الرئيسية » آخر الأخبار » كيف نصدق تطمينات الحكومة بأن سياساتها لن تمس ذوي الدخل المحدود؟

كيف نصدق تطمينات الحكومة بأن سياساتها لن تمس ذوي الدخل المحدود؟

جابر المبارك
جابر المبارك

محمد الغربللي:
خرجت تصريحات عدة مفادها أن أي زيادة في أسعار الخدمات لن تمس أصحاب الدخول المحدودة، وآخرها تصريح سمو رئيس مجلس الوزراء، كما نشر في «السياسة» عدد 25 نوفمبر الماضي، بتشديده على أن «السياسات الحكومية لن تمس المواطنين من أصحاب الدخل المحدود».

بداية، لا يوجد معيار يعتمد على الأرقام في ما يخص تعريف الدخل المحدود، بمعنى من هم ذوو الدخل المحدود أو الدخل المتوسط، قياساً بما يحصلون عليه من أموال خلال سنة أو شهر، فمثل هذا التصنيف معروف، لكن التعريف المنطقي أن ذوي الدخل المحدود هم كل من يحصل على مبلغ مالي شهريا، سواء كراتب من عمل أو من معاش تقاعدي فقط دون الحصول على أي مدخول آخر، وحياته المعيشية والتزاماته من المصروفات تعتمد على هذا المدخول وحده.

معيار آخر

هناك معيار آخر يحدد من هم الذين يتلقون راتبا من التأمينات الاجتماعية، فبموجب إحصاء التأمينات الاجتماعية الذي صدر في الصيف الماضي، ونشرته صحيفة الأنباء في 2015/8/8، تبين أن عدد المواطنين المتقاعدين في البلاد يبلغ 106921، يتلقون رواتب شهرية وفق نظام التقاعد، والنسبة العظمى منهم أرباب أسر، وأغلبهم لا يتلقون أو يحصلون على أية موارد مالية أخرى إلا من رواتبهم التقاعدية التي تأتيهم من التأمينات الاجتماعية، وعليهم توفير سبل العيش ومستلزمات الحياة الصحية والتعليمية كالمدرسين الخصوصيين وغيرها من مستلزمات المعيشة.. مؤشر رقمي آخر صادر عام 2009، يفيد بأن عدد الأسر الكويتية يبلغ 233153 أسرة، ما يعني أن نسبة كبيرة من هؤلاء المتقاعدين أو العاملين في القطاع الحكومي أو الخاص لديهم التزامات أسرية ومدخول محدد بالرواتب التي يتلقونها من عملهم أو من التقاعد.

وحدها الحكومة قادرة بموجب الإحصاءات المتوفرة لديها، أو ما يمكنها أن توفره، على تحديد أرباب الأسر الذين يحصلون على مدخول محدد، وغيرهم الذين يحصلون على موارد مالية شهرية أو سنوية مضافة إلى رواتبهم، وبالتالي تستطيع الخروج بمعطى إحصائي شبه دقيق لتعريف أصحاب الدخول المحدودة.

على الرغم من ضبابية تحديد الأسر أو الأفراد ذوي الدخل المحدود بصورة علمية وواضحة، أمامنا نوع من التطمينات من أعلى سلطة تنفيذية بأن سياسة الحكومة في ما يخص خدماتها لن تمس أصحاب الدخول المحدودة!

تجربة «المالية»

نشير أخيرا إلى ما صرح به وكيل وزارة المالية بأنه سيتم رفع سعر البنزين مطلع العام القادم، وفق ما نشرته صحف الأربعاء الماضي، لافتا إلى أن أسعار البنزين في الكويت تعتبر الأرخص عالميا، مع أنه بموجب الإحصائيات الصادرة عن موقع غلوبل بترول برايس تحتل فنزويلا المركز الأول من حيث رخص سعر البنزين، تليها ليبيا، ثم السعودية، وفي المركز الرابع تأتي الكويت، تليها قطر، وغيرها من الدول الأخرى.. هذا موضوع آخر، لكن ما يريده وكيل الوزارة هو إعطاء صورة عن رخص أسعار البنزين بخلاف الواقع.. وفي حال تطبيق القرار فإن أول من يُمس هم أصحاب الدخل المحدود، فإذا كانوا ينفقون شهريا ثلاثين دينارا على أسعار البنزين فستزيد الكلفة وفق الزيادة المقترحة، وقد تصل إلى 60 دينارا في حال زيادة الأسعار 100 في المائة، وهذا بالطبع سيطال بشكل مباشر أصحاب الدخل المحدود، خلاف ما صرح به رئيس مجلس الوزراء، من ناحية أخرى رفع أسعار الوقود سيؤدي بالتبعية إلى رفع أسعار جميع الخدمات الأخرى، كما حدث بالنسبة لرفع الديزل، لكن استخدام الديزل أقل عدة مرات عن البنزين.

لدى وزارة المالية تحديداً تجربة في أمر الزيادات، عندما زادت الايجار على العقود المبرمة مع الشركات العقارية التي تستخدم حق الانتفاع من عدد من المباني دون أن تضع أي ضوابط على الشركات العقارية تلك على رفع ايجارات المحال، بما في ذلك رفع رسوم مواقف السيارات من 100 إلى 250 فلسا للساعة الواحدة، وأصحاب المحلات الذين زادت إيجاراتهم زادوا بدورهم أسعار المواد المعروضة في محلاتهم لامتصاص الزيادة، وهكذا فإن الزيادة الأولى التي فرضتها وزارة المالية تحملتها جيوب المواطنين والمقيمين على حد سواء.. و»التبشير» بزيادة أسعار البزين سيؤدي إلى رفع الأسعار وفق الدورة ذاتها، ولكن بصورة أوسع وأكثر شمولية.

الإنفاق المتوحش

إن لم تكن القرارات مبنية على الأرقام والاحصائيات، وتأتي بصورة عشوائية فالمحصلة ستكون مزيداً من الغلاء المتفاقم لتصبح تطمينات المسؤولين مجرد تصريحات ليس لها مدلول على أرض الواقع، وأول من سيتأثر بأي زيادة هم أصحاب الدخول المحدودة.

وكلمة لابد منها.. مرّ عقد تقريبا على تخبط السياسات الحكومية في «الإنفاق المتوحش» على مشاريع مُغالى في أسعارها، وزيادات في كوادر بموجب ترضيات ومواءمات سياسية دون دراسة على مرتكزات واستحقاقات فعلية.. خلاف حالات الفساد التي تسارعت وانتشرت حتى في القطاع الدبلوماسي.. بعد ذلك يتحمل ذوو الدخول المحدودة نتائج تلك الزيادات بعد طيران عدد من الطيور بأرزاقها..!

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *