الرئيسية » آخر الأخبار » ألم يحن الوقت لإرادة سياسية حاسمة للقضاء على «شياط» الفساد؟

ألم يحن الوقت لإرادة سياسية حاسمة للقضاء على «شياط» الفساد؟

جابر المبارك
جابر المبارك

محمد الغربللي:
سقط رئيس الجمهورية الفرنسية السابق، نيكولا ساركوزي، في الانتخابات الرئاسية التي جرت منذ سنوات أمام نظيره الاشتراكي فرانسو أولاند، وتم تشكيل حكومة اشتراكية جديدة، لكن أول ضربة تلقتها هذه الحكومة كانت في فبراير 2013، حين قدَّم وزير الخزانة الفرنسي جيروم كاهوزاك استقالته من منصبه على أصداء فضيحة مالية.

وزير الخزانة لم يسرق أو يهرّب أموالاً، فقط كان لديه حساب مصرفي في سويسرا من محصلة عمله السابق، كأخصائي طب في الجراحة التجميلية، إلا أنه سبق أن نفى عام 2012 وجود حسابات مصرفية تخصه بالخارج، لكن المتابعة الصحافية الحرَّة فندت زيف المعلومات التي أعلنها، وكشفت عن وجود حسابات لديه، كما تبيَّن بالدليل القاطع وجود هذا الحساب، واعتبر أن إخفاءه لها تهرب ضريبي، ولابد من مقاضاته.

هناك لديهم هيئة مكافحة الفساد، كما أن لديهم ديوان محاسبة يعمل بكفاءة عالية، فضلا عن أجهزة رقابية، على رأسها البرلمان الفرنسي، الذي أثار أخيرا ضجة كبيرة، ليس بسبب تجاوز مالي أو اختلاس أو تنفيع، بل جرَّاء قيام رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس باصطحاب ابنه معه في طائرة خاصة، لمشاهدة مباراة لكرة القدم في بطولة كأس أوروبا، الأمر الذي اعتبر نوعا من استغلال النفوذ، وقد دفع الاحتجاج البرلماني والصحافي رئيس الحكومة إلى تحمُّل مصاريف اصطحاب ابنه في الطائرة الخاصة ودفع رسومها.

وهكذا، فإن فوق الرقابة البرلمانية، هناك رقابة السلطة الرابعة، بسقف حريتها العالي، فهي التي كشفت كذب وزير الخزانة وإخفاءه حسابه في سويسرا، كما كشفت الكثير من التجاوزات أو التعدي على المال العام.. لا توجد لديهم أخبار أو مواضيع صحافية تشير بالحروف الأولى إلى الأسماء أو مناصبهم بشكل موارب.. يلقون بالأسماء والمناصب كاملة، مادام الشخص المعني يتولى منصبا عاما.. لا يوجد لديهم ش.م. أو س.غ.. إلخ من أحرف أولى للأسماء، كما هي حال صحفنا، بل يعلنون عن الشخص بالاسم والمنصب والصورة الشخصية أيضا.

هذا الأمر لا ينحصر في فرنسا وحدها، بل في جميع الدول التي تحترم شعوبها وتذود عن مصالحه، ليس قولا مرسلا، لكنه واقع مفعَّل على مدار أيام تولي المنصب.. مراقبة ومتابعة من الجهات كافة، أولاها الصحافة الحُرَّة التي لها مطلق الحرية في إلقاء الضوء الساطع مباشرة على أي تجاوزات.

خطوة عادية

مرد هذا السرد، هي تلك الصور التي نشرتها صحافتنا المحلية عن قيام سمو رئيس مجلس الوزراء بتقديم كشف عن ذمته المالية إلى هيئة مكافحة الفساد، والتصريحات التي أطلقها على هامش هذه الخطوة.. بداية، هو لم يقدم جميلا أو يقم بأمر خارق، فهذه الخطوة أمر اعتيادي، تطبيقا لقانون مكافحة الفساد الذي صدر أخيرا.. لم يكن هناك داع لإبرازه بالشكل الذي تم نشره الأسبوع الماضي.. فما قام به لا يعدو خطوة اعتيادية يفترض أن يقوم بها سموه، من دون فلاشات الكاميرات، وهذا هو الأمر الطبيعي.

معنى الفساد

النقطة الثانية، هي أن الفساد لا ينحصر في سرقة أموال، كما فعل المدير العام السابق لمؤسسة التأمينات الاجتماعية طوال سنوات، ووسط صمت مطبق من قِبل مجلس الإدارة، عدا عضو واحد، لم يجد بُداً أمام أبواب الصمت الموصودة بوجهه، من التوجه للنيابة العامة في نهاية عام 2008، لتقديم بلاغ بشأن تلك التجاوزات، ومع ذلك استمر المدير في عمله طوال سنوات أخرى، حتى فاح «شياط» السرقات، وزكمت رائحته الأنوف.. لكن بعد أن تم ما يشبه تسهيل خروجه خارج البلاد، كحال مَن سبقوه من المتهمين في مكتب الاستثمار الكويتي في لندن، والناقلات الكويتية، وهي القضية التي رست أخيرا على «سجين واحد»!

نقول إن الفساد لا ينحصر في الاختلاس المباشر، بل يتعداه إلى أكثر من ذلك، إذ يشمل المناقصات التي تفوح منها رائحة التنفيع، كمشروع مستشفى الجهراء، وأيضا مطار الكويت، وقبلهما محطة مشرف، والقائمة تزيد وتفيض.

أما الأسباب، فهي هذه التعيينات التي تأتي بالبراشوت، بعيداً عن التخصص، كهيئة الغذاء، التي عُينت فيها أسماء لأعضاء مجلس الإدارة، وهم بعيدون كليا عن مجال الصحة أو الغذاء.. هي أيضا تلك المبالغ التي دُفعت لعدد من النواب السابقين والعائدين لكراسيهم البرلمانية، بطريقة جرى ما يشبه إخفاؤها.. هي في النهاية قائمة طويلة من ممارسات فاسدة مع استغلال للنفوذ وعمليات تنفيع، وغيرها من المصطلحات المتعلقة بالفساد.

المكافحة

ما لم تكن هناك إرادة سياسية حاسمة لمواجهة الفساد، فالصور والبهرجة لا تعني شيئا على الإطلاق.. وللعلم، فإن هيئة مكافحة الفساد في العراق تم إنشاؤها قبلنا بكثير، هيئة متكاملة بأعضائها، لكن وضع هذا البلد مزرٍ، لدرجة قارب فيها على الإفلاس، من جراء الفساد، حيث تقدر المبالغ المختلسة بـ 30 مليار دولار، وقد ذهب الكاتب زهير الدجيلي إلى أبعد من ذلك في مقالته المنشورة في «القبس» الأسبوع الماضي، بتقديره قيمة المبالغ المختلسة بنحو 700 مليار دولار.

إذن، عملية مكافحة الفساد، ليست بإنشاء هيئة أو تنفيذ قانون ونشر الصور على الصفحات، بل بإرادة سياسية، تخط هذا النهج وترسخه على مدار عقود، مع إعطاء السلطة الرابعة حريتها الكاملة في فضح حالات الفساد، على الكبير قبل الصغير.. هذا إن كنا حقا نريد مواجهة الفساد.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *