الرئيسية » محليات » مواجهة الإرهاب بين تصريحات المسؤولين والواقع

مواجهة الإرهاب بين تصريحات المسؤولين والواقع

محمد الخالد
محمد الخالد

محمد الغربللي:
ملفتة التصريحات التي أطلقها عدد من المسؤولين لدينا، وأولهم النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية الشيخ صباح الخالد، خلال لقائه أعضاء اتحاد وكالات الأنباء العربية، بقوله وبالنص إن «ما يحدث في المنطقة خرج عن المفهوم العام، وأصبحت دولنا مرتعاً للمتطرفين من العالم لبث سمومهم والعمل على تدمير مقومات دولنا»، وشدد على «ضرورة تجديد الخطاب الإعلامي في الدول العربية، لاسيما مع ما نشهده من تطور تكنولوجي، وظهور الإعلام الجديد، وتمتع الشباب بأكبر حصة منه، واستخدام الجماعات الإرهابية له لبث سمومها»، مشيرا إلى أن «ذلك يتطلب تعاملاً مدروساً وتجديداً للخطاب الديني لمواجهة الأفكار الهدامة باستراتيجية متكاملة».

والتصريح الثاني لوزير الداخلية الشيخ محمد الخالد لدى حضوره اجتماع وزراء الداخلية في دول مجلس التعاون الخليجي، الذي عقد في الدوحة، بقوله إن «الهدف الذي نعمل على تحقيقه بكل قوة هو أمن المنطقة وشعوبها، وهو ما يتطلب جهداً دؤوباً وعملاً مخلصاً في الحاضر والمستقبل، للوقوف في وجه هذه الهجمة الظلامية التي تريد أن تعود بنا إلى زمن الجهالة والتخلف وهو ما لن نسمح به مطلقاً».

أما التصريح الأخير فقد صدر عن رئيس مجلس الأمة مرزوق الغانم لدى حضوره اجتماع رؤساء مجالس الشورى والنواب الوطني لدول مجلس التعاون، وأكد فيه «أن مواجهة الإرهاب لا تكون بالسلاح فقط»، مشددا على أن «المواجهة الفكرية هي التي تعطي نتائج أبعد وأفضل، فبعض الأساليب الأخرى قد تكون مفيدة على المدى القصير، لكنها لا تستطيع أن تحل الموضوع جذرياً».

صباح الخالد
صباح الخالد

الواقع الفعلي

يتضح من هذه التصريحات أن الجانب الرسمي يتماشى تماماً مع الجانب الشعبي أو بحسب ما درج على تسميته ظاهريا على الأقل، وكلها تصب في مكافحة الإرهاب والأفكار المتطرفة وتجديد الخطاب الديني، وهي لغة يستعاد استخدامها كلما دعت الحاجة لذلك.. كحال طفايات الحريق عند استخدامها وتُعاد تعبئتها مرة أخرى.. لكن الواقع الفعلي والممارسة اليومية والنهج الدائم يخالف تماماً مثل تلك التصريحات، فالوضع القائم تنعدم فيه الحريات العامة أو يتم العمل على تقليصها والحد منها، كما تزداد توحشا وقوة مع انعدام المشاركة الشعبية في عملية اتخاذ القرار، فتبرز الفردية بكل تجلياتها، ومن هنا قد يتولد الإرهاب، كما تزداد قوته وتنتشر مع انعدام المساواة بين المواطنين والنيل من حقوقهم، وانتشار حالات الفساد والإفساد في المجتمع وتجزئته إلى فرق مذهبية بكل تشكيلاتها، وما الحديث المبالغ فيه لمدير الهجرة والجوازات، في مقابلته الأخيرة في تلفزيون المجلس، إلا تعبير وترجمة صارخة على سياسة التجزئة هذه.

الإرهاب يتمدد بفتح المجال والإمكانات للقوى الدينية، في حين تصم السلطة آذانها عن مناشدات المجتمع المدني وتحجب مواقعهم الإلكترونية.. الإرهاب يظهر عندما يتم التلاعب بقوانين الانتخابات ويشوبها العوار السياسي، ويجري العمل على تفتيت المجتمع.. هي جملة من الممارسات اليومية التي نعيشها واقعا، بدءا من ملاحقات لمغردين أدلوا برأي تستخدم لمواجهته عصى القانون لتصل إلى محاكمة النوايا. الإرهاب ينتشر ويزداد عندما يُهدد المواطن في مواطنته بإبعاده خارج الوطن، أو يتم نزع مواطنته بقرار إداري تستخدمه السلطة كسيف متى أرادت اللجوء إلى التنكيل والبطش.

المواجهة الحقيقية

تجديد الخطاب الديني أو الوسطية ليس مؤتمرات أو مطبوعات ذات كلف مالية عالية، بل ممارسة عملية على الأرض تكفل الحاضر وتشق الطريق للمستقبل لخدمة الشعوب.. هي وجود مجالس أمة أو أيا كانت تسميتها، شورى أو وطنية أو أمة، لكنها تكون معبرة عن تطلعات الشعب من نساء ورجال على قدم المساواة، لا مجالس مفصلة على القياس والطلب، فحتى صدام حسين كانت لديه انتخابات ومجلس وطني بأعضاء كثر، كانت مهمتهم التبجيل والتصفيق والانحناء إن استدعى الأمر.. مثل هذه البرلمانات ليست ركائز صلبة وراسخة لأي حكم مهما كانت قواه كبيرة وملاحقاته واسعة، ولنا تجارب في أكثر من بلد عربي لاتزال محل مشاهدة يومية على الشاشات ومتابعة على صفحات الصحف اليومية.. ما لم تَسدْ الحرية والكرامة والعدالة والمواطنة الكاملة تبقى مثل تلك التصريحات مجرد أقوال تستعمل وقت الحاجة، ووفق المناسبات التي تستدعيها، بينما الممارسات الفعلية تأتي خلاف ذلك، وأحياناً بصورة أقرب للأفلام البوليسية، وعلينا ألا ننسى تلك الإعلانات التي ظهرت في فترة ما في الصحف المحلية، لمجموعة ما يسمى برجال الدين وعلمائه مع صورهم، للدعوة إلى تجهيز «المجاهدين» في سوريا.. تبرعاً وتجنيدا، وكذلك ذاك الخطيب «الإسلاموي» الذي كان يتفاخر بعمليات «النحر» كما ورد في خطابه في مقطع فيديو.. فكما أننا لا نقبل التعدي على وطننا يفترض رفض التعدي على الدول الأخرى العربية.. هي إذن الممارسات ذاتها سواء صدرت عن المستوى الداخلي أو الخارجي.. وهي تخالف وتعاكس تماماً مثل تلك التصريحات.

فكفوا رجاء عنها وعبروا عن الواقع الذي يمارس فعلياً، وهذا أقل ما يمكن أن نتمناه.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *