الرئيسية » أحمد الخطيب » أحمد الخطيب : مبادرات الشباب والمجتمع المدني «واحات» علينا تشجيعها

أحمد الخطيب : مبادرات الشباب والمجتمع المدني «واحات» علينا تشجيعها

أحمد الخطيبالحوار السياسي الذي نشاهده هذه الأيام في الساحة الكويتية يتجاهل الواقع، لأنه يفترض بأننا دولة ديمقراطية ملتزمة بدستور محترم ومقبول من السلطة.

نتفق أو نختلف على دستورية الاستجوابات، أو كون المجلس المنتخب مخالفاً للدستور أم لا.. وغيرها من الأمور الثانوية.

وأصبح البعض يعتقد بأن تعديل الدوائر الانتخابية، أو إيجاد حكومة شعبية أو رئيس وزراء شعبي أو إشهار الأحزاب هو الحل، بل اعتقد البعض بأن العِلة في الدستور نفسه، فطالب بتعديله أو حتى إلغائه من دون أن يسأل نفسه هل دستور 62 يمنع ذلك؟ وأين المواد الدستورية التي تقف عقبة أمام هذه الإجراءات؟

وحتى الأحزاب السياسية ليست بحاجة إلى تعديل دستوري، فهي قائمة وفاعلة وعلنية منذ الخمسينات.. هي أمر واقع، فمؤتمراتها علنية، وانتخابات مجالسها الإدارية علنية، وتعمل تحت مسميات عدة معروفة للجميع.

دستور 62 تم إلغاؤه عام 1976 والمجالس التي تلت كلها مزورة بالرشوة العلنية الرسمية، أو غير الرسمية، والفساد الإداري المتعمَّد أتاح الفرصة أمام نواب الخدمات العامة للمواطنين بتنفيذ رغبات الناخبين بقرار من السلطة، وهؤلاء النواب همّهم الوصول للمجلس، لجني منافع كثيرة لهذا المنصب، مقابل دور المؤيد لكل إجراء تتخذه الحكومة، والتخلي عن دورهم الأساسي في المراقبة على أعمالها.

هكذا، حصلت الحكومة على الأغلبية المريحة في كل المجالس، فتم إبطال تلك المجالس وتهميشها، ولم تعد هناك سلطة تشريعية دستورية حقيقية، وكل إنجاز مهم تم كان من قِبل قلة تصل للمجلس أحياناً، تجند الشارع الكويتي، وتفرض رأيها على الحكومة.

أما السلطة التنفيذية، أي الحكومة، فقد تم إبطال مفعولها منذ تشكيل أول حكومة لقمع الحريات العامة عام 1964، وتزوير انتخابات عام 1967.. والغريب أن هذه الحكومة، وخلافاً للعادة، بقيت في مكانها حتى عام 1971، ما عدا بعض التعديلات القليلة، كخروج خالد المسعود من الوزارة مكافأةً لها على هذا الدور المخجل، وتم تحويل مجلس الوزراء إلى موظفين، مهمتهم تنفيذ الأوامر، ومن فوجئ بهذا الدور من الوزراء، قدَّم استقالته، متحملاً نتائج هذا الموقف، وآخرون اضطروا للبقاء، محافظةً على امتيازات استطاعوا تحقيقها لهم أو لمن حولهم.

فالحقيقة، هي أن لا ديمقراطية في الكويت، ودستور عام 1962 تم قبره منذ زمن بعيد، وما يميزنا عن غيرنا من الأنظمة الخليجية، هو هامش الحرية الذي تفتقده كل هذه الأنظمة، وهو المبرر الوحيد لمشاركتنا في الانتخابات، للاستفادة من هذا المنبر، لطرح وجهات نظرنا.. لذلك، كنا نرفض مقاطعة الانتخابات دائماً، ونصر على خوضها في كل الظروف، مثل محاولات تفعيل أنشطة المجتمع المدني المتعددة.

مبادرات ملفتة

المحزن أن النقاش الذي نشاهده الآن يتجاهل كل هذا، ما يعزز تزييف الواقع الذي تم التخطيط له بعناية تامة، فصرنا نأمل خيراً من البعض، وهذا حلم اليائسين! هذه الصورة البائسة لا يمكن أن تدوم، فقد بدأنا نشاهد مبادرات من الشباب، وغيرهم، ترفض هذا الواقع المؤسف، وتتصدَّى لحل مشاكل معينة تلقى اهتماماً، لأنها تمسهم.. مشاكل كبيرة تهم قطاعاً واسعاً من الشباب، كمجموعة «ناطر بيت»، لحل أزمة السكن، أو مشاكل صغيرة، كالمجموعة التي تطوَّعت لمساعدة منكوبي الأمطار الغزيرة التي شهدناها أخيراً، وربما جماعة مطالبة بوظيفة أو معاملة من دون «بخشيش».

فمبادرات المجتمع المدني أخذت تتكاثر، مطالبة بالإصلاح، بعد أن كانت حبيسة في الأدراج، أو في الاجتماعات داخل غرف مغلقة والتحلطم في الدواوين.

والأمل أن تنتقل هذه العدوى إلى مؤسسات المجتمع المدني الغارقة في العزلة عن المجتمع.

العمل التطوعي يشكّل نقلة نوعية في التحرُّك السياسي عالمياً، وسوف أتطرَّق له في مقال لاحق لأهميته.

استقلال القضاء

وبهذه المناسبة، لابد من التطرُّق لموضوع آخر في منتهى الأهمية، وهو ضرورة استكمال قضية استقلال القضاء.

فالقضاء المستقل، هو الضمانة الأكيدة للتطوُّر المدني، ومن دونه سرعان ما يتحوَّل الإصلاح السلمي إلى حراك عنيف يدمّر البلد، وهذا لا مكان فيه لمنتصر.

الجميع يلاحظ، باهتمام بالغ، عملية ترتيب مرفق القضاء، ويقف إجلالاً لكثير من الأحكام المذهلة التي صدرت عنه، إلا أننا نلاحظ بأن الدعوات والمحاولات لإعطائه الاستقلالية التامة لم تحقق شيئاً بعد، لأنني أعتقد جازماً بأن قوى الفساد الممسكة بمفاصل الدولة لن تسمح بذلك، وهنا يأتي دور المجتمع المدني، لإيجاد تجمُّع يدعم الدعوة لاستقلال القضاء، يقوم بحشد الطاقات الشعبية، وتوجيه الضغط المتصاعد والواسع، لتحقيق هذا الهدف النبيل.

إذن، لا داعي لليأس، فدعونا نشجع هذه الواحات الجميلة التي بدأت تظهر في مجتمعنا، مبشرة بمسيرة حقيقية للإصلاح، مواكبة ومشاركة في معركة الإصلاح التي عمَّت العالم كله، فقطار الإصلاح العالمي بدأ الرحلة، وسيصل للمحطة الأخيرة، إن عاجلاً أم آجلاً، فتلك هي حتمية التاريخ، لا تخفيها المآسي التي نراها الآن أمامنا، لأن هذا ثمن لابد من دفعه، للوصول إلى عالم تسود فيه الحرية والأمان، وينعم بالخيرات التي أخذ التقدُّم العلمي يوفرها للبشرية جمعاء.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *