الرئيسية » قضايا وآراء » ماجد الشيخ : حين تواصل المفاوضات تكريس أزمة المشروع الوطني الفلسطيني

ماجد الشيخ : حين تواصل المفاوضات تكريس أزمة المشروع الوطني الفلسطيني

ماجد الشيخ كلما اصطدمت المفاوضات الإسرائيلية – الفلسطينية بجدران الفشل أو الإفشال المتعمد لجولاتها، حتى تلك المدعومة أميركياً، تمظهرت وتبلورت أكثر أزمة المشروع الوطني الفلسطيني، وأزمة القيادة التاريخية لحركة التحرر الوطني وهرم شخوصها، وفقدانهم «كاريزما» ليس القيادة فحسب، بل و«كاريزما» السياسة البرامجية الواضحة، تلك التي ما برحت تغيب تدريجيا، حتى أصبحت تماثل ما تشهده بلدان الأنظمة التوتاليتارية بطغيان استبدادييها، وإقامتهم الدائمة على صدور مواطنيها وعلى الضد من إراداتهم.

هكذا، وبعد أكثر من عشرين عاما من عملية تفاوضية معقدة، ما برحت المفاوضات الإسرائيلية – الفلسطينية تواجه استعصاء مزمنا، باتت معه جولاتها المتباعدة، توصف بأنها عبثية، أو أنها لن تنتج ما يمكن أن يحقق نجاحا لجوهر العملية التفاوضية، طالما لم يقدم الفلسطينيون «تنازلات جوهرية» باتت أكثر استعصاء، في ظل معطيات الوضع الوطني الفلسطيني، ومعطيات الواقع الاستيطاني الآخذ أبعادا إستراتيجية استحالت وستستحيل معها قيام الدولتين، وخصوصا في إطار حدود العام 1967. فـ «التنازلات جوهرية»، هي وفق المفهوم الاسرائيلي اقتطاع أجزاء واسعة من الضفة الغربية، بما فيها القدس والأغوار تحت دواعٍ عدة، وخاصة أمن إسرائيل المزعوم، كغطاء للتوسع والإبقاء على الاحتلال.

مواقف متناقضة

يجري كل هذا، في ظل تصريحات ومواقف متعارضة، تصدر من بعض المسؤولين الإسرائيليين بشأن المفاوضات، وكان ذلك واضحاً من خلال حديث رئيسة وفد المفاوضات الإسرائيلي، تسيبي ليفني، التي أشارت فيه إلى أن المفاوضات تستوجب أكثر من 9 أشهر، وهذا مخالف لما تم الاتفاق عليه، إضافة إلى حديث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أنه لا يريد أي تقدم في هذه المفاوضات من دون اعتراف فلسطيني بيهودية الدولة.

كيف يمكن التوفيق كذلك، بين استمرار المفاوضات والحديث عن أرض إسرائيل؟ من قبيل ما نقلته القناة السابعة الإسرائيلية عن وزير الإسكان في الحكومة الإسرائيلية، أوري أرئيل: «نحن في أرض إسرائيل، ونرفض قيام دولة أخرى على حدود 67، فدولة إسرائيل لها حدود تمتد من نهر الأردن حتى الحدود الغربية، دولة واحدة، ذات سيادة واحدة وهي دولة إسرائيل».

المواقف الإسرائيلية المسبقة والمتناقضة، لم تقدم للمفاوضات ما يمكن أن يعد تقدما في جولاتها المتتالية الفصول، الأمر الذي بات يقربنا أكثر من مرحلة انهيار المفاوضات، في الوقت الذي لا يملك الجانب الفلسطيني من خيارات ممكنة، سوى خيار التوجه إلى مؤسسات الأمم المتحدة، علها «تشيل الزير من البير» كما يقول المثل الشعبي.

 لكن الأهم في هذا المجال، هو ما لاحظته صحيفة «هآرتس» أخيرا، من «أن نتنياهو، وبعد خطابه الأول أمام جامعة بار إيلان، عاد أكثر تطرفاً في خطابه الأخير، حين أعاد التأكيد على أنه «من دون اعتراف الفلسطينيين بيهودية الدولة، وبالتنازل عن حق العودة، فلن يكون هناك سلام معهم».. وعليه، فنحن بحاجة إلى ترتيبات أمنية قوية». وبالتالي، لا أهمية لقيام دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل.
يحاول نتنياهو هنا إعادة التصويب على جذر الصراع على فلسطين، منطلقا من أن الصراع الحقيقي بدأ في العام 1921 «عندما هاجم الفلسطينيون المهاجرين اليهود في يافا، فهذا الاعتداء لم يكن لا على المناطق ولا على المستوطنات، بل كان ضد هجرة اليهود إلى أرض إسرائيل»، لينسى أو يتناسى أن حقائق الصراع لا يمكن تجاهلها أو نسيانها بسهولة، فالهجمات الفلسطينية هي حق مشروع تماما ضد من جاء يستوطن الأرض، ويشرد شعبا ويسطو على هوية وطن يزعمه لنفسه.

تعنت الجانبين.. ولا نتائج

وأخيراً، نقلت صحيفة «معاريف» عن رئيس جهاز الأمن العام (الشاباك) السابق، عامي أيالون، أمام مؤتمر عن السلام في مدينة القدس قوله إن «المفاوضات المباشرة القائمة حالياً بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، لم تحقق نتائج إلى الآن، بل لم تساعد على بناء الثقة وتقليل الفجوات بين الأطراف المتفاوضة». وإذا استمرت على هذا الحال خلال الأيام المقبلة، فإن النتائج ستكون صفراً.

أما بالنسبة لدور الولايات المتحدة الأميركية في المفاوضات الجارية كوسيط بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، فوفق أيالون، فإنه بدأ يتراجع بسبب تعنت الجانبين أمام كثير من القضايا.

وعلى العموم، فإن دور الولايات المتحدة بدأ يتراجع على مستوى المنطقة، إذ لا يمكنها فرض رؤيتها في هذه المرحلة على الأطراف جميعها.

ماذا يريد الإسرائيليون، إذن، من مفاوضات غالبا ما باتت توصف من قبل الطرفين بأنها عبثية؟ إنهم يريدون تكريس الأمر الواقع والمحافظة على استاتيك الحكم الذاتي القائم اليوم باسم السلطة الفلسطينية، في مناطق لا سيادة للفلسطينيين عليها سوى بالشكل ليس إلا.

أما الفلسطينيون، فعلى الرغم من مرور عشرين عاما على اتفاق أوسلو، فإنهم لايزالون يحلمون بتجسيد دولة لهم على أرض تتناقص يوميا وتنحسر وتتسرب من بين أيديهم، بفعل الاستيطان والمصادرة ومحاولات التهويد الدؤوبة ليس في الضفة الغربية فقط، بل وفي القدس كذلك.

وعلى الرغم من ذلك، يذهب بعض وزراء نتنياهو، وبعد عشرين عاما، إلى حد المطالبة بإلغاء اتفاق أوسلو، والإبقاء على ما كرَّسه هذا الاتفاق من وضع لا يجد الإسرائيليون مبرراً للتفاوض في شأنه، طالما هو يحقق لهم تكريس أمر واقع الاستيطان من جهة، واستمرار استاتيك الاستعصاء من جهة أخرى، وهذا وضع مناسب للإسرائيليين تماما، وهو يناقض ويعادي تطلعات الفلسطينيين لإقامة دولة لهم في حدود العام 1967، بل صار الحلم بدولة سيادية بعيد المنال، في ظل الوقائع الاستيطانية، وتقلب نظام الحكم في إسرائيل وتداوله بين يمين استيطاني متطرف ويمين أكثر تطرفا، وعجز فلسطيني عن ابتكار طرائق كفاحية تعيد القضية الوطنية إلى موقعها الرئيس، كقضية تحرر وطني لا كمسألة أو مسائل عقارية يجري تجزئتها والمساومة عليها بالقطعة، من قبيل مسألة «تبادل أراض» يرفض أصحابها في كامل فلسطين التاريخية وضعهم موضع بيع وشراء.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *