الرئيسية » محليات » الوطن مُصاب بأمراض مزمنة.. والاعتراف بها أولى خطوات الشفاء

الوطن مُصاب بأمراض مزمنة.. والاعتراف بها أولى خطوات الشفاء

معرض الكتابكتب محرر الشؤون المحلية:
عندما يحدث عطل ما في سيارتك لا تذهب إلى طبيب أو معالج، بل تتوجه مباشرة لمكان تصليح المركبات، وعليك أن تعرف ما إذا كان الفني الذي يقوم بالتصليح ماهرا في عمله بمعرفة مكمن العطل، أو أنه يتدرَّب على تصليح مركبتك المعطلة، ويخمن – من باب التجربة والخطأ – أياً من أجزاء السيارة هي المسببة للعطل، وما إن تتسلمها منه بعد التصليح التجريبي، حتى تعاود المركبة أعطالها وتوقفها المستمر.. كم من الأشخاص مروا بهذه التجربة عندما يذهبون بمركباتهم إلى صاحب كراج متواضع يجرب التصليح، لعل وعسى.. إلا أنه لا يصل إلى سبب العطب في المركبة، ويستمر العطل، وما على مالكها إلا بيعها، بعد أن يصرف عليها بين فترة وأخرى مبالغ مالية توازي أقساط مركبة جديدة.

الصحة ودقة التشخيص

بعيداً عن أعطال المركبات، ينطبق الأمر ذاته على صحة الإنسان عندما يصيبه مرض ما، وقد يمر على أطباء غير قادرين على تشخيص المرض، أو يتم إعطاؤه علاجاً ليس مناسبا لعلته، فتزداد حالته سوءاً، جراء عدم معرفة سبب المرض الحقيقي.. وللتغلب على مثل هذه الحالات في سوء التشخيص، ولاسيما أنها متعلقة بصحة الإنسان وشفائه، وليس بمركبة أو منتج يمكن استبداله، جرى تطوير أدوات التشخيص بصورة متزايدة.. فمنذ عقود من الزمن لم تكن أدوات التشخيص تحت أيدي الأطباء، للوصول إلى الأسباب المرضية، بالكاد كانت الأشعة العادية هي المستخدمة، ولكن في العقود الأخيرة جرى تطوير الكثير من أدوات التشخيص، بغرض الوصول إلى أسباب العلل والأمراض بشكل أكثر دقة وفاعلية، لكي يوصف العلاج الملائم للمريض، من دون أخطاء طبية، أو كتابة وصفة بعيدة عن حالة المريض.

حادثة مبنى الكيربي

نقول هذا الكلام على ضوء مرض «الدولة»، وطننا الذي نعيش فيه، وهذا المرض مستمر منذ سنوات، وذو تأثير بالغ في صحة الإنسان، وحتى للأجيال القادمة، التي لم تظهر على سطح الحياة، إذا بقيت أحوالنا مستمرة على هذا النحو.. ولعل آخر مظاهر هذا المرض، ما جرى مساء الجمعة، الموافق 15 نوفمبر الجاري، عند قيام آلات بلدية الكويت بإزالة مبنى كيربي مؤقت في منطقة الرميثية، والجميع تابع ما جرى من احتجاجات، دفعت نائبين في مجلس الأمة إلى تقديم استجواب للوزير سالم الأذينة، كونه المسؤول عن بلدية الكويت.

بيان مجلس الوزراء

بلدية الكويت أخذت إجراءاتها من دون تروٍ، وبمنتهى السرعة، سرعة لا نجدها إطلاقا في مشاريعنا المعطلة أو تلك التي تسير سير السلحفاة في إنجازها، لكن بلدية الكويت – كمؤسسة حكومية- قامت بإجراءاتها في الإزالة، ولا بكفاءة الألمان في إنجاز العمل، بغض النظر عن كون اليوم الذي اتخذت فيه كان راحة أسبوعية، وأتمَّت إجراءاتها بمنتهى السرعة.. هذه الأحداث جرت وبعدها بأيام، وتحديداً يوم الأحد، عقد مجلس الوزراء اجتماعه الأسبوعي، وأصدر بيانا تناول فيه قيام بلدية الكويت بإزالة المبنى المؤقت، وذلك بوجود الوزير المعني، باعتباره عضوا من أعضاء مجلس الوزراء، وفي هذا البيان، كما ورد نصاً جاء «أن المجلس اطلع على الإجراءات التي اتخذت في مواجهة هذه التصرُّفات العبثية، وأنه تم تكليف لجنة، للوقوف على جميع التفاصيل المتعلقة بهذا الأمر، والتحقيق في ملابساته ومحاسبة المتسببين في حدوثه، ووضع نتائج التحقيق بعد الانتهاء منه موضع التطبيق، بما يفوت الفرصة على كل من يريد بث الفتنة والفرقة بين صفوف المواطنين، مؤكدا احترامه الكامل لكل شرائح المجتمع الكويتي بكل طوائفهم ومذاهبهم وانتماءاتهم».. هكذا أتى بيان مجلس الوزراء تجاه حادثة الإزالة، غير أن مضمون واتجاه البيان يوحيان وكأن هناك جهة أو مجموعة من المتطرفين أو الذين ينتهجون الفكر التكفيري هم من قاموا بإزالة المبنى المؤقت، وليس جهات حكومية تابعة لأجهزة الدولة، كما أن الصفات والنعوت والتصرفات التي أتت ببيان مجلس الوزراء من شق للوحدة الوطنية، والعبث بمقدرات الوطن، والتعدي على المجتمع من شأنها أن تؤدي إلى تحويل الجهات التي قامت بالإزالة إلى محاكمة جزائية تجاه أفعالهم.

نتحدَّث هنا عن أعلى جهاز تنفيذي للدولة، ممثلا بمجلس الوزراء، الذي كال التهم وندد بنفسه، محاولا مداراة تدني مستوى أداء الجهاز التنفيذي للدولة، علما بأنه أمر صغير، قياساً بما يناط برأس الجهاز التنفيذي للدولة من مهام.

فبموجب المادة 123 من الدستور، فإن مجلس الوزراء يهيمن على مصالح الدولة، ويرسم السياسة العامة للحكومة، ويتابع تنفيذها، ويشرف على سير العمل في الادارات الحكومية.

وقد أتت هذه المادة الدستورية على رأس المواد الدستورية في ما يخص السلطة التنفيذية، ويبدو من واقع بيان مجلس الوزراء، أنه لا يهيمن على مصالح الدولة، ولا يرسم السياسة العامة، ولا يشرف على سير العمل في الإدارة الحكومية!

حالة مرضية مزمنة

هذه الحالة ما هي الا أحد مظاهر الحالة المرضية المزمنة التي تسري في جسد الدولة، وكأننا أصبحنا أسيرين لها ومستكينين، أن لا فكاك منها، ومظاهر تدهور الأداء الحكومي بارزة في أكثر من ناحية ومجال، سواء في المشاريع المعطلة أو المتأخرة، أو في الثقافة والفنون، أو في الرياضة أو الاقتصاد أو التعليم.. وغيرها من المجالات الأخرى.. لذا، لا عجب أن تتولد دولة داخل الدولة عندما تسند العديد من المشاريع بأمر تنفيذها بعيداً على الجهاز الإداري للدولة، إلى الديوان الأميري، وهي جهة غير معنية بأمر تنفيذ ومتابعة المشاريع، كما أن الجهاز التنفيذي، ممثلا في مجلس الوزراء، يعد هذا الأمر اعتياداً لا يستحق الوقوف عنده، مع أنه تعبير عن ضعف وعجز في الأداء.

المقارنة بين أمس واليوم

عندما يقارن المواطن بين ما كان وما هو الوضع الحالي، فإنه لا يضع المقارنة تلك مع الدول الأخرى المحيطة، بل استرجاعاً لما كان في الماضي من أداء ومقارنة هذا الأداء حاليا.

ويتساءل جميع المواطنين عن المستوى الذي وصلت إليه الرياضة الكويتية، وهي صاحبة تراث قديم في الأداء المتميز ودور اجتماعي في استقطاب طاقات الشباب، ويقارن أوضاعها في الوقت الحالي على مستوى الأداء أو المنشآت المتخلفة إلى درجة أنها كانت محل استغراب أحد الصحافيين اللبنانيين حول تردي أحوال الملاعب والاستادات الرياضية في الكويت، وهي الدولة التي تمنح قروضا للخارج، ومنها لبنان، لبناء الاستادات الرياضية الجيدة، فيما تفتقر هي لمثل هذه المنشآت، وبالوقت نفسه تعلن عن فوائضها المالية منذ سنوات!

لقد غدا المجال الرياضي مرتعا للاستنفاع، بكافة أحجامه، من الاستنفاعات الكبيرة التي تصب في جيوب الخاصة إلى الأصغر منها.. والجميع يعلم ذلك، ولا أحد يستطيع أن يحرك ساكنا، على الرغم من معرفة العلة.

المسرح ومعرض الكتاب

أين نحن الآن من المسرح الكويتي سابقا، والذي كانت له إنارات على مستوى المسرح العربي، وفيه أول معهد في المنطقة معني بالدراسات المسرحية؟ أين ذاك المسرح من أوضاع المسرح الآن، فحتى أعماله الهابطة يتم عرضها في الصالات أو المسارح المتهالكة، والتي بنيت منذ عقود وتفتقر لأدنى مستلزمات المسرح الحديث؟

أين دور معرض الكتاب العربي الذي كانت له إطلالة وإشعاع عند بداياته الأولى، وخاصة أن فعالياته بدأت الأسبوع الماضي، ولاتزال مستمرة حتى الآن، وكان بمثل أداة استقطاب للزوار ليس من الداخل فحسب، بل من خارج الكويت، ويعد متميزا، قياساً بمعارض الكتاب الأخرى المقامة في العالم العربي؟

أين منه الآن، بعد أن حُورب من قوى التخلف الثقافي، وبموافقة ورضا حكومي منذ سنوات، جعلا بوابة الرقيب هي البوابة الرئيسة له، وغدا مناسبة لا لون لها أو تأثير ثقافيا، فتدنى مستواه قياساً بمعارض عربية أخرى أتت لاحقاً في تنظيمها لمثل تلك المعارض؟!

العلة وبداية العلاج

جميع هذه المقارنات تصب في بناء المواطن.. هنا لا نتحدَّث عن المشاريع المعطلة، أو تلك التي يتم ترحيلها للنيابة العامة، جراء التجاوزات والنهب، نتحدَّث حول عملية بناء الإنسان الكويتي من كافة الأوجه والمجالات، أين كنا وكيف غدت الحال.. لا نقارن بهذه الدولة أو تلك كما يقوم به البعض، بل بما كنا عليه وما صرنا إليه من حالة متردية ومتواضعة لا تسر حتى الغرباء، ولسان حالهم يقول «شفيكم يا الكويتيين؟»، لأنهم كانوا ينظرون إلينا بأننا المثل الذي يمكن الاحتذاء به.. أما المظاهر الأخرى من حالات الفساد والتردي في الإدارة، فما هي إلا مظاهر للحالة المرضية المستمرة منذ سنوات، فساد شبه متوغل، بحيث يسكت الجميع عن الحديث عنه مادامت خيراته مستمرة وتوزيعاته دائمة.

لا نتحدث عن حالة التردي من باب الشماتة أو الامتعاض فقط، وهذا حق المواطن أن يبدي ذلك، إن كان حريصا على الوطن، ولكن أيضا من باب الطموح وتجاوز الأمراض التي أصابت الوطن.. وكما المريض لا يمكنه معالجة نفسه، ولا يمكنه إجراء عملية لنفسه، لمداواة جراحه، مهما كان ناجحاً في مجاله، فأيضا هذا الوطن عليه أن يقف ويعترف بأنه مريض، ويحتاج إلى علاج يزيل عنه هذه الأمراض المزمنة، وأولى مراحل العلاج، هي الشفافية التامة، والاعتراف بتلك الأمراض، والرغبة والإرادة لمعالجتها، حتى لا يستمر المرض ويتوالد ويورث للأجيال القادمة.. وما حالة حادثة إزالة مبنى الرميثية وبيان مجلس الوزراء إلا عينة لا يمكن أن تكون خاطئة أو يشوبها الغموض تعبيراً عن حالة التردي هذه.

طموح المواطنين

الأمر ليس تغييراً لعدد من الوزراء، كما ينادي بذلك بعض النواب في صحفنا الأسبوع الماضي، حيث يتعاملون بتصريحاتهم تلك، وكأن هؤلاء الوزراء قائدو مركبات «سواق» لا يحسنون القيادة، ويتم استبدالهم بقائدي مركبات أكثر كفاءة! الأمر ليس على هذا النحو، فالعملية ليست أشخاصا يتم استبدالهم، فقد تم تجريب هذه الوصفة طوال السنوات الماضية، إلا أنها لم تفلح بالعلاج أو تخفف من المرض، أو تؤدي إلى تحسين الأداء.. الموضوع تغيير النهج الاستفرادي في إدارة أمور الدولة، وفي سلوكيات من قبيل أن يسمع من يتولى المسؤولية ما يقوله الأعلى منه مرتبة، حتى لو كان رأيه خاطئا، من دون مناقشة أو حوار، وهو نوع من التراتبية القبلية التي لا يمكن أن تدير بلداً.

التوقف وتغيير هذا النهج هما الأساس.. أما السمع والطاعة، فلن يؤديا إلا لمزيد من التردي، كون من يقبل ذلك يريد أيضا أن يحيط نفسه بمن يسمع ويطيع.. وهكذا، تستمر عملية السمع والطاعة، نزولاً في السلم الإداري أو التراتبية في إدارة الدولة.

المواطنون الذين عاشوا سنوات الاستقلال وصدور الدستور والعمل به في سنواته الأولى وأداء بعض المجالس النيابية، وأولئك ممن لم يعيشوا تلك الفترة، إلا أنهم سمعوا وقرأوا عنها، وعما كان يدور، لهم الحق في امتلاك الطموح، بأن يكون الأداء في أعلى مستوى، والأوضاع تمهد الطريق نحو تقدم، وليس دولة مشبعة بالأمراض والعلل.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *