الرئيسية » آخر الأخبار » مقارنته مع «الشارقة» تثير الألم: معرض الكويت للكتاب.. كان يوماً معرضاً

مقارنته مع «الشارقة» تثير الألم: معرض الكويت للكتاب.. كان يوماً معرضاً

صور عامة لمعرض الشارقة
صور عامة لمعرض الشارقة

محمد الغربللي:
مضى عليه أربعون عاماً، وهي فترة ليست ببسيطة، لكن مع ذلك، تضاءل على صعيد الشكل والمضمون، وعزف الناس عن ارتياده، عدا قلة يمرون بين أروقته، علَّهم يحصلون على عنوان جديد يحظى باهتمامهم.

اليوم، افتتاح معرض الكتاب في دورته الأربعين.. معرض يُعد ثالث معارض الكتب في الدول العربية.. معرض بدأ وهَّاجاً على أيدي مَن تولوا إدارة المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، ليس كوظيفة أو مهنة، بل إيمانا برسالة تشرَّبوا بها.. أسماؤهم ونتاجاتهم الأدبية أو العلمية تشهد عليهم.. اليوم، خبا الوهج، وتضاءلت السمعة، وقلَّ المشاركون، وتقلصت المساحات، بسبب الرقابة المفروضة على المعرض وعلى الكتب.

ممثلو التيار الظلامي و»بالعزف» المشترك مع الرقابة السلطوية، وضعوا معاولهم فيه، بدأوا يتلصصون على الصفحات، علَّهم يجدون ما يبرر صراخهم.. حققوا هدفا، ومنعوا دور نشر عديدة، كدار «الجمل»، حيث صدر قرار من أحد الوزراء السابقين للإعلام، بمنع مشاركة الدار، مطبقا القول المأثور «ملكي أكثر من الملك»، عبر تصريح له، بأنه حتى صاحب الدار سيُمنع من دخول الكويت، علماً بأن هذا الوزير صاحب التصريح «الفتاك» يفترض أن يكون على تماس مباشر مع الحريات العامة، ومنها حرية الثقافة والتلقي والفكر، بحكم معايشته لهذه الأجواء بالخارج طوال فترة عمله.. لكن يبدو أن جرعة «الملكية» سائدة ومترسخة فيه.

أغلفة الكتيبات الإرشادية بمعرض الشارقة للكتاب
أغلفة الكتيبات الإرشادية بمعرض الشارقة للكتاب

لجنة الرقابة

مجموعة صغيرة من الناس هي التي تشكل لجنة الرقابة على المطبوعات، ولديها الحق في منع أو إجازة الكتب.. هؤلاء الناس يكتبون نوعا من «الروشيتات» الطبية، حول ما يجب أن نتناوله من أوراق الكتب، وما هو أصلح لنا، وما هو ضار بنا.. أما المنتج الثقافي المحلي الوطني، فقد وقف مكتوف الأيدي أمام سطوة الرقابة والإعلام، ولم يستطع تحريك الأمر، في ظل الضغوط السياسة أو تسوياتها، وقربها من هذا الطرف أو ذاك.. خرجت في دورات سابقة للمعرض تظاهرات احتجاجية ضد هذا التعسف الرقابي، قادها أحمد الديين، كناشر تتعرَّض كتبه للمنع، لكنها لم تنجح في رفع الغطاء الرقابي عن المعرض، واستمر الوضع كما كان، إن لم يكن أسوأ.

وفي العدد الماضي من «الطليعة»، نشر تصريح للأمين العام للمنبر الديمقراطي، يندد فيه بمنع كتاب بثينة العيسى من قِبل الرقابة.

شخصيا، مررت على المعرض في السنوات الأخيرة، ولم ألحظ أنه تغيَّر من وضعه شيء، بل زاد سوءاً، لهذا أخرج منه في كل مرة خفيف اليدين من أثقال الكتب، منتظرا بداية ديسمبر، لأقوم بزيارة قصيرة إلى معرض بيروت، من أجل «التموين السنوي» من الكتب.. فخلال بضعة أيام، لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، تكون كافية لاقتناء معرض الشارقة للكتاب 3ما أريد.

معرض الشارقة

هذا العام أحببت تغيير مسلك الطريق، وتوجهت في زيارة أولى نحو الشارقة، لحضور معرض الكتاب في دورته الرابعة والثلاثين.. طريق السفر أقرب من بيروت، حيث لا يتجاوز الساعة إلا بقليل.. لدى وصولي، توجهت مباشرة إلى «الشارقة إكسبو» موقع المعرض.. ولكم كانت المفاجأة كبيرة على صعيد الشكل والمضمون، بما يعرض من كتب، إذ بلغ عدد دور النشر المشاركة فيه 1502 دار نشر.. في الزيارة الأولى، لابد أن تضيع بين أجنحته، لكن سرعان ما تتمكن من معرفة الطريق، بسبب مهارة التنظيم.

جميع دور النشر مشاركة، بما فيها دار «الجمل»، التي لاتزال ممنوعة في معرضنا العتيد.. يقول صاحبها خالد معالي: يتم الاتفاق معنا على المشاركة، لكن الوعود تتبخر، كحكاية «وعود عرقوب».

ورشة متحركة

في معرض الشارقة للكتاب مشاركون من دول أجنبية؛ أوروبية وآسيوية، خلاف دور النشر العربية، من خليجها إلى محيطها، ولكل شخص مطلق الحرية في قراءة ما يشاء.. ساعات المعرض اليومية طويلة، من التاسعة والنصف صباحاً، متواصلة حتى العاشرة مساء، من دون توقف.. فرقة موسيقية تتجوَّل في المعرض تعزف الألحان.. طلاب وطالبات بكثرة عددية مهولة في الزيارات الصباحية.. وفي حال كنت عاجزاً عن حمل ما أقتنيه من كتب تتوافر عربات صغيرة تستطيع استئجارها بمبلغ 10 دراهم في الساعة.. مطاعم صغيرة وكافتيريات وشاشة عرض عملاقة في المدخل تعلن عن كل فعاليات المعرض، وفي المقهى الثقافي كتيب صغير يعدد أيضا البرامج والفعاليات الثقافية من بداية المعرض وحتى نهايته يوميا بالتوقيت والمكان.

هناك في الحقيقة ما يشبه «الورشة» المتحركة والمتفاعلة ما بين العارضين والزوار والمكان.. مساحة كبيرة لمشاركة دور النشر تمتد إلى خمس صالات شبه متواصلة.. مع سهولة بالوصول والتجوال، وإن احترت في البحث، فما عليك إلا الاستدلال من قسم الاستعلامات، الذي يختزن جميع البيانات عن دور النشر ومكانها.. ثوانٍ وتحصل على المطلوب، من دون عناء. هكذا كانت الزيارة الأولى، حيث لا لجنة تحدد ما يجب عليَّ قراءته، أو مَن يحضر من الناس لتصفح ورقات كتاب.. بينما عندنا، ونحن في الألفية الثالثة، لاتزال العقول متحجرة وصارمة.

الأمر المحزن في معرض الشارقة للكتاب معرفتك بأنه يصغر معرضنا بعدد من السنوات، لكنه يكبرنا بعشرين عاماً، بالنظر لما يحتويه من كتب وتنظيم وخدمات.. لا يمكن قياس تقهقرنا، إلا بالمقارنة مع الغير، وكم تكون النتيجة مؤلمة!

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *