الرئيسية » ثقافة » عبدالرحيم الخصار: أنا من النوع الذي يحب التشبث بأوهامه!

عبدالرحيم الخصار: أنا من النوع الذي يحب التشبث بأوهامه!

عبدالرحيم الخصارحوار هدى أشكناني:
أن تلتقي شاعرا مغربيا في أمسية شعرية تنظمها إحدى الجهات الثقافية في الكويت، فذلك أمر اعتيادي، لكن أن تنشأ بينك وبينه صداقة كبيرة، فهو أمر غريب بعض الشيء.

كيف لأمسية شعرية ولقاء عابر أن يفتح الأفق لصداقة فكرية وأدبية رائعة، لها أن تزيل الحجب عن بعض المظاهر المختلفة حولنا؟

ضيفنا الشاعر المغربي الصديق عبدالرحيم الخصار. صُنف بأنه شاعر الشباب الأول، كتب عنه الشاعر الكبير وديع سعادة، أنه اسمٌ سيبقى خالداً في الذاكرة. تحدثنا عن العالم والحياة، الإنسان والزمن وأشياء أخرى.. إليكم تفاصيل اللقاء:

● تقول: «العالم ليس مجرَّد وجهة وحيدة» وتصفه بأنه «خراب ويتفتح فيه الورد».. ما علاقتك بالعالم الآخر؟
– أنا جزء من هذا العالم، لكنه ليس العالم الذي قرأنا عنه في طفولتنا، العالم الذي أحببناه وعرفناه ملون ومن دون حدود، ومن دون أحقاد وقتلى.

تعرفين أن الشاعر يحاول أن يتشبث ما أمكن ببراءته القديمة، رغم احتداد شراسة العالم.. وهذا يبدو صعبا للغاية، لذلك أتفهم ما يصل إليه الشعراء من حالة يأس وانطواء قد تقود أحيانا إلى الرغبة في الخروج المبكر من هذا العالم. لكن الحياة جميلة، أنا أقول هذه العبارة دائما، كأنما أريد أن أزيح الضباب الكثير الذي يحول بيني وبين الجَمال.

الهوية والظلال

● تذكر «الأمازيغية» في مواضع مختلفة، الهوية والانتماء.. هل هي مفاهيم مازالت قائمة حتى الآن، في ظل ما يحدث في العالم. أم أن مصيرها النسيان؟
– جدي جاء من جبال الأمازيغ قبل ما يقارب التسعين سنة، هاربا من الجفاف. جاء شابا وتزوج امرأة ستصير في ما بعد جدتي.. لقد تحدثتُ عن هذه الحكاية في نص لي عنوانه «الأمازيغي» منشور ضمن المجموعة الشعرية الثانية «أنظر وأكتفي بالنظر»، وفي هذه المجموعة الجديدة (بيت بعيد) أشير إلى هذه الحكاية من نافذة أخرى. هناك أشياء يصعب أن نتخلى عنها. أنا أنظر إلى كلمة الهوية بجدية كبيرة، حين نتخلى عن مثل هذه الكلمة سنصير ظلالا فحسب لكائنات أخرى. لا أحب أن أكون ظلا لأحد. لكن الهوية التي أتحدث عنها في عدد من قصائدي، هي هوية فردية بالأساس، لكنها تتقاطع في الآن ذاته مع أشياء أخرى ذات طبيعة جماعية. لا ترتبط الهوية بالانتماء الجغرافي والديني واللغوي فحسب، إنها بالنسبة لي ترتبط أيضا بالانتماء الفني والمزاج الفردي وطريقة النظر إلى ما يحيط بنا، وأسلوب العيش الذي يتشكل لدى كل فرد بعد سنوات من احتكاكه مع الكائنات والأمكنة، ربما لهذا أؤمن بأن الهوية تُكتسب وتتشكل بعد سنوات من العيش، ولا تُمنح قسرا للفرد فقط، لأنه ولد في مكان ما، ولأن اسمه موضوع على لائحة الولادات التي يدونها موظف هرم في مكتب مهمل.

● العائلة والطبيعة.. ما المفاهيم الأساسية التي تشكلها في حياتك؟
– لقد ولدتُ في البادية، لكنني تدحرجت منها صغيرا، في عامي الثالث، لذلك لا تحضر في ذاكرتي سوى بعض الصور القليلة عن الطبيعة هناك وعن العائلة.

لعلك تقصدين نص «أمامنا الجميع، وخلفنا لا أحد». هذا النص يتحدث عن تلك المرحلة، ويعيد ترتيب الأفراد غصنا غصنا في شجرة العائلة. لكن أكثر العناصر غرابة هو والدي، وأنا مدين له بالكتابة إلى حد كبير. لقد تعلمت منه كيف أطرح الأسئلة، وكيف أحدق في الأشياء والظواهر لأفهم، تعلمت منه كيف أطرح الأسئلة، لأنه لم يكن يطرحها. كان مستعدا على الدوام لتقديم الأجوبة، ولتقديم كل ما لديه، في سبيل أن يكون الآخر راضيا. إنه يشبه القبطان الذي يهمه أن تبقى كأس الشاي ساخنة في يديه، ولا يهمه أن تغرق السفينة التي تحمل صناديق الذهب، وقد أغرَقها.

سفينة الكتابة

● هل ثمة علاقة بين الفلسفة والشعر؟
– نعم، الشاعر والفيلسوف روحان حلّتا بدنا. الفلسفة الفردية هي المقود الخشبي المتين الذي يدير سفينة الكتابة.. أعتقد بأن كل شاعر كبير يسكنه فيلسوف كبير، فيلسوف غير معني بالأفكار والنظريات التي تنتجها الكتب، بقدر ما هو معني بالأفكار التي نبت لها الريش في حدائقه الداخلية.

● يقول كلوبستوك «كتابة الشعر هي اعتراف» إلى أي مدى تتفق مع هذا القول؟
– إنه اعتراف مغلف بالاستعارات والتشابيه، في نصوصي يحضر هذا النوع من الصدق الممزوج بشيء من السذاجة أيضا. إنني تقريبا أقول كل شيء، لقد وضعت حياتي على الورق. لنقل وضعت روحها، وغلفت هذه الروح بالشعر. ما يبدو في الظاهر شعرا ما هو في العمق إلا ترجمة لما عشته. إنني بعبارة أخرى أكتب سيرتي وسيرة الأشياء القريبة مني.

سر الحزن

● وجَّه البياتي تساؤلات عدة حول الحزن والألم الذي يعتري الشعر فيقول «أقرب وجهي من وطن الشعر.. أرى آلاف التعساء والمنبوذين وراء الأسوار الحجرية.. لماذا يا أبت صمت الإنسان؟».. وهو ما يجرني لتساؤل شبيه، ما السر وراء الحزن المتشعب في معظم النصوص العظيمة التي يكتبها عمالقة الشعر؟ هل تعتقد بأن الحزن وجه آخر للشعر؟
– لم يحدث أن صادفت شاعرا سعيدا بشكل كبير في حياته، الشعراء الأكثر حزنا في التاريخ هم الأكثر تأثيرا فينا، ربما لأننا في غالبيتنا كائنات تميل إلى الحزن، بل وتجد فيه شيئا من الدفء. لذلك، ستجدينني مفتونا بجملة جان جينيه «ما من مصدر آخر للجمال غير تلك الجراح المتفردة، المختلفة بالنسبة لكل واحد، المخفية أو الظاهرة التي يكنها كل إنسان في نفسه ويحفظها في داخله ويرتد إليها حينما يريد مغادرة العالم إلى عزلة مؤقتة وعميقة»، لكن الشاعر في كل الأحوال لا ينقل إلينا حزنه فحسب، بل كل الأحزان الخارجية التي تسرَّبت إلى ذاته، أحزان الآخرين أيضا تصل إلى قلوب الشعراء، وبالتالي إلى أقلامهم.

● كيف تقيّم المشهد العربي الآن؟ برأيك شعوبنا العربية قادرة على ترسيخ أفكار كبيرة كالديمقراطية، الحرية، المساواة؟
في الحقيقة، ترعبني كلمة «الشعب العربي»، فما بالك حين تصير «الشعوب»؟! لم أعد أؤمن كثيرا بكلمة شعب، وأعتقد بأن ما وقع ويقع في العالم العربي خلال السنوات الأخيرة سيزيد من عدم إيماني. البلدان التي ننتمي إليها وتجمعها اللغة والدين في الغالب تحتاج إلى ثورات كبرى ليس في الشوارع، بل على مستوى التربية. لا أعرف من سيربي الأجيال القادمة، وكيف سيربيها. أعتقد بأن التاريخ هو العنصر الوحيد الذي يفعل فعلته في البلدان العربية. عدا ذلك، فلا شيء يستطيع أن يغير كل هذه القرون التي تراكمت.

جوهر الإنسان

● اليوم، وفي ظل الحروب والمشاكل السياسية القائمة، كيف يفسر مفهوم «الإنسان»؟
– الإنسان هو الإنسان منذ الأزل وإلى الأبد.. صحيح أن الحروب تغيره، لكن الحروب بدأت منذ السنوات الأولى على كوكب الأرض، حين حمل قابيل صخرة وقتل أخاه، الصخرة تحوَّلت مع الزمن إلى سيف، ثم بندقية، فقنبلة وصاروخ وسلاح كيماوي. وعلى الرغم من كل ذلك، مازلت أؤمن بما قاله كارل ماركس في واحدة من أهم جمله «الإنسان أثمن رأسمال في الوجود».. وسيبقى الإنسان كذلك أغلى شيء على هذا الكوكب بكل أخطائه.

● عنوان المجموعة «بيت بعيد» المسافة هل لها أن تكون عائقا في نيل الطمأنينة والسعادة التي نبحث عنها؟
– لعل في سؤالك هذا الكثير من الإحساس بروح العمل، البيت البعيد لعله المكان الذي يحلم به الشاعر، المكان الجغرافي ربما، لكن المكان الرمزي بالأساس. وهذا هو الأهم بالنسبة لي. أنت وقفت عند الأمر بشكل عميق، لأنك شاعرة. حين تختار أن تترك مسافة كافية بينك وبين الكثير من الأشياء على هذا الكوكب تعتقد بذلك بأنك ستنجو، وحين تصل إلى هذا البيت، تكتشف أن فكرتك كانت واهمة. لكن على الرغم من ذلك، فأنا من النوع الذي يحب التشبث بأوهامه.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *