الرئيسية » ثقافة » المزيد من الرقابة والتضييق على الناشرين

المزيد من الرقابة والتضييق على الناشرين

من ندوة إبراهيم الكوني
من ندوة إبراهيم الكوني

كتب محمد جاد:
بانتهاء فعاليات واحتفاليات معرض الكويت الدولي للكتاب في دورته الأربعين، الذي امتد من 18 إلى 28 نوفمبر، يبدو الأمر الرقابي أكثر حدة عن ذي قبل.. وبينما ينكر أصحاب الأمر الموضوع إلى حدٍ ما، وأن مصادرة بعض الأعمال جاءت بنسبة معقولة – وكأن المصادرة في ذاتها عمل يبدو طبيعياً – يفند الأدباء وكذلك أصحاب دور النشر هذه النسبة، وأن المصادرة هذا العام كانت السمة الأبرز للمعرض، حتى إن هناك العديد من المؤلفات التي سبق أن شاركت في دورات المعرض السابقة، تم منعها هذا العام، إضافة إلى تكريم المعرض لبعض رواد الأدب في العالم العربي.. وللمفارقة، كان من بينهم الكاتب الليبي إبراهيم الكوني، الذي تمَّت مصادرة بعض مؤلفاته!

تبدأ سياسات المنع دائماً، وخاصة الكتب، وفق منظور السلطة السياسية، بأنها تمثل ما يشبه السلطة الأبوية، بل أقوى، فهي التي تحدد للمواطنين ما يُشاهدون ويُطالعون، وفق مبدأ الوصاية على القصّر وناقصي الأهلية، هكذا ترى الدولة مواطنيها، وهي حال جميع الدول المنسوبة إلى نظم الحكم العربي.

وكانت فكرة الرقابة والمصادرة هذا العام من أهم الموضوعات التي أثيرت حتى قبل بداية المعرض، حتى إن بعض الأدباء طالبوا بتوقف المعرض نفسه، لما تمثله هذه السياسة من إهدار للحريات، وتحوّل في الوجهة الديمقراطية التي كانت تتغنى بها الدولة ونظامها السياسي طويلاً، مقارنة بدول المنطقة. هذه الحال تتأكد في غياب معايير واضحة تنتهجها السلطة في سياسة المنع هذه، عبارات قانونية مطاطة تتنافى والدقة، من سبيل حماية الآداب والنظام العام والسِلم الاجتماعي. عبارات حظها من البلاغة أكثر من قيمتها، ومدى تفعيلها وفق حدودها في الواقع.

وبمناسبة السمة العامة التي أصبحت تضرب معرض الكويت للكتاب، عُقدت ندوة في جمعية الخريجين تحت عنوان «رقابة الكتب وحدود القانون»، تحدث بها العديد من الأدباء، تناولوا هذه القضية الشائكة وأبعادها، وفق المناخ العام في الكويت الآن، حتى إن هناك العديد من المؤلفات يتم تداولها في كل دول الخليج، وتتم مصادرتها ومنعها في الكويت، إضافة إلى مواد القانون التي تتبنى المعايير العامة والفضفاضة، وبالتالي تتيح للرقيب التصرف وفق هواه، من دون حدود مرسومة بدقة، ما أدى لقول أحد الأدباء إن هذه الحال إن بقيت على ما هي عليه، فمن الأولى إلغاء معرض الكتاب، حفاظاً على سمعة الحريات التي كفلها الدستور وألغاها الرقيب.

تسريب الممنوعات

وبما أن هناك حالة من المنع، فالتحايل سيكون هو الأساس، وهو ما سببته الملاحقة الرقابية داخل أروقة المعرض، فلجنة الرقابة لا تكتفي بمنع العناوين فقط قبل المعرض، بل تقوم بعمل جولات طوال أيام العرض، وتتفقد محتويات دور العرض، كي لا يسرب أحدهم هذه الكتب إلى الأجنحة وبيعها بالخفاء، وهو ما يحدث بالفعل.

من ناحية أخرى، تقوم لجنة الرقابة بمنع دخول كميات أخرى من الكتب التي نفدت نسخها من دار النشر، إذا ما قامت دور النشر بعدم إعلام الجهات الرسمية وإعلامها بأمر هذه النسخ، التي تمَّت الموافقة عليها من قبل.

تعددت طبيعة ونوعية الأعمال التي تم منعها هذا العام، ما بين الكتب السياسية والنصوص الأدبية، والنقد الديني والتاريخي، نذكر بعض منها على سبيل المثال لا الحصر: رواية «ساق العرش» للكويتي محمد المغربي، وأخرى لإبراهيم الكوني بعنوان «قابيل أين أخوك هابيل»، وهو أحد المكرمين من قِبل المعرض هذا العام! كذلك رواية «الخلعاء» لخليل النعيمي، وأيضاً مؤلفات لروجيه جارودي، وخليل أحمد خليل، وخاصة مؤلفه «سوسيولوجيا الجمهور»، والأعمال الشعرية لسليم بركات. كذلك طال المنع مؤلفات جورج قرم كـ «انفجار المشرق العربي» و«مذاهب وملل وأساطير في المشرق العربي» لجلن كاليبو، والعديد من مؤلفات علي شريعتي، وأعمال تتحدث عن حسن نصرالله.

الفكر الرقابي

ومن خلال النوعية السابقة، يبدو لنا الفكر الرقابي القاصر دوماً.. فالمنع يأتي إما من خلال العنوان أو اسم الكاتب ومحاولة استنتاج محتوى الكتاب. وقد تقع عين الرقيب على عبارة أو مقطع يتم تأويله بعيداً عن هدف المؤلف، هذا الاقتطاع من السياق هو السبيل المستطاع لكل أصحاب الرأي الواحد والدوغما الأصولية، التي تخشاها السلطة وتمارسها على المحكومين – لفظ المحكومين أدلّ من مواطنين، لما يحمله من تاريخ سيئ لا يمكن نسيانه – لم تزل السلطة تحارب القراءة والتنوع الفكري، والهدف هو الحفاظ على وجودها في المقام الأول، ولا أدلّ من ذلك على عناوين الكتب التي تم منعها، ما بين البحث في ميثيولوجيا الأديان، أو الأعمال التي تبحث في الثورة والمؤلفين الثوريين عموماً، أو الموسومين بأفكار ثورية، وسيصبحون موصومين في عرف السلطة وتوابعها، المتمثلة في مهنة ستظل لصيقة بدول وأنظمة موصومة بالانتماء للعربية، مهنة تسمى الرقابة.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *