الرئيسية » حبيب السنافي » حبيب السنافي : حديث في الأخلاق

حبيب السنافي : حديث في الأخلاق

حبيب السنافي
حبيب السنافي

لا تقتصر محامد مكارم الأخلاق على مجتمع دون آخر، أو فرد دون سواه، فهي ملكات إنسانية تختزنها الضمائر، وتوجهها العقول النيّرة، لتحقق بها السعادة وقوام المجتمعات البشرية.

لكن يبقى هناك تفاوت في وجهات النظر حول مصدر الأخلاق ووظائفها وغاياتها، تلك النظرة المختلف عليها بين الدينيين والفلاسفة أدَّت، ولا تزال، إلى المزيد من الصراع، الذي بلغ حد الاحتراب أحياناً.

المبادئ الأخلاقية، ملكات إنسانية فردية تعوزها، كغيرها من الملكات، التربية والتوجيه والتعديل في إطراد مسارها، لأن الضمائر عند الأفراد تتباين بتباين التربية والثقافة في البيئة الأسرية والاجتماعية.. ولأن العقول تختلف في توصيف الأحوال التي تتفق مع معاني وروح المبادئ الأخلاقية، فإنه لمن المهم والحيوي أن تتقارب المفاهيم البشرية وتتوافق في ما بينها على تكييف وإسقاط المبادئ الأخلاقية على السلوكيات المتنوعة والمستحدثة في مجتمعاتنا الحالية، فنحن حتى اللحظة الراهنة  لم نتفق على إذا ما كانت المبادئ الأخلاقية مصادرها دينية أم بشرية يحكمها الضمير أم العقل، ثابتة أم متطورة، قابليتها للخضوع بسلطة القانون أو عدمه، وهل تتبدل معانيها ومعطياتها من فرد لآخر، ومن مجتمع لآخر، ولمَ؟

نحن المسلمين، نعتقد أن المبادئ الأخلاقية الدينية، هي الضابط والمعيار الوحيد لسلوكياتنا، بينما يرى الغرب أن القواعد الأخلاقية قديمة وموضوعة، واستمرت لصلاحيتها، وأنه بالإمكان الاستغناء أو التعديل والإضافة لبعضها، وفق الحاجات الإنسانية، وأن الأديان كررت الكشف عن المبادئ والمُثل الأخلاقية، كأوامر إلوهية، ونصائح دعوية، تصون العلاقات الاجتماعية، وتحرسها تحت مظلتها.

وبينما تطورت الثقافات وترسخت الحضارة، وخاصة الغربية منها، طرأت على معاني ومدلولات المفاهيم الأخلاقية السابقة معاني ومدلولات حديثة، وعازنا قوانين موضوعة تبينها بدقة، ليتفق عليها عالمياً، وهذا ما أدَّى إلى تسطير المواثيق الدولية ومعاهدات حقوق الإنسان في العصر الحديث.

لكن المعضلة الأخلاقية لم تحل بعد، فالبعض يرى أن الأخلاق متوارثة ومعهودة بالقدم، وأن الأخلاق الدينية ليست سوى طقوس دينية وعادات وأعراف اجتماعية تم تثبيتها وانتسابها للأخلاق المُثلى، وأن القوانين المبتكرة يمكنها أن تقوم بالتشريع الملزم في مقام تلك السلوكيات المتخلفة، وانطلاقها – القوانين – من المبادئ الإنسانية، لتأسيس قيم أخلاقية من منظور حداثي يتماهى مع التطور الحضاري، ويؤسس لرؤية مشتركة متقاربة بين الأفراد عموماً، حول طبيعتها وجدواها، من دون فرض رؤى محددة موروثة للمبادئ الأخلاقية، محررين الأخلاق من قيد المعاني والسلطة الدينية، ليمحصها المنطق العقلاني، فالتفسيرالديني للأخلاق لم يشفع للمبادئ الأخلاقية الحقة، لتسود العالم متحررة من جمودها وحصريتها.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *