الرئيسية » حبيب السنافي » حبيب السنافي : ابدأ بالشك

حبيب السنافي : ابدأ بالشك

حبيب السنافي
حبيب السنافي

لا يوجد امرؤ ما لم يمر يوماً بحالة من الشك – الشك حالة ذهنية بين الإثبات والنفي، الشك بتصرفات الأشخاص ونياتهم، الشك في فهمه وتفسيره لأحوال المجتمع المتقلبة، الشك في الحقائق التي يستوعبها، المعتقدات التي يعتنقها، صوابها أو خطؤها، وذلك ما يؤكد حيوية غريزة الشك وتجذرها في الطبع الإنساني.

مع كل كشف علمي جديد، يبدأ العلماء في الشك من جديد بمعارفهم ومناهجهم، التي تزودهم بالمتقدم، مع كل تجديد وتطوير فيها، ويأخذ الشك دوره في تحفيز ملكة البحث والدراسة والاستقصاء، والكشف عن مصادر  أحدث للمعرفة وآلياتها.. وبالمحصلة، هو دافع إيجابي للتطور والنهوض الحضاري.

قد يكون من الهيّن تصحيح الأخطاء، وتقويم النتائج، باستمرار ويسر وسعة أفق عند تطوير المناهج، وبلا حرج، حينما يتعلق الأمر بمناهج الاكتشافات والاختراعات العلمية، بينما يحوم الشك المعاكس، ويقترب من حافة التحريم والتكفير عند مقاربة الشك المنطقي لحدود الإيمان الديني ومنابعه المعرفية، بما يصيب الباحثين بالحرج والتعنت، بسبب حساسية البحث في المواضيع الإيمانية الغيبية، وعسر تطوير مناهج الفكر الديني، لتوليد استنتاجات مبتكرة من نصوصها، وتفكيك مقولاتها الملتبسة.

جهد العديد من الفلاسفة والمفكرين المتنورين منذ قرون مضى لإحكام مناهج اليقين الديني بمناهج المنطق العقلي، لكنهم أخفقوا بمشاريعهم لإخضاع مناهج الأول للثاني، بسبب الشك المعاكس، والارتياب من الفقهاء والمحدثين والرواة بهم، مع ملاحظة أن مفردة «الشك»، لفظاً، وردت 15 مرة في القرآن الكريم، وخوطب بها النبي والمشركون، فاليقين الديني لا يمكن إطلاقه بالإيمانيات الغيبية والتسليم، لأن الإيمان لابد أن يحتكم للعقل أولاً، ثم الاستسلام الروحي له، ذاك هو المنهج الموضوعي والعلمي لإزالة الشك وإلغائه.. أما الشك الديني الظني، فيتكئ على المنقولات والنص في تحصيل وإثبات يقينياته.

قال المعتزلة: «أول الواجبات، هو الشك»، والحال أن العديد من الفلاسفة والشعراء على مدى الزمان، من ابن رشد وابن عربي والجاحظ والمعري وابن المقفع ومن تلاهم، تبنوا مناهج الشك، وحينها حُوربوا وكُفروا، ودفع بعضهم الثمن فادحاً، لأنهم تساءلوا كيف تكون الحقائق «غيبية»؟ وهل تكون حقيقية وقد غابت عن إحساساتنا وأفق خيالاتنا، وإذا كان اليقين الذاتي غير قابل للبرهنة، لعدم استناده إلى ضرورات اليقين الموضوعي والمنطقي، فليس من الإنصاف أن نوسمه باليقين، وقد أرهقه الشك والالتباس.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *