الرئيسية » إقتصاد » تضارب تقارير المنظمات الاقتصادية العالمية يخلق إرباكاً اقتصادياً

تضارب تقارير المنظمات الاقتصادية العالمية يخلق إرباكاً اقتصادياً

الكويت لم تسلم من تضارب التقارير الاقتصادية وعدم دقتها
الكويت لم تسلم من تضارب التقارير الاقتصادية وعدم دقتها

كتب إيهاب علام:
المتابع للشأن الاقتصادي يلاحظ أن الفترة الماضية شهدت تضاربا في كثير من التقارير التي أصدرتها العديد من الجهات والمؤسسات الاقتصادية العالمية، سواء كانت معنية بالشؤون النفطية، أو القطاعات الاقتصادية الأخرى. ولا يدري أحد هل هذا التضارب في التقارير التي تصدرها هذه الجهات ناجم عن عدم دقة وشح المعلومات التي تحصل عليها، أم أن الأمر عن عمد؟

وقد وصل الأمر إلى أن جهات اقتصادية مرموقة، ومنها صندوق النقد الدولي، أصدرت عدة تقارير عن وضع الكويت المالي بعد تراجع النفط، وخلقت هذه التقارير لبسا كبيرا لدى الكثير ممن يهتمون بالشأن الاقتصادي، وسار على نفس النهج الكثير من وكالات التصنيف العالمية، والمؤسسات الاقتصادية الأخرى.

وكالة الطاقة

وخلال الأسبوع الجاري أصدرت وكالة الطاقة تقريراً من هذا النوع، أشارت فيه إلى «نجاح الاستراتيجية التي يتبعها أعضاء منظمة الدول المنتجة للنفط (أوبك) في إخراج منتجي النفط غير الأعضاء من سوق النفط العالمي»، على الرغم من أن استراتيجية تثبيت سقف الإنتاج التي تتبعها «أوبك» منذ فترة لم تنجح في إخراج منتجي النفط غير الأعضاء من السوق بالشكل الذي كانت تأمله المنظمة، وما يدلل على ذلك استمرار زيادة المعروض النفطي في الأسواق، ما تسبب في تراجع الأسعار إلى مستويات متدنية (إضافة إلى مجموعة عوامل أخرى)، حتى وصلت إلى مستويات متدنية لم تحققها منذ 10 سنوات، ولكن وكالة الطاقة تقول كلاماً منافيا لهذه الحقيقة، وتؤكد أن الاستراتيجية ناجحة.

وقالت الوكالة: «يبدو أن الاستراتيجية التي يتبعها أعضاء منظمة الدول المنتجة للنفط (أوبك) بدأت تؤتي ثمارها بإخراج منتجي النفط غير الأعضاء من سوق النفط العالمي»، مشيرة إلى أن «الاستراتيجية التي قادتها السعودية بدأت مفعولها».

وأضافت: «الإنتاج غير التابع لأوبك تناقص خلال شهر نوفمبر 300 ألف برميل في اليوم، مقارنة بما كان عليه الحال في بداية العام، حيث كان هذا الإنتاج يبلغ 2.2 مليون برميل نفط في اليوم»، متوقعة أن يتناقص الإنتاج للأطراف غير الأعضاء في «أوبك» بمقدار 600 ألف برميل في اليوم خلال 2016، وهذا بسبب تناقص إنتاج الطاقة من الصخر الزيتي في الولايات المتحدة.

حرب داخل «أوبك»

وبعيداً عن الأرقام التي أوردتها الوكالة ومدى دقتها، فإن واقع الأسواق يقول غير ذلك، إذ مازالت أسعار النفط في انحدار مستمر، إذ تراجع النفط الأسبوع الماضي إلى أقل من 38 دولاراً، مسجلاً المستوى الأقل في أكثر من 10 سنوات، والمعروف للجميع أن أسعار النفط مرتبطة في المقام الأول بالعرض والطلب، (إضافة إلى بعض العوامل الأخرى)، وما دامت أسعار النفط في تراجع فإن هذا يعني أن المعروض من النفط في الأسواق أكبر من الطلب، فأين تناقص الإنتاج الذي تتحدث عنه الوكالة؟! وقد تواصل الأسعار انحدارها مع عودة النفط الإيراني، وكذلك حدوث أي تحسن في الأوضاع السياسية في ليبيا والعراق، وحدوث تحسن في نمو الاقتصاد الصيني.
إن ما تتحدث عنه الوكالة من أنه استراتيجية ناحجة لـ«أوبك» هو في حقيقته منافسة بين دول المنظمة، فأعضاء «أوبك» الرئيسيين باتوا لا يستطيعون إيقاف تراجعات أسعار النفط، وطالما أن الأمر خرج عن سيطرتهم، فلماذا يخفضون الانتاج؟ إذ حال قيامهم بذلك الأمر سيجنون أموالاً أقل، في المقابل سيحقق منافسوهم مداخيل مالية أكثر، والسعر سيبقى على ما هو عليه، لذا ليس غريباً أن نجد الدول الرئيسية في «أوبك» لم تقلص إنتاجها، بل تسعى لزيادته رغم تدني الأسعار. وهذا يعني أن الأسعار قد تشهد مزيداً من الانحدار، رغم الأزمات السياسية التي تعصف بالعالم في أكثر من مكان، والتي كانت كفيلة برفع النفط الى مستويات قياسية.

وما يؤكد أن الأمر ما هو إلا بمثابة حرب داخل «أوبك» للحفاظ على الحصص في الأسواق، وجني أموال أكثر، وليس استراتيجية من المنظمة لإخراج المنتجين من خارج المنظمة، هو تأكيد أكثر من جهة اقتصادية فقدان «أوبك» السيطرة على أسعار النفط في الأسواق، حيث قالت دراسة أعدها موقع «Oil Price» أن هناك تقارير عدة عن وجود خلافات بين أعضاء منظمة «أوبك»، من أجل حفاظ كل دولة على نصيبها من الإنتاج من أجل التصدير، خصوصا إلى السوق الآسيوية، وهذا أدى إلى ادعاء البعض بأن «أوبك» لن تكون قادرة على التحكم في الإنتاج، مثلما كان الحال في الماضي.

تناقض

والتأكيد على أن الأمر حرب، وليس استراتيجية من «أوبك» جاء أيضاً من وكالة الطاقة نفسها، حيث قالت الوكالة في تقريرها الشهري «إن أسواق النفط العالمية ستظل متخمة بالمعروض حتى نهاية 2016 على الأقل، في ظل تباطؤ نمو الطلب وزيادة إنتاج أوبك، لكن زيادة المخزون العالمي سيتراجع إلى النصف تقريبا في العام المقبل». وها هي الوكالة تؤكد أن هناك تخمة في المعروض النفطي، ومن أسبابها زيادة إنتاج «أوبك»، فالمنظمة لم تحافظ حتى على مستوى انتاجها الفعلي لضبط الأسعار، بل تسعى كل دولة لزيادة انتاجها للحفاظ على حصصها السوقية حتى ولو كانت الأسعار متدنية.
ولا شك أن كل هذه المعلومات المتناقضة التي تهدف للترويج لسياسات دول داخل «أوبك» تخلق حالة من الإرباك في الأسواق النفطية، وفي الدول المنتجة للنفط، وفي التوقعات المستقبلية لمستويات العرض والطلب ومستويات الأسعار، وهذا يخلق بدوره إرباكا اقتصاديا لبعض الدول.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *