الرئيسية » ثقافة » المشاركون: السلطة تفرض «النظام العام» عبر بوابة «الدين والأخلاق»

المشاركون: السلطة تفرض «النظام العام» عبر بوابة «الدين والأخلاق»

شعار الندوة
شعار الندوة

كتب محمد جاد:
يظل مصطلح «النظام العام»، كمعيار يتغيَّر وفق مفهوم السُلطة الحاكمة، التي تصوغه، من خلال منظومتها الفكرية والعقائدية، فتحاول ضبط سلوك المواطنين تبعاً لهذا الهوى.

الأمر الآخر، هو أن تحاول هذه السُلطة، أو تلك، التظاهر بشكل ما من أشكال الانضباط، وبأنها وفق هذا المفهوم الممثل الوحيد لقيم مُنضبطة، وخاصة في ظِل مجتمع يقدس معايير الانضباط هذه، أو يتظاهر بها بدوره. وتحت عنوان «الدولة تعلّمنا الأدب»، نظم منتدى الدين والحريات ندوة من خلال «المُبادرة المصرية للحقوق الشخصية»، لاستعراض معيار النظام العام والآداب، في ظِل النظام السياسي الحالي. ويبدو أنه بعد 30 يونيو، تحاول الدولة إحداث نوع من اﻻنضباط في المجال العام، تفرض من خلاله على المواطنين طريقة معينة للتدين أو السلوك الشخصي، ينبغي التزامهم حدودها، وإلا تضمَّن ذلك إخلالاً بالنظام العام.

في البداية، تحدث مدير وحدة الحريات المدنية عمرو عبدالرحمن، قائلا إن العام الفائت شهد حملة منظمة، للحد من الحريات الشخصية والحريات العامة في أمور لم تكن على أولوية جدول أعمال اﻷجهزة اﻷمنية والقضائية خلال العقد اﻷخير، فكانت حملة منظمة ــ هي اﻷكبر في التاريخ ــ على المثليين، تضمنت تعقبهم في اﻷماكن العامة والخاصة.

وقد صحب هذه الحملة، حملة إعلامية وصلت للقبض على أكثر من 20 شخصا، في ما يُعرف بقضية «حمام باب البحر»، مع وجود إعلامية ترافق الشرطة وقت اقتحامها للحمام.

كما شهد العام نفسه ملاحقات متعددة ضد المواطنين المنتمين للمذهب الشيعي، وكذلك حملة على مواطنين مسيحيين، وتم القبض على بعضهم، بتهمة التبشير، منهم على سبيل المثال أحد رعاة الكنيسة، على الرغم من عدم وجود تهمة تمنع المواطن المسيحي من الدعوة لدينه، وتم توجيه تهمة ازدراء الأديان للمواطنين الشيعة وبعض المسيحيين.

منافسة أيديولوجية

ويرى عبدالرحمن، أن سبب ذلك، يكمن في المنافسة الأيديولوجية بين النظام الحالي واﻹخوان المسلمين، فالنظام يحاول أن يظهر بمظهر أنه ليس بأقل إسلامية من نظام الإخوان، على حساب قضايا الحريات الشخصية والحريات العامة.

ويضيف أن السؤال يكمن في كيفية حدوث ذلك، لأن التضييق على الحريات هذا يحدده القانون، من خلال نصوصه، فعند التضييق على ممارسة الشعائر الدينية لطوائف غير معترف بها، مثل البهائيين، نجده يستند إلى قرار جمهوري، بإغلاق المحفل البهائي عام 1960.

نتائج مشابهة

ويُشكل الميل المحافظ للدولة السلوك نفسه لدى الإسلاميين، لكن بأسلوب ومنطلقات مختلفة، وإن كانت النتائج في النهاية متشابهة، فهناك رؤية سيادة الدولة على الدين، وهي الموجودة في مصر، ورؤية يحاول الإسلاميون إحياءها، وهي الدولة الخاضعة لسلطة الدين.
وفي الأخير، يبدو أن الحل ليس بمزيد من العلمنة، لكن من خلال التفكير في ما بعد الدولة القومية، وسيادتها المطلقة، أي أن تتحول السيادة الشعبية من كونها حقا مكفولا في الدستور إلى ممارسة يومية، وجزءا منها، يتمثل في إقرار حق اﻷقلية الدينية في حرية ممارسة شعائرها الدينية.

الفزع الأخلاقي

وأشارت داليا عبدالحميد، مسؤولة ملف النوع الاجتماعي وحقوق الإنسان، إلى أدوات الدولة في ما تدّعيه من محافظة على النظام العام، وهي: الشرطة، القضاء، الإعلام، والمؤسسات الدينية.

هذه الأدوات التي تعمل من خلال ما يُسمى «الفزع الأخلاقي»، وهو ما تثيره الدولة ضد مجموعة مختلفة على أنها تمثل تهديداً لقيم المجتمع، وهو ما يحدث عادة أوقات الركود أو الاضطرابات أو الحكومات اﻻنتقالية، هذا التعريف ينطبق إلى حد كبير مع النهج الذي تعاملت به الدولة مع المثليين والمتحولين جنسياً، في ما بعد 30 يونيو.

أداء الشرطة

وتوضح عبدالحميد مدى أداء الشرطة، التي تعمل من خلال إساءة استخدام القانون، وهو الملمح الأساس في حالات التتبع والملاحقات اﻷمنية، اﻷخطر من ذلك، أنها تخلق قضايا ليست موجودة، وتظهر نفسها بمظهر المحافظ على اﻷخلاق، فهي ترتكب جريمة التحريض والاستدراج، عبر خلق حسابات وهمية على مواقع التواصل، التي تخص المثليين، ثم تقوم باستدراجهم والاتفاق معهم، بعدها تقوم بالقبض على مَن تتفق معه، وتوجه إليه التهم، واتضح ذلك جلياً في القضية الشهيرة، المعروفة بـ «كوين بوت» عام 2001.

تسخير الإعلام

إضافة إلى ذلك، تقوم الشرطة بتسخير اﻹعلام، لخلق حالة استعداء عام من خلال السماح لبعض وسائل اﻹعلام بالتصوير ونشر تفاصيل عن المثليين، ونجد أيضاً عناوين من عينة (سقوط أكبر شبكة للشواذ)، (المتهم صوّر نفسه بقمصان النوم)!

هذا التعاون اﻷمني واﻹعلامي بلغ ذروته في قضية «حمام باب البحر»، التي قامت فيها الشرطة بخلق مسرحية لعملية القبض على 26 رجلاً داخل حمام شعبي، واصطحبت معها المذيعة منى عراقي، وتم نشر صور للمتهمين حال القبض عليهم في انتهاك للقانون، وكان من نتيجة ذلك، أن شاباً حاول الانتحار، لعدم قدرته على التعامل مع الفضيحة.

هذه الإجراءات والأساليب دفعت بالقاضي الذي نظر القضية إلى إصدار حُكمه بالبراءة، لعدم اطمئنانه لمحاضر وإجراءات الضبط.
وتأتي المؤسسات الدينية، لتكتمل الدائرة، وهدفها إضافة إلى كونها جزءا من اللعبة، يتمثل في المنافسة مع اﻹسلاميين على مَن يمثل اﻹسلام الصحيح.

والجميع في النهاية يستند إلى قناعات لدى الناس تدين هذه الأفعال ــ حتى إن لم تثبت صحتها ــ فالدولة على سبيل المثال في انتهاكاتها ضد المثليين تعتمد على حالة العداء المجتمعي ضدهم، والتبرير المجتمعي لما يحدث لهم، حتى لو لم يكن هناك تبرير قانوني. والأمر برمته يأتي كشكل لإلهاء الناس عن قضايا اقتصادية واجتماعية تؤرق حياتهم.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *