الرئيسية » قضايا وآراء » جاسم السعدون : إعدام «الطليعة»

جاسم السعدون : إعدام «الطليعة»

جاسم السعدون
جاسم السعدون

لست حزيناً على حُكم إعدام «الطليعة»، فالتاريخ والحاضر يرجحان اختفاءها.. لكن مصدر الحزن، هو أن احتمال اختفائها جاء بنيران صديقة، وبعد 15 عاماً على وفاة رئيس تحريرها وأحد مؤسسيها وهامة وطنية عظيمة، رحم الله سامي أحمد المنيس.

لست حزيناً، لأن الأصل في بلدنا الحبيب بات اندثار المعالم الجميلة، فالثقافة والفن والرياضة والتعليم والصحة والبنى التحتية والاقتصاد والسياسة، وحتى القيم الإيجابية، تتلاشى، و«الطليعة» الجميلة ليست استثناء.

لست حزيناً، لأن فترة إيقافها طوعاً، أو قسراً، هي الأصل، بسبب مواقفها إبان سقوط كل ما هو جميل، وذلك ما جعل منها منبراً يقاتل من أجل مبدأ صحيح، بينما خصومها يتحمَّلون كامل المسؤولية عن قيادة البلد إلى وضعها الرديء الحالي.

لست حزيناً، لأنها حقبة يسودها الرأي الواحد، تحوَّلت فيها غالبية المنابر من الإعلام إلى مجرَّد الإعلان، وبات بعض قادة الرأي مثل تلفونات الدفع المسبق، لابد من تعبئتها، قبل إيصال الحرارة إليها.

لست حزيناً، لأنها بمواقفها أسقطت قولاً شائعاً، مفاده «أنه لا مبادئ في عالم السياسة، إنما أسعار متفاوتة لحملة المبادئ»، فهناك الرخيص، الذي يجثو على ركبتيه أمام أول قرقعة لحفنة من الخردة، والبقية تتساقط، كلما تمَّت إضافة صفر جديد على يمين الثمن.

لست حزيناً، لأن استمرارها في هذا الزمن الرديء سيثقل جيوب المتبرعين لها، فإلى جانب تكلفة إصدارها، ستتكفل وزارة الإعلام برفع الدعاوى عليها، بالاستناد إلى قوانين تكميم الأفواه الجديدة، ولعل جيوب الممولين تحتاج إلى بعض الاستراحة.

لست حزيناً، لأنها منبر كان يجمع شيعتها وسُنتها، بدوها وحضرها، قبل أن تبدأ سكين السلطة، بتمزيق ولاءاتها من الوطن الجميل إلى عصبياتها الصغيرة، بما فرض واقعاً مؤلماً على الجميع.

لست حزيناً، لأن معظم من التقيتهم، وحتى مَن لديهم خلاف معها، يحملون قدراً كبيراً من الاحترام لها، وذلك رصيد لن يختفي باختفائها.

لست حزيناً، لأن أوضاع البلد باتت مقلوبة، فاللصوص يمسكون مفاتيح خزائنها، ويتصدرون لجان حماية أموالها، ولم تسلم حتى أسماء شوارعها من السرقة.. إنه حتماً ليس زمن «الطليعة».

نعم، هو تأبين لـ«الطليعة»، كان من الممكن قبوله والتعايش معه، لو كان تكراراً لمسلسل ملاحقاتها الرسمية، فذلك يُحسب لها، وليس عليها، لكنه للأسف، جاء على غير ما اعتدنا عليه وقبلناه. ويبقى الأمل قائماً، فمن غير الممكن أن تستمر أحوال هذا البلد الطيب رديئة، على الأقل تاريخه لا يرجح ذلك، وقد تعود «الطليعة» عندما تبدأ الكويت الخُطى نحو الطليعة، كما عودتنا الكويت وعودتنا «الطليعة».

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *