الرئيسية » ثقافة » فاطمة المرنيسي.. رحيل صوت شهرزاد الصاخب

فاطمة المرنيسي.. رحيل صوت شهرزاد الصاخب

فاطمة المرنيسي
فاطمة المرنيسي

محمد جاد:
تعتبر عالمة الاجتماع المغربية فاطمة المرنيسي (1940 ــ 2015) من أهم الأصوات العربية التي كشفت عورة السلطة في البلاد الموسومة بالعربية، لم تختر الراحلة الطريق السهل في مواجهة السُلطة الظاهرة، والمتمثلة في كيان حُكم سياسي أياً كان شكله أو طبيعته، بل واصلت الكشف عن أسباب أعمق للسلطة، تتمثل في التراث الفكري والاجتماعي، وبالتالي العقل العربي، الذي لم يزل يعتمد الذكورة معياراً للتصنيف بين الأقوى والأضعف، ولعل إنتاجها حاول تفكيك وخلخلة السلطة الذكورية وتبعاتها المتمثلة بالأساس في سلطة سياسية، وبالتالي حاولت من خلاله التماس مع ما هو ديني وفقهي، خاصة في مجتمعات لم تزل تقدس النقل على العقل، واختلط في مفهومها النص الديني والقول الفقهي والوقائع الاجتماعية.

عملت المرنيسي باحثة في المعهد القومي للبحث العلمي بالرباط، وكذلك في كلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة محمد الخامس بالرباط، وكانت عضوا في مجلس جامعة الأمم المتحدة، من أهم مؤلفاتها «الحريم السياسي»، «الجنس كهندسة اجتماعية»، «هل أنتم محصنون ضد الحريم؟»، «الجنس والأيديولوجيا والإسلام»، «ما وراء الحجاب»، «الإسلام والديمقراطية»، «شهرزاد ترحل إلى الغرب»، «أحلام الحريم»، و»نساء على أجنحة الحلم».

كما حصلت على عدة جوائز عالمية، منها جائزة أمير أستورياس للأدب، مناصفة مع سوزان سونتاغ عام 2003، وجائزة إراسموس الهولندية عام 2004.

تفعيل التراث

لم تخش المرنيسي التراث، وحاولت قراءته قراءة جديدة ومختلفة، بعيداً عن تقولات الفقهاء، وأصحاب الصوت الأعلى ضمن منظومة كهنوتية، تريد فرض رؤيتها بالقوة. بحثت المرأة في الوجه المضيء والحُر في التراث، محاولة نفض الأفكار والرؤى الظلامية، يتضح ذلك في مؤلفها «الحب في حضارتنا الإسلامية»، لذا نجدها تستند وتعيد قراءة مؤلفات ابن حزم الأندلسي في كتابه «طوق الحمامة»، وابن قيم الجوزية في «روضة المحبين»، وابن الجوزي في «ذم الهوى»، والجاحظ في «مغامرة الجواري والغلمان»، والإمام الغزالي في «إحياء علوم الدين»، ومحيي الدين ابن عربي في «ترجمان الأشواق».. وكلها مصادر كتبها فقهاء وقضاة ورجال دين. ومن خلال مناقشة هذه الآراء والأفكار التراثية، يبدو السؤال البدهي: ما سر التخلف الذي نعيشه الآن؟

المرأة وتواطؤ الشرق والغرب

حاولت فاطمة المرنيسي طوال مشوارها البحثي التوصل إلى جذور المشكلة، وكيف أصبح المجتمع يتنفس النظرة القاصرة للمرأة العربية، رغم مظاهر التمدن الزائف، والمقولات الإعلامية الأشد زيفاً، بدأت المرنيسي بالتساؤل حول مكانة المرأة في الإسلام، ورأت أنه في القرن الثامن الميلادي كانت زوجات النبي محمد (صلعم) يناقشن الأمور السياسية، ويذهبن إلى الحروب، إضافة إلى أن النبي نفسه عزم على إقامة مجتمع ديني وديمقراطي يناقش فيه الرجال والنساء قوانين المدينة.

وبذلك ــ حسب رأيها ــ فالقرآن والسُنة شكّلا مناخاً حراً للمرأة في ذلك الوقت، وما التراجع في هذا المناخ إلا بانتهاء عصر النبوّة، وتولي الفقهاء تأويل النصوص الدينية، تأويلاً يبتعد عن العقل وتطور الظرف الاجتماعي، وهو بالأساس تعضيد لسلطتهم وسلطة الساسة في مواجهة الجميع، وأولهم المرأة العربية.

وأوضحت المرنيسي، عبر كتابها «هل أنتم مُحصّنون ضد الحريم؟»، أن نظرة الغرب إلى المرأة الشرقية، كانت دوماً تؤكد نظرة الرجل الشرقي، فالغرب لم يزل يرى بعين المستشرقين ولوحاتهم وأوهامهم عن نساء الشرق، ليتم حصرهن في الجنس والرغبة وطاعة الرجل الشرقي، دون أي نظرة حقيقية إلى إمكانات المرأة وعقلها، والوقائع التاريخية العديدة التي تشهد بذلك.

وتوصلت إلى أن الغرب يحاول وضع المرأة الشرقية في إيهام أسطوري، بينما – ووفق خطاب زائف أيضاً – يعتبر المرأة الغربية عبارة عن سلعة يتم استخدامها بشتى الطرق، وفق نسق حضاري مغلوط، فالمقابلة التي توصلت إليها تكمن في تراث وحضارة كل منهما يتواطأ على استعباد المرأة، وممارسة أقسى أشكال السلطة عليها.

الدور الحقيقي للمرأة

ردت المرنيسي على هذه المغالطات من خلال التنقيب التاريخي، وذلك كما جاء في دراستها التاريخية «سُلطانات منسيّات: نساء قائدات دولة في الإسلام»، حيث كتبت حول مكانة المرأة، وروت قصة حياة سُلطانات الإسلام في دلهي والقاهرة وصنعاء وغرناطة، لتكشف بذلك عن دور مغاير للمرأة، حاولت دوماً السُلطة السياسية والاجتماعية التعتيم عليه وطمسه، حتى لا تتزلزل هذه السُلطة تحت أقدام أصحابها.

ربما طبيعة مؤلفاتها ومواقفها الحياتية جعلها دوماً مثار قلق وتوجس في ما تنتجه من مؤلفات، كانت تحاول الكشف عن المسكوت عنه في التراث والتاريخ، الذي كان أصحابه أكثر حرية وجرأة وشجاعة مما نحن عليه اليوم.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *