الرئيسية » آخر الأخبار » تقرير مستوى تعليم «الإنكليزية».. فضيحة تعود جذورها لحكاية «أبوهشام»

تقرير مستوى تعليم «الإنكليزية».. فضيحة تعود جذورها لحكاية «أبوهشام»

بدر العيسى
بدر العيسى

محمد الغربللي:
خبر مرَّ مرور الكرام، سواء في يوم نشره، أو الحيز الصحافي الصغير الذي احتله.. ففي يوم الجمعة (6 نوفمبر)، نشرت «القبس» خبرا تحت عنوان «كفاءة متدنية للكويت باللغة الإنكليزية..»، وتقول بداية الخبر «أظهر تقرير مؤشر «أي إف» للكفاءة في اللغة الإنكليزية للعام الحالي مستوى متدنيا جداً للكويت، حيث جاء تصنيفها في المرتبة 65، من أصل 70 دولة شملها التقرير. ووفقا للمؤشر، الذي يُعد أكبر تصنيف للعالم في الكفاءة باللغة الإنكليزية، الذي شمل 910 آلاف فرد من مختلف دول العالم، فإن الكويت تأتي في نهاية التصنيف.. فعلى مستوى دول الخليج سبقتها الإمارات في المرتبة 42، وقطر في المرتبة 63، بينما سبقتها دول عربية، كالمغرب في المرتبة 52، والأردن 53، ومصر 55».

حكاية أبوهشام

قبل الخوض في تبعات هذا الموضوع، أود أن أورد حكاية يرويها أحدهم ممن كان يعمل في القطاع التربوي بوزارة التربية عام 1972.. يقول: كان هناك موظف عربي يُدعى أبوهشام، يعمل في الإدارة الثقافية بالوزارة مترجما للتقارير من اللغة الإنكليزية إلى اللغة العربية، للمسؤولين المعنيين في الوزارة، الذين لا يفقهون من اللغة الإنكليزية شيئا، كون أغلبهم «درعميين» أقحاح، كما كانوا يسمون أنفسهم.. وهي كناية عن تخرجهم في دار العلوم بمصر، حيث لا يتم تعليم اللغة الأجنبية في كلياتها أو أروقتها إطلاقا.. وهكذا كان على أبي هشام ترجمة التقارير الواردة، ورفعها بالترتيب الإداري للقيادة التربوية العليا.

ذات يوم كان أبوهشام في غرفة الاستنسل الصغيرة، حيث تسحب أوراق «الرنيو» هناك.. لم تكن ماكينات التصوير متوافرة آنذاك بعد.. وكان يمزق أوراق الحرير، التي طبع عليها أحد التقارير، و يتجنب أن تتسخ يداه من الحبر الموجود على الورق.. الأوامر صدرت من «فوق»، بإتلاف التقرير عن «بكرة أبيه»، بما في ذلك ورق الحرير الذي طبع عليه.. وبالطبع الأوراق التي سحبت عليه، لم يكن لدى أبوهشام إلا ما قام بترجمته بخط يده قبل طباعة التقرير في ذلك الزمن من عام 1972.. التقرير كان يتضمن مسحا ميدانيا لكفاءة مدرسي اللغة الإنكليزية في الكويت، أُعد من قِبل منظمة يونيسكو، بوساطة خبراء في هذا المجال.. ويخلص التقرير في نهايته إلى عدم كفاءة أي مدرس في مجال تعليم اللغة الإنكليزية في المدارس الحكومية في الكويت، باستثناء مدرس واحد – أصبح مسؤولاً في ما بعد – لديه الكفاءة العلمية لتعليم اللغة الإنكليزية، وهو الأستاذ نايف خرما.. وغيره لا أحد.

كان مسؤولو «التربية» يتوقعون المديح والإطراء بما يفعلونه في إدارة القطاع التربوي، لكنهم فوجئوا بالنتائج وصراحة المعطيات المسحية.. وبدلاً من المعالجة الجادة، لبحث سبل الارتقاء بتعليم اللغة الإنكليزية، أرادوا إعدام التقرير وطمسه نهائيا، ولا عين رأت أو أذن سمعت!

التقرير «الفضيحة»

حكاية مضى عليها 43 عاماً، كان يمكن خلال هذه المدة الطويلة جداً من عُمر الشعوب وضع جميع السبل والإمكانيات والأموال اللازمة لتطوير تعليم هذه اللغة، والارتقاء بالمستوى التعليمي في صفوف المدرسين الأكفاء والمناهج المميزة والمختبرات اللغوية.

وبالعودة الى التقرير «الفضيحة»، الذي نشرته القبس، فإنه لا شك يعني الضعف الشديد على صعيد تعليم اللغة الإنكليزية على مستوى العالم، عندما تحتل الكويت أواخر سلم التصنيف في هذا المجال- فاللغة الإنكليزية هي مفتاح رئيس لدراسة مناهج العديد من الكليات، أهمها كلية الطب بكل تفرعاتها؛ طب وصيدلة وطب أسنان وطب مساعد، ومفتاح أيضا في كلية العلوم الإدارية وكليات الهندسة بتفرعاتها، وهذا يعني أن هذه الكليات، وربما غيرها، تستقبل طلبة بمستوى ضعيف جداً في هذه اللغة، وبالتالي سيجدون صعوبة كبيرة في استيعاب المناهج، من جراء افتقارهم للحصيلة اللغوية، وهذا ليس ذنبهم، بل ذنب الإدارة التربوية، ذات الجذور العميقة، التي لم تعالج موضوع تدني مستوى تعليم اللغة الإنكليزية منذ عشرات السنين، وبالتالي، على هؤلاء الطلاب معالجة أخطاء مَن تولى الإدارات التربوية منذ نهاية الستينات ومطلع السبعينات.. تلك الإدارات التي كان دأب المسؤولين فيها إتلاف التقارير التي تظهر العيوب وتكشف مواطن الخلل، فهؤلاء المسؤولون لا يرضون إلا بالمديح والإطراء.

المعادلة المالية

وإذا أردنا معرفة انعكاس هذا التقييم المنشور على المستوى المادي، فما علينا سوى احتساب المعادلة المالية، بمعرفة كلفة مدرس اللغة الإنكليزية في مراحل المدارس الحكومية كافة، راتبه وامتيازاته المادية، وكذلك كلفة مفتشي وإدارة اللغة الإنكليزية في الوزارة، وإحصاء عدد الكتب التي يجري توزيعها سنويا، ومدى تكلفتها، وسيظهر لنا في النهاية مبلغ مالي كبير جداً شاملاً كل شيء، من معلمين ومفتشين وكتب مناهج، ومع ذلك، فإن هذا المبلغ النهائي أوصلنا إلى المرتبة 65 من أصل 70.

ولتكتمل المعادلة، علينا في الوقت ذاته مقارنة ما تم الحصول عليه من أرقام مع مثيلاتها في دول أخرى ضمن التصنيف، مثل المغرب والأردن ومصر، ونقول يقيناً إن ما يتم صرفه لدينا في الكويت يفوق ما يُصرف هناك بمرات كثيرة، وما ينطبق على مستوى تعليم وتقييم اللغة الإنكليزية قد ينطبق على مواد أخرى، لنصل في نهاية المطاف إلى مستوى تعليم متدنٍ بشكل عام.

تركة ثقيلة

بالإشارة إلى تصريح لوزير التربية وزير التعليم العالمي د.بدر العيسى، القائل إن الوزارة تحتاج إلى عشرات السنين، للارتقاء بالعملية التربوية، بمخرجاتها التعليمية، نقول إنه هنا لا يمكن تحديد المدة الزمنية، ما لم تكن هناك تقارير واضحة ومحددة الأهداف ومجدولة زمنيا، لتحقيق هذا الهدف، وانطلاقا منها تتم جدولة عملية الارتقاء بالعملية التعليمية، بموجب هذه الدراسات.. وعلى حد علمنا، فإن صندوق النقد مكلف بإعداد هذه الخطة التعليمية، بعد أن خصص لها كذا مليون دولار لإعداد التقارير اللازمة.. ولا تزال العملية في بدايتها، علماً بأن العقد المتوقع مع صندوق النقد تم في مارس الماضي، ومدته خمس سنوات، لإنجاز المهام الموكلة للصندوق، علماً بأن وزارة التربية، في زمن سابق، اتفقت مع مؤسسات تربوية من سنغافورة، لإعداد تقارير لتطوير التعليم في الكويت، وصرفت عليها الملايين، إلا أنها لم تلقَ القبول لدى الوزارة قبل مجيء الوزير الحالي.

على كل حال، تركة التعليم ثقيلة جداً، ومحملة بالتجارب، ومليئة بالأخطاء، وحملها ليس بالضرورة أن يكون على كاهل الوزير أو الوزارة وحدها، إذ لابد أن يكون هناك تبنٍ من قِبل الدولة، ككل، بقيادتها العليا.. فالتعليم والتربية المشروع الأساسي لبناء الدولة والتنمية، ولا يمكن حصر الموضوع في وزير أو وزارة بمفردها، ممثلة بوزارة التربية.. وهناك شك في أن يتم مثل هذا التبني، على ضوء سير الأوضاع المتردية التي تعكس شبه منهج لإدارة الدولة.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *