الرئيسية » قضايا وآراء » محمد الشحري : المواطن الخليجي وقيمة الولاء

محمد الشحري : المواطن الخليجي وقيمة الولاء

محمد الشحري
محمد الشحري

يجد المواطن الخليجي نفسه بين ولاءين، ولاء للوطن، وولاء لولي الأمر.. وأيهما أولى بالولاء؛ الوطن أم ولي الأمر؟

فخلال العقود الماضية، وظفت معظم الأنظمة الخليجية إمكاناتها المادية والمعنوية لترسيخ الولاء لولي الأمر، سواء الملك أو السلطان أو الأمير، وقدمته قبل الوطن وقبل الدولة في كثير من الأحيان، وعندما وجدت هذه الأنظمة أنها جزء من منظومة عالمية تشمل الأمم المتحدة والعديد من المنظمات الدولية، حاولت، ولو بقدر يسير، أن تقدم نفسها للعالم على أنها دول تقوم على المؤسسات والقانون والولاء فيها للدولة، فأقامت مجالس شورى صورية معينة من قِبل ولي الأمر، لا هدف من ورائها إلا الترويج للعالم الخارجي، الذي قد لا يعلم الخلفية الحقيقية لهذه المجالس، كما أصدر بعض الحكام مواد قانونية مفصلة وفق الحاجة، وسميت بالقوانين الأساسية، تخرقها بعض الأجهزة بدلا من أن تحميها.

أما في الداخل، فإن الأمر مختلف تماما لما تبدو عليه الصورة الخارجية، حيث لا تمارس المجالس المعينة أي دور تشريعي أو رقابي على أداء السلطات، بل تتخذه الأخيرة ورقة لتبرير أعمالها.

وفي الداخل أيضا، فإن دولة المؤسسات والقانون تتلوَّن وفق حجم المشكلة التي تواجهها، حيث توجد معظم السلطات الثلاث في أيدي ولاة الأمر، الذين يتفردون باتخاذ القرار من دون الرجوع إلى المجالس المعينة، ولا حتى مشاورتها، ومن هنا ارتبط الولاء بولي الأمر، الحريص على راحة المواطن، الساهر على تلبية حاجات الشعب، وهي شعارات ما انفكت الأجهزة الإعلامية الرسمية عن رفعها، فصار افتتاح المدرسة ورصف الشارع وتوظيف المواطن من حرص ولي الأمر ونظرته الثاقبة، وفي مقابل إشادة الأقلام القريبة من البلاط والعائشة على الأجر المدفوع بحرص الولي الأمر وتضمينها رفع الولاء والعرفان، لا نجد من يسأل أو يتساءل عن الأموال التي يأمر بصرفها ولي الأمر، كذلك لا أحد يتحدَّث عن أن بناء المدرسة والمستشفى وتعليم المواطن وتوظيفه هي من مسؤوليات الحكومة الملزمة بتوفيرها لمواطنيها.

لكن، هل تغني الحقوق المادية، من تعليم ورعاية صحية، عن الحقوق الأساسية، مثل حق الرأي والتعبير وحق التجمُّع السلمي وحق تكوين الجمعيات؟

إذا كان البعض يعتقد بأن راحة المواطن مقتصرة على الراتب وعلى السكن وعلى الوظيفة والأكل والشرب، فأعتقد بأن من يسعى لذلك لا يريد مواطنين فاعلين قادرين على الإنتاج وعلى تطوير وتنمية بلدانهم، بقدر ما هو راغب في تسمين وتعليف وترويض كائنات بشرية في مكان جغرافي لا يحق لهم إبداء الرأي أو تقرير مصيرهم، وهنا تنتفي صفة الوطن عن الدولة، وتصبح مزرعة لعائلة تديرها مجموعة من الأولياء، لذلك، يجب على الرعية أن تتلمس طريقها نحو المواطنة والرغبة في المشاركة، ليس في تقسيم الثروات فحسب، بل تحمل المسؤولية تجاه الذات أولا، ونحو الوطن ثانيا.

لقد فشلت بعض الأنظمة الخليجية في ترسيخ مفهوم المواطنة بين مواطنيها وحاملي جنسيتها، والأمرّ من ذلك أن بعض السلطات في دول الخليج سمحت لبعض مؤسساتها الإساءة إلى مواطنيها المنحدرين من أعراق معينة، أو المعتنقين لمذاهب غير المذهب الذي يعتنقه ولي الأمر، من دون أن تجد الجهات التي تسيء إلى مواطنيها رادع أو مانع قانوني أو أخلاقي من مؤسسات الدولة التي من المفروض أن تعمل على ترسيخ الوحدة الوطنية التي كان من المفترض أن تكون البوتقة التي تذوب فيها الولاءات القبلية والمذهبية والمناطقية، وتتشكل بعد الذوبان أيقونة المواطنة، التي تعد المحك لكل الولاءات، التي تعمل على نهضة المجتمع وتماسكه، أو على الأقل تحترم الولاءات بعضها البعض، وهنا يقول الفيلسوف الأميركي جوزايا رويس (1855 – 1916) في كتابه «فلسفة الولاء»، الذي ترجمه للعربية أحمد الأنصاري، عن المشروع القومي للترجمة التابعة للمجلس الأعلى للثقافة في مصر، «إذا كانت فلسفة الولاء تحقق الانسجام بين الولاءات وترفض التعدي على ولاءات الآخرين، فسلوك الولاء يجمع بين أصحابه ويوحد بينهم، وخاصة عندما يكون ولاؤهم ولاء لقضية الولاء للولاء، أي إذا سعى كل فرد للتفاني في خدمة القضية التي يخلص لها لحقق هذا التفاني الوحدة بين الناس، ولأن من شروط القضية الجديرة بالولاء، مشاركة أكبر عدد من الأفراد فيها، وخدمتها لغاية اجتماعية عامة، فالولاء طريق الوحدة الوطنية، وفي المقابل لا يعني الولاء الموالاة أو الخضوع الأعمى للسلطة أو للقضية».

لقد تغيَّرت الظروف الدولية والأسباب التي توجت الأسر الحاكمة في الخليج على عروش المُلك، وأصبحت لغة الألفية الثالثة هي لغة الحقوق والواجبات والمشاركة، وتغيَّرت نغمة الملكية المطلقة، وقد آن الأوان للشعوب الخليجية أن تتهيأ للمطالبة باستحقاقاتها للمرحلة المقبلة.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *