الرئيسية » آخر الأخبار » الصوفية.. من تجربة الوصول للمطلق إلى تنظيم سياسي في خدمة السلطة

الصوفية.. من تجربة الوصول للمطلق إلى تنظيم سياسي في خدمة السلطة

الصوفية لم تحافظ على جوهرها الروحي والفلسفي
الصوفية لم تحافظ على جوهرها الروحي والفلسفي

كتب محمد جاد:
التصوف، هو حالة إدراك المُطلق بالحدس، من دون العقل أو المنطق.. هذا من الناحية الفلسفية.

أما السلوك الذي يجب على المتصوف التحلي به، حتى يصل أو يحاول الوصول إلى هذه الحالة، فيكمن في الزهد وقهر الذات، لكي تتناغم النفس مع الكون، كمحاولة للوصول إلى المطلق.. هذا من وجهة نظر أقطاب الصوفية الكبار.

أما الطرق الصوفية، فلديها رؤى مختلفة، تكاد تتفق في ارتباطها الوثيق بالسلطة الحاكمة في هذه المنطقة أو تلك، وهو ما لفت النظر إلى استغلال هذه الطرق ومريديها، لتصبح تحت رحمة الساسة والحُكام.

في أول نشأتها، كانت الصوفية ردة فعل لانغماس الناس في ملذات الدنيا، وما صاحب ذلك من تنافس وصراعات، فكانت العزلة والهروب من الواقع هي الحل الأمثل لأصحاب القلوب المؤمنة، أمام بؤس الواقع من وجهة نظرهم، وبذلك وفرت الصوفية الحماية الأخلاقية والروحية لأصحابها، ومع تعاظم أدوارها، تحوَّلت إلى مدرسة تربوية، لمجاهدة النفس وإعادة تشكيل الشخصية وجدانياً، وفق النموذج الذي رسمه مشايخ الطرق، وطريق الوصول إليه عبر درجات ومقامات وأحوال متفاوتة.

من الفلسفة إلى الواقع

لكن رغم استناد الطرق الصوفية إلى الأسس نفسها التي قام عليها التصوف (الزهد والمحبة والمعرفة والولاية)، والحديث دوماً عن الحد الفاصل بين الديني والسياسي، فإن الواقع ينفي ذلك، فالتصوف ظهر في البداية كحركة سياسية، وليست دينية، ومنذ نشأتها وهي منغمسة في الأحداث السياسية، ومرتبطة بالحاكم السياسي والقوى السياسية، فنشأتها ترجع إلى تطور النظام الإقطاعي الذي دعم وجودها وبنى لها الأربطة والخانقاوات والزوايا وأنفق عليها اتقاءً لأي ثورة ــ النشأة هنا خاصة بالطرق، وقد تحول الفعل الفردي إلى فعل اجتماعي يقوم على الجماهير ــ فالسلطة في العالم العربي تعرف كيف تستخدم حركة مثل الصوفية لديها ملايين الجماهير، لا تتحرك إلا بإشارة من شيخ الطريقة، الذي له سلطة شبه مطلقة على مريديه، وهي آفة عربية استنتجها ابن خلدون في مقدمته، إذ يقول «العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية، من نبوة أو ولاية، أو أثر عظيم من الدين على الجملة، والسبب في ذلك، أنهم لخلق التوحش الذي فيهم أصعب الأمم انقياداً بعضهم لبعض للغلظة والأنفة وبعد الهمة والمنافسة في الرياسة، فقلما تجتمع أهواؤهم».

تاريخ طويل من التواطؤ

الحديث هنا ليس عن التجارب الصوفية الخاصة، التي يخوضها الأفراد، كمحاولة للوصول إلى المطلق، لكن عن طرق لها هيكل تنظيمي يقترب، بشكل أو بآخر، من التنظيم السياسي والإداري للدولة، ولهذه الطرق تاريخها الطويل مع السلطة والأنظمة الحاكمة.. ففي حالة مصر، على سبيل المثال، بدأت هذه المهادنة منذ عهد صلاح الدين الأيوبي، الذي أرسى دعائم الصوفية في صعيد مصر، ليواجه به التشيّع, بينما سعى محمد علي في ما بعد إلى دعم الطرق الصوفية، حتى تسانده ضد علماء الأزهر، ومن المفارقة، أن نجد أن أول مَن أسس مجلساً أعلى للطرق الصوفية، واختار لرئاسته مَن سمّاه «شيخ مشايخ الطرق»، كان اللورد كرومر، المعتمد البريطاني لدى مصر بعد احتلالها في ثمانينات القرن التاسع عشر.

وحديثاً، كانت أكبر مسيرة صوفية لتأييد عبدالناصر، حتى يعدل عن قرار التنحي عقب هزيمة 1967. وفي مايو 1979، صدر العدد الأول من مجلة «التصوف الإسلامي»، التي أطلقت على السادات لقب «الرئيس المؤمن»، والذي ظل لصيقاً به حتى مماته، وحرصت المجلة نفسها في أعدادها الحديثة على تجديد البيعة للرئيس المخلوع مبارك، مع كل دورة من دورات تجديد ولايته. (راجع.. «الصوفية في مصر.. طريقة ومجتمع». نوران فؤاد. دار الهلال).

في مواجهة العدو المُشترك

فرض تهديد الجماعات الإسلامية المتشددة للدولة ضرورة التحالف بين الصوفية والنظام الحاكم، فإلغاء كيان الدولة، كما كانت تريد هذه الجماعات، وتأسيسها دولة إسلامية، كان سيؤدي بالضرورة لإلغاء كل المظاهر والممارسات الصوفية (الموالد/زيارة الأضرحة)، وهي التي تعدها هذه الجماعات بدعاً دخيلة على الإسلام، فكان التحالف غير المُعلن بين الصوفية والنظام، فوجود مُريد من مُريدي أي طريقة صوفية، يُطمئن النظام إلى عدم انضمامه لجماعة مُتشددة.
من ناحية أخرى، كانت الطرق الصوفية تنال اعترافاً رمزياً، يتمثل في حضور شخصيات بارزة في الدولة للموالد الكبيرة، كخيمة ينصبها الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم وقتها، ومرشحي مجلس الشعب، الذين يقومون بزيارة الموالد كجزء من دعايتهم الانتخابية في عهد المخلوع.

(راجع.. «الموالد والتصوف في مصر». نيكولاس بيخمان. المركز القومى للترجمة).

فالنظام السياسي الحاكم في مصر أنشأ المؤسسة الصوفية، وساعدها على الاستمرار والنهوض، حتى وصلت إلى شكلها الراهن، من أجل تثبيت شرعيته السياسية، متخذاً التدين الصوفي أداة في مواجهة التدين الحركي. (جماعات جهادية/إخوان) الذي يعارض النظام.

الوجه الناعم للإسلام

بعدما كشف الإسلام عن وجهه الجهادي، تجاوزت علاقة التصوف بالسياسة المستوى المحلي، لتنتقل إلى العالمي. فالجماعات الإسلامية المتشددة والمتطرفة أصبحت تمثل خطراً كبيراً على المجتمعات الغربية، فبدأت هذه المجتمعات تبحث عن نمط للتدين الإسلامي يخلو من العنف، ويسمو بالقيم الروحية، ووجدوا في التصوف ضالتهم، وكانت أحداث 11 سبتمبر 2001، التي دفعت الولايات المتحدة لإمكانية تعميم الصوفية، بحيث تصبح هي الشكل المثالي والمستقبلي للإسلام، ولتحل محل التنظيمات السياسية المتطرفة، التي أنتجت تنظيم القاعدة وأمثاله، أو على الأقل تحد من وجود وفاعلية هذه الأنظمة، بعدما خرجت عن الدور المرسوم لها، فرأت الولايات المتحدة أنه بإمكان الصوفية أن توائم ما بين الإسلام وقيم الديمقراطية والتصور العلماني في فضائه الواسع، من ثم احتضنت هذا التصور، فكانت جهود بعض المنظمات في الولايات المتحدة لجعل التصوف، هي النمط الديني السائد في العالم الإسلامي مُستقبلا، وذلك في إطار حملتهم الشاملة على الإرهاب. (راجع.. «الصوفية والسياسة في مصر. عمار علي حسن. مكتبة الأسرة)، فأصدرت مؤسسة راند الأميركية للأبحاث تقريرها عام 2007، الذي رصدت خلاله الصراع الغربي مع العالم المسلم وحركاته السياسية، معتبراً أن هذا الصراع لن يتم حسمه عسكرياً، بل ثقافياً، مطالباً في الوقت نفسه بالتعامل مع مَن أسماهم بـ «الإسلاميين التقليديين»، وعرَّفهم بأنهم الذين يقبلون بالصلاة في الأضرحة والقبور، في إشارة واضحة للتيار الصوفي.

كما عقد معهد نيكسون للدراسات الاستراتيجية مؤتمراً في 2003، ودعا إليه باحثين من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، لمناقشة هذه الفكرة، ثم عاودت الولايات المتحدة الأميركية الكرَّة، وعقدت مؤتمراً في 2008، دعت إليه مشايخ من كل أنحاء العالم الإسلامي، لدراسة هذه الفكرة، وإنتاجها على أرض الواقع.

وليس أدلّ من ذلك، ما حدث بالقاهرة في أغسطس 2010، حيث اجتمع 16 شيخاً من شيوخ الطرق الصوفية مع سكرتير السفارة الأميركية، ممثلاً للإدارة الأميركية، وتمَّت مناقشة التنسيق بين الطرفين، بأن تستضيف الإدارة الأميركية على نفقتها شيوخ الصوفية، لنشر الإسلام الصوفي المعتدل بين المسلمين الأميركيين، كما أكد أحد مشايخ الطرق ممن حضروا الاجتماع، أن نموذج الإسلام الصوفي يمثل الإسلام المقبول والمُرحب به في أميركا، لكونه إسلاماً وسطياً معتدلاً، وأكد شيخ آخر متانة العلاقة بين الصوفية والشعب الأميركي. (راجع .. جريدة «المصريون» بتاريخ 2010/8/3).

الأمر لم يقتصر على الولايات المتحدة فقط، بل امتد إلى الغرب عموماً، الذي تعامل مع الحركات الصوفية في العالم الإسلامي، باعتبارها جماعات سياسية وظيفية، يجب دعمها وتقويتها، بهدف ضرب التيارات الإسلامية المتشددة، التي أصبحت تمثل الخطر الأكبر على أنظمة مجتمعاتهم وحضارتهم، التي رعت هذه التيارات المتشددة في مهدها، وتعيد الكرَّة الآن مع وجه جديد، يستمع إلى الموسيقى، ويُنشد الأناشيد، ويسير في ركب ولي الأمر، ويدعو له بالتوفيق على الدوام!

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *