الرئيسية » آخر الأخبار » ردود الأفعال تتواصل على تصفية “الطليعة”

ردود الأفعال تتواصل على تصفية “الطليعة”

عدد الطليعة 17 مارس 1963
عدد الطليعة 17 مارس 1963

أعرب عدد من السياسيين والمفكرين والأكاديميين والطلاب، من داخل الكويت وخارجها، عن اسفهم الشديد، لقرار تصفية «الطليعة».. تلك المؤسسة التي وصفوها بالتنويرية، التي حملت شعلة التوهج والوعي في الكويت والدول العربية منذ ستينات القرن الماضي، ودفعت برموزها والمنتسبين إليها في اتجاه تعزيز الحريات ومحاربة الفساد والحفاظ على الدستور والنهج العروبي النضالي ضد الاستعمار ومظاهر التطرف.
وطالبوا في تصريحات ومقالات خاصة لـ «الطليعة»، بأن تعود الأمور إلى ما كانت عليها قبل حُكم محكمة التمييز، لتستمر في أداء رسالتها غير الربحية.
وقد ارتكزت بعض تصريحات ومقالات المشاركين على الدور الذي لعبته «الطليعة» منذ صدورها في 13 يونيو 1962، فضلا عن عرض بعضهم ذكرياتهم معها، وكذلك تأثرهم بالشخصيات والرموز التي قادتها، والتيار العروبي، لتحقيق مكاسب في محطات مفصلية مهمة في تاريخنا المعاصر.

سامي المنيس: هذه هي «الطليعة»

كتب الراحل سامي المنيس هذا المقال كمقدمة لكتاب (الطليعة في معركة الديمقراطية)، الذي صدر عام 1984.

في عام 1962 تقرر اعلان الدستور بعد مسيرة من النضال الديمقراطي امتدت منذ الثلاثينات حتى اليوم.
ومنذ اللحظة الأولى خاضت القوى الوطنية معركة طويلة صعبة ضد الذين لم يكلوا ولم يملوا من محاولة وأد التجربة وتقليصها، وتزييف الانتخابات والتأثير بكافة الاساليب الإدارية لإيقاف المسيرة.

والحق يقال ان أغلب ما كان يحدث كان يتم تحت وطأة ظروف خارجية، فالكويت بلد صغير وهو جزء من الجزيرة العربية ومن الأمة العربية، وما تعرضت له الأمة العربية

سامي المنيس
سامي المنيس

في الستينات والسبعينات له آثاره القوية المؤثرة على مسيرة الديمقراطية في الكويت.

وكان لضغوط «أصحاب المصالح محليا وخارجيا» دور كبير، ولكن تصدي القوى الوطنية وصمودها البطولي وما تحملته من تشويه وتهديد ومصادرة، كان له أثر كبير في الحد من تردي الأوضاع في الكويت.

وقد جاهدت مجلة «الطليعة»، ومعها كل القوى الوطنية طوال الأعوام الماضية جهادا كبيرا، وكانت طرفا رئيسيا في الصراع المحتدم، وكشفت مخططات الأمركة والسيطرة، وأحرزت هي وكل القوى مكاسب عظيمة لجماهير الشعب، أبرزها حماية الدستور والحفاظ عليه من محاولات التنقيح والتعديل والتعليق. ودفعت «الطليعة» ثمنا غاليا وجسيما من المصادرات والملاحقات والتزييف وتلطيخ السمعة.

ان تجربتنا في العمل السياسي تؤكد أنه لا يمكن النظر إلى بلادنا بشكل معزول عما يدور في المنطقة، فعندما تصادر الحريات في دولة مجاورة ويحل مجلسها ينعكس هذا علينا، والدرس المستفاد هو وجود تضامن القوى الوطنية في المنطقة كلها، والبحث عن صيغة تكثف هذا التضامن وترص صفوف القوى الوطنية.

ان جوهر التجربة الكويتية يتلخص في شيء رئيسي واحد اسمه الدستور، والصراع الذي حدث خلال الاعوام الماضية ومازال ممتدا، جوهره الحقيقي هو الحرية التي يحمي سياجها الدستور والمحاولات الدؤوبة لتقليصها يقابلها نضال لا يهدأ للحفاظ عليها.

هذا هو جوهر المسيرة الديمقراطية التي لم تصل بعد الى أن تصبح صيغة مسلما بها، فالقوى المعادية والمتضررة مصممة على النيل من هذه الصيغة وتفريغ جوهرها والهجوم المتواصل على القواعد التي ارتضتها بهدف تغييرها، وهذا يضيف إلى مسؤولياتنا ليس فقط الدفاع عن الحريات وإنما حماية النظام الديمقراطي من القوى التي تحاول إجهاضه.
وهي مهمة صعبة للغاية، كونك تتعامل مع قوى ترفض الانصياع للقوانين التي سنتها وارتضتها في البداية، وتحاول كل لحظة الانقلاب عليها.

ولكننا اعتدنا على ذلك، ولا نملك غير ان نواصل المسيرة تدعمنا كل القوى الوطنية كي نتوحد جميعا في النضال من أجل حماية الديمقراطية، وحماية الوطن نفسه من الاعتداء.

رضي الموسوي
رضي الموسوي

«الطليعة» تستقبل دموع سامي المنيس من قبره

رضي الموسوي
الأمين العام لجمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد) البحرينية:

ليس من شيم المناضلين البكاء على اللبن المسكوب، وليس من طبائعهم، أن يتيهوا عندما تحلّ بهم المحن والمصائب، حتى لو كان السبب من أقرب الناس، أو ممن يفترض أنهم كذلك.

هذا ما جُبلنا عليه في التربية الحزبية الممتدة والمتأصلة فيها حركة القوميين العرب، التي كان أعمدتها في الخليج العربي د.أحمد الخطيب، وأ.عبدالله النيباري، والمرحوم أ.سامي المنيس، وغيرهم ممن تربينا على أيديهم في البحرين من طراز المرحوم عبدالرحمن النعيمي.

توارت الحركة واندثرت منذ عقود.. هذا صحيح، لكن الصحيح، أيضاً، أن قيم الحركة لا تزال قائمة في صور شتى، فالقيم لا تموت، إلا في الأمم التي قررت الانتحار، ونحن أمة رغم المصائب والكوارث، لا نزال نؤمن «بأن فجراً سيلوح رغم كل العقبات»، و«أن ضوء الشمس أقوى من قوانين الطغاة».

من رحم حركة القوميين العرب انبثقت «الطليعة»، وترعرعت على أيدي شبابها وكوادرها، الذين جذبتهم الكويت، نظراً لتجربتها المميزة و«دستور عبدالله السالم»، الذي وضع الكويت على سكة الدولة المدنية المؤمنة بالحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

جاءوا من كل فج عميق، هرباً من القمع، الذي كان يفعل فعلته في بلدانهم، وحيث كان الحلم تشييد دولة الوحدة العربية الكبرى، من النهر إلى البحر، وتحرير فلسطين من رجس الاحتلال الصهيوني.

كنت على مقاعد الدراسة في كلية العلوم بجامعة الكويت أدرس تخصص الرياضيات، لكن الأقدار لم تشأ أن أكمل الدراسة، بسبب احتدام الصراع في البحرين، وتوسعه نحو المناطق التي يتواجد فيها البحرينيون، فكانت الكويت وجامعتها العريقة، التي كانت تحتضن أكثر من 500 طالب وطالبة سنوياً، هدفاً لأجهزة الأمن البحرينية في النصف الثاني من سبعينات القرن الماضي، فكان قرار إبعادي بمعية 11 طالباً، على خلفية نشاطنا الطلابي، من أصل 22 بحرينياً، وُضعت أسماؤهم في قائمة الإبعاد من الكويت نهاية سبتمبر 1978.
كان القرار سياسياً بامتياز، لكننا عدنا في العام التالي، الذي شهد إسقاط قرار منع أكثر من 200 طالب وطالبة بحرينيين من السفر لمواصلة دراستهم في مختلف جامعات العالم، وهو القرار الذي نفذ في صيف 1977، وكان قرار إبعادنا من الكويت جزءاً من تبعاته السياسية.

عدد الطليعة 24 مايو 1967
عدد الطليعة 24 مايو 1967

في عام 1979، وحيث كان الحراك الشعبي قد اتقد على نار هادئة، بعد 3 سنوات من حل مجلس الأمة الكويتي، عادت الروح بقوة للمواقع التاريخية في النضال الوطني، وكانت جامعة الكويت أحد هذه المراكز.

كان د.أحمد الخطيب في العديلية يُلقي محاضرة عن حل مجلس الأمة، ومحاولات تعديل مواد رئيسة في الدستور الكويتي، خصوصاً المادة الثانية، وكان قد بدأ محاضرته بطرفة (كوت بوستة).
كنت حينها أغطي الحدث لـ»الطليعة»، فقد بدأت الخطوات الأولى من رحلة العمل الصحافي. كان عبدالمطلب الصيرفي – شافاه الله – هو معلمي الأول، وهو من أخذ بيدي، حيث كان يعمل في «الطليعة» قبلي، وكان مسؤولاً عن ملفات البحرين وبعض دول الجوار.

في ذلك الوقت، كان المرحوم سامي المنيس رئيس التحرير، وكان يختلي بنفسه عندما يكتمل العدد، ويبدأ في خط الافتتاحية.
كان شعلة متقدة، يوجه هنا وهناك، ويضع ملامح العدد الجديد. كان شديد الحرص على التزام «الطليعة» بالصدور في موعدها، وفي الوقت نفسه بخطها الوطني المميز.

وحين كان د.أحمد الخطيب يكتب الافتتاحية، كنا نضع أيدينا على قلوبنا، وندعو بألا يصدر قرار إيقاف «الطليعة» عن الصدور، لكن في أغلب الأحيان، كانت دعواتنا تذهب أدراج الرياح، فقرار الرقيب غالباً ما يأتي بعد الافتتاحية التي يكتبها الخطيب.
بعد عقود من الزمن، والفعل الذي هو أشبه بالحفر في الصخور الصماء، يصدر قبل أيام قرار بتصفية «الطليعة».

قرار مؤلم ومحزن لكل من عاش تاريخ الكويت، فـ«الطليعة» تشكل جزءاً من روح وقلب هذه البلاد المتسامحة القوية، القادرة على الفعل داخلها وفي محيطها القريب والبعيد، الدولة الجاذبة لكل من قسا عليه الزمن، وفوق هذا وذاك، كانت مأوى لأولئك اللاجئين منذ النكبة والنكسة، وكل مَن يبحث عن هواء نقي.. كان يجده هنا في الكويت.. الكويت التي أحبها العالم، فوقف معها في محنة الاجتياح صيف 1990.

كأني بالمرحوم سامي المنيس يبكي دما، وهو يبعث دموعه تضامناً مع «الطليعة» وطاقمها صاحب الروح الوثابة والمبادرة لذلك المقر العتيق، الذي يعبق بتاريخ وطن وحلم أمة.

كانت «الطليعة» تشكل مساحة مهمة من المشهد الصحافي والسياسي الكويتي والعربي. كان زمناً جميلاً لن يتكرر، وكان سامي المنيس واحداً من رجالات الصحافة الذين ضحوا كثيراً، لتستمر «الطليعة» حتى آخر عدد، فهي شعلة حركة القوميين العرب في الخليج العربي، وعنوان مسيرته.
في «الطليعة» عبق التاريخ المضيء، ونكهة الحاضر بقيمه المضافة.. فلا تدفنوا الحلم، لكي لا يلعننا التاريخ.

إقبال العثيمين
إقبال العثيمين

إقبال العثيمين:
إيقافها نكسة للثقافة العربية والكويتية

قالت الأكاديمية والناشطة في مجال الحريات د.إقبال العثيمين: تابعت بحزن، ما أثير عن تصفية «الطليعة»، واعتبرت أن ذلك، وما يترتب على الحكم، بمثابة نكسة للثقافة الكويتية والعربية.

وأضافت: «الطليعة» استمرت عبر مسيرتها، التي امتدت لأكثر من 50 عاماً، في تحقيق العديد من المكتسبات الوطنية، وأصبحت صوتا للتيار القومي والأفكار اليسارية، التي هي السمة الغالبة في الحركة الوطنية الكويتية.

وأشارت إلى أن «الطليعة» فكرة، وليست مطوية أو صحيفة مطبوعة، كغيرها، كما يظن البعض، فالجميع يدرك أنها الصوت الذي قاد البلاد في مرحلة مهمة من تاريخ الكويت السياسي، وهي مرحلة تأسيس الدولة وصياغة الدستور منذ ستينات القرن الماضي، وساهمت بوعي الشارع الكويتي، الذي كانت وسائله الإعلامية تختلف عن وقتنا الحاضر.

وثمَّنت العثيمين مواقف «الطليعة»، ودورها في الحفاظ على المكتسبات الدستورية والدستور نفسه، عندما تصدَّت بكل شراسة لمحاولات إجهاض الدستور، متابعة أن اتجاهاتها جاءت متوافقة مع الشخصيات المؤسسة لها، والتي يشهد لهم القاصي والداني بنزاهتهم السياسية، ودفاعهم عن المبادئ، ولم تكن يوما ما أداة في يد طرف على الآخر.
وأردفت قائلة: بذلك النهج، جاءت «الطليعة» على صورة «ربعها»، طليعيين في طرح القضايا الوطنية، مدافعين عنها، حتى لو كان ذلك سيكلفهم الكثير، مضيفة أن التاريخ يشهد أن التيار الوطني تبنى مشاكل وأهداف الأمة، من خلال طرحه لمشروعه الوطني وأفكاره، وكل الشواهد تؤكد ذلك.

وأشارت العثيمين إلى عدد من القضايا التي تصدت لها «الطليعة»، كتأميم النفط والعمل وحق المرأة السياسي والتأمينات ودعم الحريات والتعبير والنقابات، والكثير من القضايا الوطنية التي ساهمت بها بموضوعيتها ومهنيتها في الدفع بها، والضغط من أجل تمريرها للصالح العام، على الرغم من المحاولات الكثيرة لإسكاتها.

وفي ما يتعلق بارتباطها بـ «الطليعة» على المستوى الشخصي، قالت د.إقبال العثيمين: لا أنسى أبدا أن أول مقال نُشر لى واحتضنته «الطليعة»، عندما كنت طالبة جامعية أدرس خارج الكويت، وقد حمل المقال عنوان «للسفر سبع فوائد».. وعندما رجعت لأرض الوطن، وجدت كل الترحيب والتشجيع من مُلاكها، وخاصة العزيز الراحل سامي المنيس، مرشح دائرتنا الانتخابية (العديلية)، رحمة الله عليه، للمساهمة فيها، فقد أعطي «أبوأحمد» الكثير لمهنة الصحافة وللوطن. فكامل الشكر والتقدير لكل مَن شارك في تأسيس الجريدة، وعلى جهودهم التي ما زالت تنير لنا الطرق المظلمة، بعدما بذلوها، كأبطال وطنيين، خدموا الكويت فيها، مضحين بوقتهم ومالهم وأرواحهم من أجلها، وأخيرا كلي إيمان، بأنه عندما يغلق باب يفتح بابٌ آخر، لذلك «الطليعة» ستصمد، على الرغم من حُكم تصفيتها.

بندر الخيران
بندر الخيران

بندر الخيران:
خيانة للشرف والميثاق الأخوي

أعرب الأمين العام للمنبر الديمقراطي الكويتي، بندر الخيران، عن بالغ أسفه وألمه الشديدين، لحُكم تصفية «الطليعة»، مبيناً أن كل المحاولات والقرارات التي حاولت تعطيل «الطليعة»، منذ أن تم حلّ نادي الاستقلال، باءت بالفشل.
وأضاف: لا نستطيع التعليق على الحُكم القضائي، لكننا في الوقت نفسه، نرى أن السعي والإصرار المستميت لإعدام «الطليعة»، تلك المؤسسة الوطنية غير الربحية، بمثابة خيانة للشرف والميثاق الأخوي، الذي رسمه جيل من الرجال الوطنيين، لحماية أهداف جيل طليعي في مؤسسة غير تجارية، كانت كل أنشطتها قائمة على تبرعات المنتسبين لها.

وأكد الخيران، أن «الطليعة» نجحت، بسواعد رجالها، أن تخرج من عثرات ومخططات خُططت لها، لكن يؤسفنا أن تأتي الطعنة التي قصمتها من الداخل، وعزاؤنا الوحيد، أنها «الصوت الوطني الحُر»، ولطالما تبنت ودعمت الحريات ونادت بها، ودافعت عن الدستور، وحاربت الفساد، ولم يُحبطها ما حدث لها طوال تاريخها الإعلامي النضالي الحُر، وستظل باقية، وستبقى منهجاً تاريخياً للباحثين عن العمل الوطني.

وأعرب الخيران عن أسفه، بأن حكم محكمة التمييز الأخير، القاضي بتصفية «الطليعة»، جاء نتيجة ادعاء بوجود كيان مادي وتجاري لـ«الطليعة»، بعد أن تم الادعاء، بأن رموز العمل الوطني الديمقراطي والمكلفين بإدارة الكيان، هم رفاق درب النضال مع الراحل سامي المنيس، استحوذت على التركة، وبذلك تضرب عرض الحائط كل القيم الأخلاقية والسياسية التي تمتع المغفور له، بإذن الله، سامي المنيس بها، وقد وهب وقته وفكره وإبداعه الوطني لإدارة «الطليعة»، إبان فترة تكليفه المشاركة في إدارتها.

وأضاف: بالتأكيد، لم يكن في خلد أو ذهن أي وطني، ابتداء من المكلفين بإدارتها، أنه سيأتي يوم وتتلقى «الطليعة» طعنة ممن يفترض بهم صيانة العهد وحمايته وتكريم ذكرى آبائهم.

وأكد الخيران أنه على الرغم من ألم الجرح الغائر في خاصرة التيار الوطني الديمقراطي، الذي جاء من طرف لم يكن متوقعاً ما حدث، فإن الصوت الوطني سيظل صادحاً بالحق، مدافعاً عن الحريات، منتهجاً قيمه ومبادئه الخلاقة في الاستمرار في طريق نضاله الوطني، ولن يردعه أو يوقفه أي حدث، مهما كان، وستستمر مبادرته الوطنية، كما بدأت عند إشهار «الطليعة»، في إطار وشكل جديدين يواكبان المرحلة الحالية وتحدياتها.

ستبقى نبراسا للأجيال

عبد الله عبد اللطيف الأحمد:

البدايات صعبة، وأصعب منها النهايات، قد تتدارك المعاني والحروف عندما تكتب مُستقبِلا، ويستحيل ذلك عندما تكون مُودِعا.. كم جميل أن تستقبل، وشجي أن تودّع، تلك هي الحال عموما، فكيف إذا أردت أن تتحدث عن صرح شامخ وُلد قبل أن يكتمل العام الأول لاستقلال وطنك، وطبعت حروفه الأولى قبل أن تطبع حروف دستورك، فكان كحاضنة له؟

الأهم من ذلك، أن هذا الصرح صار للوطنية نَفَساً، وللوطنيين مُتنفساً، نَبَض دفاعاً عن الدستور، والقلب لا يتوقف نبضه أبداً.

كان غيري، وكنت ضمنهم، نتلهف شوقا للقاء المعشوقة، نتسابق عليها، نجد غيرها، ولا يغرينا سواها، لكن في هذه المرَّة كان الهَوَى يُفَسَّرُ مواقف تتقد بالوطنية من أقلام عملاقة تطرب الأعين والعقول لوقع أحرفها، ولم يغننا جديدها عن قديمها، فتصفح أرشيفها الزاخر يُعَدُ رحلة تستعرض خلالها بطولات ملؤها الإيمان بالدستور وقيم الحرية والكفاح الوطني.

بيتها وَسِع الجميع، وعلى باحتها كانت لنا وقفات وحوارات، «ديوانيتها» تتزين بصورة لمؤسس الكويت الحديثة – طيب الله ثراه- وفي مقاعدها كم جلس رجالات الكويت، وكأنهم أعمدة هذا البنيان، من مكاتبهاومكتبتها.

كان طلاؤها حوارات وطنية يتجدد كل عام، طوال 53 عاما.

كانت هذه المعشوقة شعاعاً من نور، ولا يتضايق من شعاع النور إلا من اختار ظلام الكهوف، ولا أقول كانت، وكأنها حكاية ستنتهي، فهي إن توقفت عن الاصطفاف في «طليعة» الصحف، فسيبقى نهجها في «طليعة» المناهج ونبراسا مضيئا تتوارثه الأجيال.
كانت هذه «الطليعة» وستبقى.

«الطليعة» صوت لن نسمح بإسكاته

فريدة النقاش
رئيس تحرير جريدة الاهالي المصرية السابقة:

بقيت مجلة «الطليعة» الكويتية ـ العربية، على مدى نصف قرن، صوتاً حراً لعروبة ذات محتوى ديمقراطي، وطني وشعبي ومستنير، مدافعة عن حرية الفكر والتعبير والاعتقاد وحقوق الكادحين، وعن التعدد والتغيير.

وتعرَّضت هذه القيم كافة لانتكاسة كبيرة، بعد أن قام صدام حسين بغزو الكويت، لادعاءات زائفة، وهو ما ترك جروحاً غائرة في قلوب العرب، وبعد عقد واحد من هذا العمل الأخرق، سقط المعسكر الاشتراكي، وكأن غزو الكويت كان إيذانا بهذا السقوط، وتمهيداً له ولهيمنة الإمبريالية الأميركية والاحتكارات على مصير العالم.

وتعرَّضت حركة التحرر العربي والعالمي لهزيمة كبرى، لاتزال آثارها تفعل فعلها في مسيرة الإنسانية نحو الانعتاق من نير الظلم والاستغلال، لكن شعوب العالم، وفي القلب منها الشعوب العربية، أخذت تسترد عافيتها، وهي تسلك دروباً جديدة نحو الحرية والعدالة والعيش الكريم.

وانفجرت الانتفاضات والثورات في أكثر من بلد عربي ضد الفساد والاستبداد والتبعية، وتصارعت قوى العالم القديم مع الجديد البازغ، مستهدفة عودة التاريخ للوراء، ووقفت لها اليقظة الشعبية بالمرصاد، وما أحوج هذه اليقظة، من أجل التحرر والكرامة إلى أكثر من منبر مثل «الطليعة».

فمن المفارقات الساخرة، أن تكون «الطليعة» مهدَّدة بالإغلاق في هذا الوقت بالذات، الذي تسترد فيه حركة التحرر العربي عافيتها في السياق الجديد للتطور الإقليمي والعالمي، وأياً كانت الأسباب التي أدَّت إلى هذا الوضع المؤسف ـ أي الإغلاق ـ فإن الساسة والمثقفين المستنيرين، كويتيين كانوا أو عربا، مدعوون جميعا للتضامن، دفاعا عن «الطليعة»، والحيلولة دون إغلاقها، لأنها صوت لا يجوز إسكاته، فضلا عن أننا في حاجة للمزيد من المنابر الحرة والديمقراطية، إذ تشتد معركة الأفكار في هذه المرحلة من التاريخ العربي والعالمي، وتنمو كالفطر مؤسسات تزييف الوعي ومنابره، وتزييف الوعي هو السلاح الأشد فتكاً في واحدة من المعارك الأخيرة للعالم القديم بعنصريته ووحشيته التي تزداد عنفاً، كلما لاحت بشائر الفجر الجديد للبشرية.

«الطليعة» المجلة.. الطليعة النخبة

معن بشور
الأمين العام السابق للمؤتمر القومي العربي:

في ستينات القرن الماضي، كنا على مقاعد الدراسة بالجامعة الأميركية في بيروت، حيث بدأت أتصفح أعداداً من مجلة الطليعة الكويتية، كان يحملها لي زملاء من الكويت، أبرزهم أ.أحمد النفيسي، الذي كان بدوره مميَّزاً في حضوره، حميماً في صداقاته، رصيناً في حواراته.

وأهمية «الطليعة»، آنذاك، كانت مزدوجة..
أولاً، لأنها منبر قومي عربي في «الخليج»، فيما كانت أنظارنا جميعاً مشدودة يومها إلى «المحيط»، حيث ثورة الجزائر وانتصارها، والحركة الوطنية المغربية ورموزها، واستقلاليو تونس يناضلون لصون عروبتها.

وثانياً، لأنها كانت تضم أقلاماً صريحة في التزامها القومي، رصينة في إدائها الإعلامي، كثيراً ما كانت تغرّد خارج سربها.

أذكر أنني يومها سألت أستاذنا الراحل الكبير منح الصلح عن أهل «الطليعة»، وفي المقدمة منهم صديقه وزميل الدراسة د.أحمد الخطيب، وكان جوابه صارماً واضحاً، «إنه وإخوانه من أنبل المناضلين وأصدق القوميين.. ورغم أننا كنا نختلف أحياناً معهم في تفاصيل السياسة العربية، لكننا لم نختلف لحظة حول صدقهم وإخلاصهم واندفاعهم القومي».
ولم يمرّ وقت طويل، حتى اكتشفت أن «الطليعة»، التي صدرت أوائل ستينات القرن العشرين، كانت أكثر من منبر جريء، وصحيفة أسبوعية، بل كانت أيضاً محركاً لتيار شعبي وثقافي، عروبي في أفقه، إصلاحي في مطالبه، دستوري في تطلعاته، تقدمي في توجهاته، شجاع في مواجهاته، متجذر بين أبناء شعبه، ديمقراطي في أدائه، واضح في مواقفه.

بدأت من حينها أتابع «الطليعة»، من خلال أهلها، أكثر مما كنت أتابعها من خلال إصداراتها، بل من حينها، بدأت أتابع الأوضاع السياسية في الكويت، من خلال متابعتي لحركة مَن كانوا يوماً من مؤسسي حركة القوميين العرب وقادتها، بل كنت أشعر أن جزءاً من الهامش الديمقراطي الذي كانت تعيشه الكويت، من خلال برلمان منتخب كان بفضل هؤلاء القادة المؤسسين لـ«الطليعة»، الذين لم تكن تنقصهم الجرأة والشجاعة حين تحتاجهما الأوضاع، كما لم تكن تنقصهم الحكمة، حين يقتضي الموقف حكمة.
وقد أتيح لي أن أتعرف، شخصياً، في أواخر ثمانينات القرن الفائت على أولئك، الذين كنا نتابع نجاحهم أو فشلهم في أي دورة انتخابية، كما كنا نتابع مقالاتهم ومواقفهم ومبادراتهم، فأحسست مثلاً، أن في الراحل الغالي الرائع جاسم القطامي شهامة وترفعاً وأريحية وروحاً قومية متدفقة قادرة على تجاوز أقسى المرارات (وما أكثرها عند أهل الكويت)، وأن في المناضل والمثقف عبدالله النيباري من الشجاعة والصلابة ما يجعله محط احترام القريب والبعيد، الصديق والخصم في آن، كما أن في المثقف الذي رحل باكراً د.أحمد الربعي (رحمه الله) من الكفاءة والبراعة ما يغطي بعض تسرعه أحياناً، وانفعالاته الصادقة في بعض الظروف.

ورغم أنني لم أتعرَّف شخصياً على الراحل الكبير سامي المنيس، وإخوانه الآخرين، لكنني كنت أسمع عنهم ممن كان يعرفهم، وبينهم بعض مَن كانوا على خلاف معهم، كالنائب البعثي الشهيد فيصل الصانع، ما ترك لهم في قلبي حيزاً كبيراً من الاحترام والتقدير.

وتذكرت في كل هذه المحطات كلمات منح الصلح «أن هؤلاء من أنبل الرجال»، ولم تغيّر الأيام من هذه الصورة الجميلة، حتى حين كنت أجد نفسي في موقف متباين مع بعضهم، مدركاً أن ما مر به الأشقاء الكويتيون من مرارة يتطلب من الآخرين أن يتفهموه ويقدروه، وإلاّ ما هو معنى الأخوة.

لذلك، حين صدر الحكم القضائي بتصفية صحيفة «الطليعة»، إثر صرخة وجع أطلقها الصديق المناضل البحراني عبدالنبي العكري (أبومنصور)، ثم استفسرت من الأخ الكاتب الشاب الواعد أحمد الجاسم، ومن الشاب بدر النجار، من وجوه الجيل الجديد من القوميين العرب، وجدت نفسي منساقاً لأن أسجل ألمي، لتوقف جريدة كانت جزءاً من تشكّل وعيي ومخزون ذاكرتي، متمنياً على كل المعنيين بالأمر، أن يسهموا بإغلاق كل ثغرة تؤدي إلى إطفاء هذه المنارة المتألقة. نعم، لقد كانت «الطليعة» منارة العروبة في الكويت العزيزة، ومنبراً للديمقراطية والإصلاح فيها، وصوتاً تقدمياً لو جرى الاستماع إليه، لوفرنا على أنفسنا الكثير.

فتحية إلى «الطليعة» المجلة، وإلى الطليعة النخبة المستمرة في وجدان شعبها وذاكرة أمّتها.

إنه ليس حنيناً إلى ماضٍ جميل فقط، كما يظن البعض، بل هو أيضاً ثقة بمستقبل للكويت وللأمة، لا يمكن أن يكون إلا عروبياً ديمقراطياً تقدمياً.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *