعليم الثانوي الذي تؤخذ شهاداته بما تجود به اليد، سواء في الكويت أو المناطق المجاورة.. ووصل حالنا إلى أسلوب العض لتلميذة في المرحلة الابتدائية من إحدى المدرسات، لأنها لم تحصل على العلامة الكاملة، وفي أية مرحلة؟ مرحلة التعليم الابتدائي وهي «المرحلة الأساسية» في التعليم.

نتحدث عن هذا الوضع وفي البال والذكرى الصروح التعليمية الكبيرة والمميزة التي تم إنشاؤها مطلع الخمسينات، خلال أربع سنوات، في ساحة كبيرة وواسعة، مثل ثانوية الشويخ والكلية الصناعية والمدارس المتوسطة النموذجية التي فتحت أبوابها عام 1954-1955، أيام الشح والعازة وفقر الامكانيات والعوائد المالية للدولة، لكن كانت هناك إرادة سياسية لبناء بلد، وأول لبنة في عملية البناء هي الكوادر المتعلمة القادرة على البناء.
هي مقارنة تأتي بالكامل لمصلحة ذاك الزمن الذي مضى، ليس من باب «النوستالجي» والحنين إلى الماضي، بل من باب القول بأن هذا هو الواقع الذي نعيشه.. وإن أتت تصريحات تنويع مصادر الدخل فما هي إلا ضرب من الأمنيات التي لا يمكن ترجمتها إلى الواقع على المدى القصير والمتوسط، إنها مجرد تمنيات ليس لها مدلول أو أساس.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *