الرئيسية » حبيب السنافي » حبيب السنافي : السيادة بين القضاء والسلطة

حبيب السنافي : السيادة بين القضاء والسلطة

حبيب السنافي
حبيب السنافي

تاريخياً، اتبعت القبائل الرعوية في تطبيق قوانينها البدائية أسلوبا مجحفا بحق رعاياها – حال ارتكابهم ما يخالف أعراف القبيلة وعاداتها ومعتقداتها – بأن تأمر مرتكب الجريرة، بمغادرة تجمعها ونفيه لخارج مضاربها، فيغدو دخيلاً، يوالي القبائل المجاورة لتضمه إليها، ليكتسب هوية جديدة، باحتضان وإجارة التجمع القبلي الآخر له، يبني عليها كيانه الاجتماعي المسلوب.

لم تستمر تلك الحال للأبد، فاليوم استقلت الدول، وحجزت أراضيها بحدود مرسومة موثقة، ومنحت مواطنيها وثائق الجنسية، التي تثبت انتماء المواطن لها، ومن دون تلك الوثائق، يمسي المواطن هائماً في أرضه، غريباً بين أهله.

ولأن دولنا – كما يبدو – لم تزل تفكر بعقلية شورى مجلس القبيلة، الذي خصَّ لنفسه حق تقرير مصالح أبناء القبيلة/ الشعب، فقد قررت حكوماتنا، أن تهب لنفسها قرار تحديد الانتماء أو اللاانتماء لرعاياها، متى ما أعلنوا العصيان أو البوح بمعارضتهم، فتقرر بمراسيمها، سحب جناسيهم أو إلغاؤها أو إسقاطها.
من المهم سن قوانين وتفعيلها، لصون أمن البلاد وحفظ استقرارها وإثبات الحقوق والاضطلاع بالواجبات، والأهم من ذلك، تأمين وجود قضاء مستقل، لتأمين كرامة المواطنين، وضمان نيل حقوقهم، متى ما تمادت الحكومة في غيها، بسلب وانتهاك حرياتهم وهوياتهم، تحت مسمى أعمال السيادة، تلك النظرية الغامضة والمنتقصة للحقوق الإنسانية التي تنص عليها كل المعاهدات الدولية، على مختلف مسمياتها، حاثةً على رعايتها وصونها للبشرية جمعاء.

السلطة السياسية عليها ألا تلجأ للاستبداد والإجحاف بحق القوى السياسية والمواطنين المعترضين على سياساتها وأدائها، ولجوئها لمراسيم سحب الجناسي يخدش شرعيتها الدستورية، كملاذ وحصن للحريات والحقوق.. ولولا فسحة الحرية المتاحة، لما أمكننا من توصيل مطالبنا ونداءاتنا لأصحاب الشأن، ولما استقرت الكويت طيلة ثلاثة قرون، رغم الشدائد والمحن.
تبرير سحب الجناسي، تحت بند حفظ المصالح العليا للدولة، غير مستساغ، والرأي الأرجح، أن تعريض أمن البلد ونظامه للخطر يستحق أن يقدم متهموه لساحة العدالة وتقضي بإدانتهم أو البراءة.. وإلا، فمن غير المنطقي أن تحتكر السلطة تبني القوانين بشتى الوسائل، وتتولى تفسيرها وتهيئ ظروف تطبيقها، وفق إرادتها وتوجهاتها.

من المحاذير استغلال السلطة لنظرية أعمال السيادة السياسية، كسلاح حكومي في مواجهة رقابة السلطة القضائية، التي يستدعي مبدأ العدالة والفصل بين السلطات – كما نص الدستور- أن يُضمن لها الحق في الفصل بالمنازعات بين السلطة والأفراد، وعدم تمكين السلطة من التفرد بقراراتها، إن شذت عن روح الدستور ونصوص القانون، فالقضاة هم الأقدر على تكييف أعمال السيادة، لتتماهى مع الأوضاع السياسية الآنية، بما لا يتعارض مع استتباب الأمان واستقامة العدالة وتوافر الحريات، مع إبقاء قنوات الحوار بين السلطة والشعب سالكة بالنقاش والحوار البناء.

في الخاتمة، تبقى الأنظار مترقبة لجلسة 20 يناير المقبل وما بعدها، للنطق بحكم محكمة التمييز في قضية سحب جنسية أحمد الجبر الشمري.. فإما أن يؤيد القضاء الحكم المستأنف، وإما أن يشرّع للعدالة فصلا جديدا في مواجهة استبداد السلطة تحت مسمى أعمال السيادة.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *