الرئيسية » حبيب السنافي » حبيب السنافي : طبيعة الدين

حبيب السنافي : طبيعة الدين

حبيب السنافي
حبيب السنافي

ما السلاح الأخطر والأمضى عند البشر؟

الأسلحة النارية الفتاكة، الطائرات، الصواريخ الموجَّهة عبر القارات، القنابل النووية.. لا هذا ولا ذاك، فما هو إذن؟

إنه الدين، الخيال الساحر، الذي يخلب الألباب على مدى الزمان السرمدي.

الدين، الذي قامت على أكتافه الحضارات، شرقاً وغرباً، وتمسَّحت به كل الفنون والآداب، أسطورة، شعرا، قصة، غناءً، روايةً، وحدت به قوافل التجارة، وبشَّرت بسلطته وسلطانه جحافل الغزاة شعوباً منهكة، لتحرك به اقتصاداً خاملاً، ولتستعبد أيدي عاملة مجاناً، مشرعة للحكام أماناً، مفصلة لهم أحكاماً، مقدسة لهم أصلاباً، تهابهم القلوب وجلاً من العصيان، وخنوعاً للسمع والطاعة.

الدين وسيلة رخيصة لا تحتاج لرأسمال، ولا مكان ولا جيوش جرارة، ما عدا أفكار مقدَّسة يخترعها فرد أو جماعة، تكون في البدء أفكاراً إصلاحية، ومثلاً أخلاقية، وفلسفة مثالية، تجيب عن العاصي من الأسئلة المحيّرة على مدى القرون الغابرة.

ما أيسرها من وسيلة، وما أعظم نتائجها! المعوز ينشدها، والتاجر يتوخاها، والحالم بالحكم يترقبها، بمشاعر وعواطف الدين تتحرك الملايين بلا فكر، مشاعر فيَّاضة، وعقول مغيبة، تموج كموج المحيط الهادر بهستيريا الشعارات، تساق للردى بلا رهبة، تندفع بلا وعي، تفلتها فتوى، تخمدها إشارة مفتٍ، تنسيها الأماني والأحلام والدعوات فداحة الخسارة.

نهض الدين على الاقتصاد، فالحاكم الديني يروم المال لأجل الغلبة والسلطان، يستميل القلوب، ويؤلف المعارض اللجوج، ويغزو دول الجوار، موسعاً أملاكه، يتوارثها أبناؤه وأحفاده من بعده.

عندما يتملك القلوب، وتتيه به النفوس، استغنت عمَّا سواه، فلا قيمة لمال، وأهل وجاه، هو الحق والخير المطلق والغاية المثلى لكل ما تتمناه الأرواح العطشى لسكونها واستقرارها.

الدين، مهما كان مورده، هو منبع فياض للأخلاق والعادات والتقاليد والأعراف، يجود بها على المجتمعات، لتستكمل دورتها بالحياة.

هو القانون الأول لشؤون الحياة، لم تكتمل أركانه ومبانيه لقصر العقول وبدائيتها، فاختلط المثال بالواقع النقيض، به يتآمر الملوك على رعاياهم، وبه يثور العبيد على أسيادهم، به تباح دماء الضحايا، وبه توهب دماء القرابين على دكة المعابد المكتظة بعبادها، بمستهله اندلع الصراع الإنساني، هو وقود الصراع وناره، هو الحرب والسلام بالأوان ذاته، هو الحب والكراهية، هو العقل والضمير، هو مَن يقصي ويدني، هو كل شيء في الحياة، وأحياناً عديدة لا يكون سوى سراب الظمآن في البيداء.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *