الرئيسية » الأولى » عبدالله النيباري : الوفاق ضرورة محلية أيضاً

عبدالله النيباري : الوفاق ضرورة محلية أيضاً

عبدالله النيباري
عبدالله النيباري

في آخر الأسبوع الماضي، وفي مناسبة اجتماعية ،التقيت صديقاً، وهو من الشخصيات الاجتماعية المرموقة، يحمل اهتماماً بشؤون العامة، وميلاً ثابتاً لتحقيق التصالح والتوافق في الميدان السياسي، سواء كان بين المجاميع السياسية، أو بين السلطة وأطياف المجتمع السياسية والاجتماعية.. وكان ذلك في آخر أيام لقاء القمة العربية – الأفريقية.

نحوت به جانباً، وبادر بالتعليق على ما جاء في مقال نُشر لي، ثم انتقل للتعليق على مؤتمر القمة، قائلاً إنه جميل أن تكون الكويت، التي لا يزيد عدد مواطنيها على المليون إلا قليلاً، مسرحاً للقاء رؤساء أكثر من سبعين دولة، وهو شرف لها.

ولكن إذا استطاعت الكويت، بحجمها الصغير، جغرافياً وسكاناً، جمع هذا العدد الكبير من دول قارة أفريقيا والأقطار العربية، تعداد سكانها بمئات الملايين، حول تعزيز الروابط وتحقيق الوفاق بينها، فهل يستعصي عليها أن تحقق الوفاق والتصالح بين أبنائها؟ فيا له من سؤال محيّر يستعصي على الفهم!

ثم انضم لنا صديق آخر شارك في النقاش الذي لم يدم طويلاً، ولم ينتهِ إلى نتيجة محددة، حول ما إذا كان ذلك ممكناً أو غير ممكن، ولمست من كلام الصديق بأنه يريد مني التطرُّق لهذا الموضوع، وإثارته بمقالة صحافية، وها أنا ألبي الطلب، ليشارك فيه من يحمل همَّ هذا البلد.

موضوع التصالح والوفاق كان دوما نشاطاً مميزاً للكويت، أبلى فيه سمو أمير البلاد جهداً دؤوباً منذ أن كان متولياً حقيبة وزارة الخارجية، حتى أصبحت سمة مميزة له وللكويت، ومن هذه الجهود ما قام به أخيراً لإزالة شوائب الجفاء، وتفادي تداعيات التوتر الخطير في محيط دول مجلس التعاون الخليجي، عندما اصطحب أمير قطر الشيخ تميم بن حمد للقاء مع قيادة المملكة العربية السعودية، وعلى رأسهم خادم الحرمين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، وولي العهد الأمير سلمان، وعدد كبير من قيادات الدولة.

العارفون بشؤون المنطقة يقولون إن سمو الأمير الشيخ صباح الأحمد يكاد ينفرد، بما له من حظوة والأكثر قبولاً لدى قيادات دول مجلس التعاون الخليجي، فعندما تلبَّدت أجواء العلاقات بين عُمان ودولة الإمارات، كان هو مَن تحرَّك، لتبديد ما عكَّر صفو العلاقات بين الجارين، وإذا ذهبنا بعيداً في التاريخ، والشيء بالشيء يُذكر، فلابد من التنويه بالدور الذي قام به المغفور له الشيخ سعد ابان الصراع الذي انفجر بين السلطة في الأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية، وصل إلى حد استخدام السلاح، فذهب الشيخ السعد، بتكليف من مؤتمر القمة المنعقد بالقاهرة برئاسة زعيم الأمة العربية الخالد جمال عبدالناصر، الذي وافته المنية بعد ذلك المؤتمر مباشرة، بعد أن ودَّع سمو أمير الكويت الشيخ صباح السالم.

آنذاك، وصل الشيخ سعد إلى عُمان، واصطحب معه رئيس منظمة التحرير ياسر عرفات إلى القاهرة، حيث يُعقد المؤتمر، وكان من نتائجه إيقاف القتال والانتقال إلى التصالح بين الحكم في الأردن ومنظمة التحرير.

نعود لمطلب المصالحة والوفاق في محيط المجتمع الكويتي، كضرورة لتصحيح المسار، وانتشال البلد مما يعانيه من تسارع حالة التدهور على كافة المستويات، وأصبح حديث الدواوين واللقاءات الاجتماعية تناول السؤال الأزلي.. الكويت إلى أين؟ ووين رايحين؟ وإلى متى نبقى في حالة التخلف، في حين أن كل من حولنا يتقدَّم؟

مجتمعات دول الخليج العربي بحاجة إلى تصحيح مساراتها على طريق الإصلاح، وأول متطلبات ذلك، تصالح أنظمة الحكم مع مجتمعاتها.. هذا ما ينصح به الخلفاء الغربيون وآخرها تقرير اللجنة البرلمانية البريطانية عن زيارتها للمملكة العربية السعودية والبحرين.

والكويت، رغم ما تتميَّز به من وجود دستور، يؤسس للاقتراب من نظام ديمقراطي وهامش من حرية إبداء الرأي، لكن في حقيقة الأمر، إن آليات تطبيق الدستور بشكل ناجز معطلة، وتكرار التمسك بالدستور والنظام الديمقراطي في الخطابات الرسمية لا ينعكس إلى واقع ملموس، والخطورة أن اتساع الفجوة بين سلوك السلطة ومطالب المجتمع وتطلعاته تقود إلى الإحباط، والإحباط كالبخار، إذا تراكم فإن نتائجه قد تكون وخيمة.

إذن، هناك ضرورة ملحة للتصالح والتوافق، فمُضي الوقت لن يحل المشاكل، بل يزيدها تراكماً.

ولكن المصالحة والتوافق ليسا بتقبيل الخشوم ولا بمجاملة شيوخ القبائل بالولائم، بل لكي تكون مصالحة وتوافقاً جدياً، يجب أن تكون مبنية على أسس وشروط وضوابط، لكي تستحق وصف نقلة تاريخية.

ولكي نتلمس الأسس والضوابط، فلنسترجع المصالحات الكبرى في تاريخ الكويت.

ولا أريد الغوص في التاريخ، للتذكير بمصالحة الشيخ مبارك الصباح مع تجار الكويت، ولا إلى تجاوز أزمة الحكم بعد وفاة الشيخ سالم، والوثيقة التي غرست مبدأ تنظيم الشورى في مطلع العشرينات من القرن الماضي، ولكن علينا أن نسترجع المصالحات التي حدثت.

نستطيع القول بأنه في النصف الثاني من القرن الماضي.. وهنا يمكن الإشارة إلى ثلاث مصالحات مهمة وكبيرة تصلح للاسترشاد بها..

الأولى، هي المصالحة التي تمَّت في أوائل عقد الخمسينات، لتجاوز آثار أزمة الصدام الذي جرى في ما سُمي بحركة المجلس التشريعي لعام 1938، وهي من أكبر وأخطر الأزمات في تاريخ الكويت، فقد سالت فيها دماء، وتعرَّضت فيها زعامات سياسية واجتماعية إلى سجن لمدد طويلة وهجرة زعماء آخرين.

بدأت المصالحة في آخر عهد الشيخ أحمد الجابر، بإطلاق سراح المساجين، ومطالبة المهاجرين بالعودة، وفي عهد الشيخ عبدالله السالم استكملت المصالحة بالعودة إلى تنظيم آليات الشورى، والعودة إلى نظام الانتخابات، وجرى انتخاب المجالس الأربعة للمعارف (التعليم) والبلدية والصحة والأوقاف، لكن ما لبثت هذه التجربة أن تعثرت، بعد الاختلاف الذي وصل إلى حد الصِدام بين أعضاء المجالس ورؤسائها من الشيوخ أدَّى إلى استقالة أعضاء المجلس المنتخبين، ثم جاءت أزمة 1959، على اثر خطاب مهرجان ثانوية الشويخ، احتفالاً بعيد الوحدة بين مصر وسوريا، الذي ألقاه جاسم القطامي، واتخذت إجراءات قمعية، بحل النوادي الرياضية والجمعيات وإغلاق الصحف.

وبعد تهديد عبدالكريم قاسم، حاكم العراق، بعد إنهاء المعاهدة بين الكويت وبريطانيا عام 1961، لمس الشيخ عبدالله السالم التفاف الشعب حوله، ورفض ادعاءات عبدالكريم قاسم، بأن الكويت ولاية عراقية.

على اثر ذلك، أقدم الشيخ عبدالله السلام على المصالحة الكبرى، استجابة لمطالب الشعب بالانتقال إلى نظام ديمقراطي، فكان الإعلان عن النقلة التاريخية نحو تأسيس نظام ديمقراطي، بالسير في الطريق السليم، عبر انتخاب مجلس تأسيسي يكون جمعية دستورية لوضع دستور للبلاد، فتكللت تلك الجهود بصدور دستور 1962، الذي احتفلنا بذكراه الـ 51 في الحادي عشر من هذا الشهر.

فكان ذلك أول وثيقة تؤسس لنظام ديمقراطي في الجزيرة العربية، باعتماد نظام الانتخاب الشعبي العام.

وبعد وفاة الشيخ عبدالله السالم، عادت الأزمة، بعد أن لجأت السلطة لتزويد انتخابات 1967.. وعلى الرغم من استمرار المجلس المزور، فإن الحالة بقيت شبيهة بحالنا اليوم، فخيَّم التوتر والمقاطعة على السلطة والمجتمع، إلى أن جاء خطاب الشيخ جابر الأحمد في 1970، الذي وعد فيه بتجاوز الوضع المأزوم، والعودة إلى انتخابات نزيهة من دون تدخل، وبناءً على ذلك، جرت انتخابات عام 1970، التي أنتجت مجلساً حقق إنجازات تاريخية أعادت إيمان الناس بالنظام الدستوري الديمقراطي، وبإمكان مجيء مجالس تمثل إرادة الشعب، يكون رائدها العمل على تحقيق مطالب الناس وتطلعاتهم، مثلما جرى في مجلس 1971، لكن هذه التطلعات لم تلبث أن أحبطت بحل مجلس عام 1975، وتعليق الدستور، ومحاولة تعديله، وتكرر ذلك عام 1986، حيث جرى فعلاً تعديل الدستور، وإنشاء ما سُمي بالمجلس الوطني، بإدخال عنصر التعيين، ودخلت الكويت في أزمة امتدت أربع سنوات، إلى أن باغتنا اجتياح العراق للكويت عام 1990.

الدروس المستفادة من هذا السرد، هي التأكيد بأن الانقسام في المجتمع واتساع الفجوة بين السلطة والناس ضررها على البلد والمجتمع يتجاوز ما يتحقق للسلطة من مكاسب بإيجاد مجالس طوع إرادتها، وأن المجالس المنتخبة، عبر انتخابات نزيهة، من دون تدخل من السلطة، بكافة أشكاله، مهما كانت سلبياتها، أهون من المجالس التي تأتي عبر العبث بالنظام الانتخابي أو تدخل السلطة بكافة أشكال التأثير، فالأخيرة تدفع السلطة لإرضاء الموالين لها على حساب تخريب البلد، ومن أفدح أنواع التخريب اتساع رقعة الفساد في غياب الرقابة والمحاسبة.

إذن، نحن بحاجة إلى توافق وتصالح لانتشال البلد في مستقنع الركود، ولكن ذلك يجب أن يتم على أسس سليمة، اقتداء بالمصالحات الكبرى في تاريخ الكويت.

ومن بين هذه الأسس نظام انتخابي عادل يضمن التعبير الصادق عن إرادة الشعب، بدلاً من نظام الصوت الواحد الكسيح، واتفاق جازم على مكافحة الفساد وتمدده للتأثير في الانتخابات، عبر المال السياسي والمنافع والواسطات.
وقبل هذا وذاك، الإصرار على التمسك الحازم بالدستور والتطبيق الجيد له، كما جاء في ميثاق جدة.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *