الرئيسية » ثقافة » الأدب في عصر «الفيسبوك».. محاولات التأسيس لسُلطة جديدة

الأدب في عصر «الفيسبوك».. محاولات التأسيس لسُلطة جديدة

النشر على «الفيسبوك» أعطى الكُتاب مساحة من الحرية لم تكن متاحة لهم سابقا
النشر على «الفيسبوك» أعطى الكُتاب مساحة من الحرية لم تكن متاحة لهم سابقا

كتب محمد جاد:
ربما كانت الثورة الأولى التي أثرت في المناخ الأدبي وعمليات التلقي، تكمن في اختراع الطباعة، هذا الاختراع الذي وسَّع وخلق مساحة من الانتشار، لم يكن مسموحا بها من قبل، وجاءت الثورة الثانية من خلال شبكات التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها «الفيسبوك»، الذي أثر في الأدب بأشكاله المختلفة، من قصة وقصيدة ورواية – سنقتصر على العملية الأدبية من حيث الإنتاج والتلقي – حتى إن الأمر بات أشبه باختراع السينما، وتقنياتها التي استلهمها الأدب في ما بعد، وهو ما يحدث الآن من استخدام تقنيات «الفيسبوك» عبر الأعمال الأدبية.

هناك لغة إشارات تم التوافق حولها، من ثم التفاعل معها والحديث بها، من دون أي اغتراب أو تغريب في نص مقروء يمكن تصفحه في شكل الكتاب الورقي، الأمر الآخر، هو أن العالم الافتراضي أتاح للكثيرين أن ينزاحوا برفق، من خلال أفكارهم وكتاباتهم من منطقة الهامش، إلى منطقة المتن، المُحرَّمة على هؤلاء، المتن الذي ترعاه الدولة ومؤسساتها عبر كُتابها ومثقفيها الموالين لها، فهي التي تنشئ المسابقات وتمنح الجوائز، وتقوم بعمليات النشر، بخلاف دور النشر الخاصة، التي تطلب أموالاً، أو على أقل تقدير لا تعطي الكاتب حقوقه المادية، بخلاف الرقابة والتقييم، ما يخلق سُلطة ترى في نفسها المرجع الأساس والوحيد، فكانت الكتابة وكان التفاعل الوقتي مع النصوص، وهذا ما لم تحققه طريقة النشر العادية في معظم وأغلب التجارب.

الخطابات المضادة

ما بين الواقع الفعلي والافتراضي تقف النصوص التي يسردها أصحابها على صفحاتهم، لكن اللافت في الأمر، أن الواقع الافتراضي في الوقت الراهن أصبح هو ما يصوغ الواقع الفعلي المُعاش، لذلك تجد هذه النصوص صداها، وتمتلك قوتها وجرأتها المُنفلته دوماً من رقابة مزمنة قدر الإمكان ــ تحاول الدولة عبر أجهزتها الاستماتة على التحكم بها، ومراقبة صفحات الفيسبوك، وتتربص وتقبض على أصحابها وفق هواها ــ فهناك مساحة من الحرية للكتابة لم تكن متوافرة من قبل، إضافة إلى ضمان حد أدنى من جمهور المتابعين للنصوص المكتوبة، بخلاف معرفة البعض لصاحب النص، أو أشخاص بأسماء وهمية تتيح لهم حرية النقد أو السخرية من النص وصاحبه.. هنا تكمن المفارقة بين حيلة الكاتب ورد فعل المتلقي، وهو ما يخلق حالة من الجدل حول نصوص لم تكن موجودة من قبل، اللهم إلا في ندوة أو مقال، وهو ما لم يكن مُتاحا لأي كاتب، حتى لو كانت ندوات للهواة. هنا يتم إنتاج صيغة أعلى من النصوص والنصوص المضادة التي تتناولها بالتعليق، أو حتى من خلال أيقونة التفضيل (Like) أو عدة أيقونات أخرى تختصر طريقة استقبال النصوص.

الأعمال الروائية

كما أسلفنا من انتقال تقنيات السينما إلى الرواية، انتقلت أيضاً تقنيات شبكات التواصل الاجتماعي إلى النصوص المطبوعة، من خلال صفحات مطولة تنقل حالات أو حوارا بين شخصين، كنصوص كاملة منقولة من صفحة «الفيسبوك»، كما في الأعمال الأخيرة لرؤوف مسعد، ورواية «حريّة دوت كوم» للكاتب أشرف نصر، وهي من أولى الروايات التي التفتت إلى هذه التقنية. هنا تأتي اللغة، لتصبح مزيجاً ما بين الفصحى والعامية، من دون أي إحساس بخلل، بما أنها، كما المفترض، منقولة من كتابة بالعامية، وهو ما كسر حاجز الكتابة بالعامية، رغم وجود تجارب مهمة في الأدب كانت مُصاغة بعامية رصينة تطاول الفصحى في بلاغتها وتأثيرها، على رأسها رواية «قنطرة الذي كفر» لمصطفى مشرفة. وتجارب أخرى محدودة المستوى، كرواية «لبن العصفور» ليوسف القعيد.. على سبيل المثال، لا الحصر.

التجارب

هذا العالم المتسع، الذي يتيح التعبير عن الأفكار والرؤى، من دون أي عائق، خلق جيلاً جديداً يلتفت إلى الكلمة المكتوبة، بخلاف نقاشات المقاهي، التي تدور حول أبخرة الشاي، لا يهم أن تكون الكلمة بالفصحى أو العامية، أو أن تتضمن كلمات وألفاظا من الصعب وجودها في نص سابق على اختراع هذه التقنية.

تبدو التجارب هنا في حالة غليان، لغة تشبه لغة الشارع، وقد تكون في الغالب أعنف منها بكثير، ونصوص تدّعي الأدبية، بمباركة عدد المعلقين والمُشاركين بصفحة الكاتب، وإذا وجد رأي مُعارض يبدأ الأصدقاء في الهجوم على صاحب هذا الرأي، رغم التشدق بالحرية وما شابه، وهنا تنتقل آفة الجلسات المغلقة والشلليّة إلى العالم الافتراضي، وقد نقل أصحابه موبقاتهم إليه، الأمر أشبه بأنظمتهم الحاكمة، حتى لو عادوها، لأنهم في جميع الحوال نتاجها، من دون أن يشعروا.

وتبدو مسألة تقييم الأدبي من عدمه مرهونه بالخوف من مسألة مواجهة الانتقاد هذه والرد عليها. فيتأسس للنص الافتراضي سُلطة، تحاول القفز إلى الواقع، من خلال عمليات أخرى.

الدعاية ودور النشر

تقوم دور النشر بملمح من ملامح الدولة، يكمن في سلطتها التي تتراوح بين ترويج لسلعة الكاتب، سواء من خلال اسمه، أو ما حققه نصه على صفحته الافتراضية من نجاح ملحوظ ــ غادة عبدالمنعم، وكتابها عاوزة أتجوز على سبيل المثال ــ فتبدأ بمد سلطانها وجذبه إليها بنشر ما كُتب في نسخة ورقية، وتبدأ آلة الدعاية على صفحات «الفيسبوك» نفسها، وتعود اللعبة من جديد إلى السلطة الأم، وهو ما يوازي سخف ما يُعرف بـ «البيست سيلر»، فكم من النصوص عديمة الجدوى يتم الترويج لها، وكم من النصوص المؤهلة والمتميزة بتجربة لها فرادتها تظل حبيسة دائرة الأصدقاء المقربين على صفحة هذا الكاتب أو ذلك!

التجربة الجمالية

لا يمكن إحصاء التجارب التي تنتجها هذه الصفحات، أو الأفكار التي تتناولها، إضافة إلى التشوش والخلط ما بين كتابة الرأي وصياغته في شكل أقرب للغة الأدب، وإصرار صاحبه أن ما يكتبه هو أدب، وأن يتم التعامل معه وفق هذا المنظور.

المسألة الأخرى، هي السرعة في تحرير النصوص، التي تأتي غالباً كرد فعل على ما يحدث، عدوى التعليق على الأحداث انتقلت إلى نصوص يُسميها أصحابها وأصحاب أصحابها، بأنها تنتمي للنص الأدبي، وهي آفة طالت العديد من التجارب، التي كان من الممكن أن تكون ذات ثقل ما، وقد أصبح مهاويس الكتابة يفوقون مهاويس السينما، كتابة وتمثيلاً.

فالتجربة الجمالية في هذه الحالات تنحصر في مدى ما يؤمن به الكاتب حقاً، وكيف عبَّر عنه، من خلال هذا الوسيط، ومدى بقاء هذه النصوص والعودة إلى قراءتها مرَّة أخرى، واكتشاف ما تحويه من جماليات ورؤى لم تتضح بسهولة عند القراءة الأولى، فالأمر مرهون بالموهبة والوعي بالكتابة أولاً، واستخدام الوسيط الافتراضي ثانية، وهو ما لا يتحقق إلا من خلال أعمال محدودة، مقارنة بكل ما يُكتب على هذه الصفحات.

الواقع الافتراضي والنقاد الأموات

قرأنا قريباً خبراً لمحمد حسين يعقوب، يقول «إن التلفزيون والنت حرام مثل الخمر والميسر»، وذلك بمناسبة افتتاح موقعه الجديد على الإنترنت.

هنا ينتهي الخبر وعلامة التعجب لا تنتمي لمقولة يعقوب، لكنها ستكون أكثر وقعا، إذا ما أضيفت إلى نقاد الأدب، الذين لديهم صفحاتهم الخاصة على «الفيسبوك»، ويتأففون من متابعة النتاج الأدبي المتداول على هذه الصفحات أو تلك، ولا يُنشدون إلا ما كُتب منشوراً، أو من خلال ندوة بأحد أبنية الدولة الثقافية، لأنهم رغم ثورية ما يدعونه، يريدون شكلاً للسلطة، هم أحرص عليه منها، لكن الكُتاب الجدد وأفكارهم التي لن يتفهمها معظم نقاد المؤسسات الثقافية فسيُزيحونهم بكل هدوء وثقة، من دون حتى أن يُطلقوا عليهم رصاصة واحدة من رصاصات الرحمة.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *