الرئيسية » حبيب السنافي » حبيب السنافي : يهوديات (2-2)

حبيب السنافي : يهوديات (2-2)

حبيب السنافي
حبيب السنافي

هناك دراسات علمية بحثية جادة، مدعمة بوثائق تاريخية وحفريات أثرية، اكتشفت خلال السنوات الثلاثين الأخيرة، أثبتت أن كتاب التوراة كتاب أدبي وليس تاريخياً، وأن تاريخ المنطقة الذي تتحدث عنه التوراة لا يرتبط أو يعبّر عن الأحداث والوقائع التي طغت على المنطقة.

وأكدت أن النص التوراتي عبارة عن أدب خلاصي، يعبّر بأسلوب مجازي عن الصراع بين الخير والشر، والحق والباطل، وما عاناه الفرد في تلك الحقب من آثار النزاعات والصراعات والحروب، ولا تسرد أي واقع تاريخي لشعوب المنطقة.

فالاكتشافات الأثرية والحفريات المدفونة، فضحت كتاب التوراة، ونسبتهم لقصص وأساطير من الحضارات الرافدية خصوصاً، ومن الحضارة المصرية القديمة، إلى التوراة، بعد أن عالجوها بما يتلاءم مع رؤيتهم وطموحهم لتمجيد تاريخ قبيلتهم.

يستشهد توماس ل. طومسون، استاذ علم الآثار والمختص بالدراسات التوراتية، والمحاضر حاليا في كلية اللاهوت بجامعة كوبنهاغن، بتاريخ المنطقة من بلاد النهرين وضفتي النيل، حيث لم تترك لنا المصادر والوثائق التاريخية للمنطقة أي ذكر للشخصيات الإسرائيلية الواردة بالتوراة، بل إن نتائج الحفريات أثبتت أن حكايات التوراة تشبه كثيراً كتابات قديمة، قامت بجمعها التراثيات القصصية للعالم القديم، وأن إعادة تقديم التوراة لهذه الحكايات أكدت موروثية الحكايات لا حقيقتها كتاريخ لمنطقة فلسطين ومنطقة الشرق الأدنى، وبصورة مشوهة.

قدم كتبة التوراة إبراهيم على أنه الأب لسلسلة من الأنبياء والرسل، إسحق ويعقوب وإسماعيل ويوسف، وأن سلسلة الأنبياء استمرت في سلالة موسى التي تمر بيشوع وداود وسليمان، وأكدّ الباحثون في تنقيب آثار المنطقة، وأضناهم البحث لاكتشاف والتوصل لأي آثار تاريخية تدعم المزاعم الإسرائيلية، وذلك من خلال دراسة ومراجعة، والتدقيق بآلاف اللوحات الطينية، والتي حدد تاريخها بين 2600- 2300 قبل الميلاد، والتي تعبّر عن أعمال الحكام والنشاط الديني وتسجل الأعمال التجارية والصناعية، فلم يجدوا فيها أثراً أو ذكراً لشخصية إبراهيم أو اسم النمرود في أي وثيقة من هذه الوثائق الطينية، ومن خلال أي مرحلة من مراحل تاريخ تلك المنطقة.

إن الإيمان بالشخصيات الدينية شيء، وحقيقة وجودها التاريخي شيء آخر، يفترض جان بوتيرو في كتابه (بابل والكتاب المقدس)، أن احتمال الشخصية الإبراهيمية ونسلها النبوي وارد، ولكن هناك ضبابية في الأحداث التاريخية المصاحبة لها، لعدم تماسك الأحداث والوقائع، أو ثبوتها بالنص التاريخي.

وبالعودة للتاريخ المصري القديم الذي يعج بآلاف الوثائق التي تروي أحداث المنطقة ووصف الأحوال بها، فإنها تخلو تماماً – رغم تفاصيلها – من أي ذكر لشخصية يوسف، أو أي إشارة، ولو عابرة، لنبي أو قائد أو أمير باسم موسى، أو لصبي من بني إسرائيل، تبنته ابنة فرعون، أو لحادثة غرق فرعون بالنيل، أو أي رمز يشير لتحوُّل مياه النيل إلى دماء، كما ورد بالتوراة، وحتى «بني اسرائيل» لم يذكر لهم اسم سوى في لوح واحد سمي «لوحة إسرائيل»، وفيها جملة واحدة ذكرت إسرائيل (أما إسرائيل فقد محيت بؤرتها للأبد).

 إن شخصية كشخصية موسى التوراتي حاول العديد من الباحثين والمنقبين والمؤرخين فك سرها، فلم يفلحوا في كشف أصله أو تاريخ مولده ونشأته ومماته وتعاليمه وزمن خروجه من مصر، وعدد من كانوا معه حين الخروج من مصر وقصة عبوره البحر.

كما اعتبر العديد من الباحثين أن قصة إلقاء الطفل موسى باليم وحمل المياه له لقصر فرعون قصة مكررة من قصة سرجون البابلي.

وبالمقارنة، يلحظ الباحثون التشابه الدقيق والمريب بين ابتهالات الفرعون إخناتون وبين المزامير والأمثال التوراتية، وتتشابه السيرة الذاتية بين إخناتون وموسى التوراتي، حيث أقام كل منهما عند أقاربه في مدين في صحراء سيناء فترة من الزمن، إلى جانب زواج كل منهما من أجنبية، يعتقد بأنها في كلتا الحالتين «ميتانه» كما تتقارب خاتمتهما، حيث لم يعرف لحد الآن كيف ماتا، وأين دفنا، ولم يستطع العثور على قبريهما، ما أدَّى بعلماء الآثار للشك بوحدة الشخصيتين، وبالاعتقاد بأن شخصية موسى التوراتي هي نفسها الفرعون إخناتون.

كتبة التوراة أجادوا بتخيل أسباب لقضية السبي البابلي المزعوم، وحاولوا إيجاد منطلق لقضية محورية قومية تربطهم كشعب عرقي بأواصر دينية بأرض موعودة إلهياً، تحت عباءة الإله «يهوه».

ونسجوا ماضيا يربط أفراده ويوجههم بخيالات وإيهامات نحو ضرورة إقامة كيان قومي لم تدعم وجوده التاريخي شواهد الآثار وعمليات التنقيب الأثرية.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *