الرئيسية » آخر الأخبار » جمال الغيطاني.. رحيل «التجليات» والولادة في زمن آخر

جمال الغيطاني.. رحيل «التجليات» والولادة في زمن آخر

جمال الغيطاني
جمال الغيطاني

كتب محمد جاد:
يُعد رحيل الكاتب الكبير جمال الغيطاني (9 مايو 1945 ــ 18 أكتوبر 2015) خسارة للأدب العربي، فلا أحد يستطيع أن يُنكر مُنجزه الأدبي، بغض النظر عن بعض التفاوت في أعماله، فالرجل أسس لشكل جديد للرواية العربية، وما قدمه يُعد إضافة كبيرة إلى الأدب العربي، والسعي به عدة خطوات، من تطوير البنية واللغة والأسلوب. بداية من الاستناد إلى التاريخ المصري، وفتراته المظلمة، وخلق حالة دائمة من التناص الزمني، ما بين زمن الرواية الخيالية، التي يُعيد تشكيلها وفق الموروث التاريخي، وزمن اللحظة الراهنة، التي كُتب في ظلها العمل الأدبي.

غلاف روايته
غلاف روايته

الأمر الآخر، الذي شغل الراحل في كتاباته، هو تفسير وتأويل وقائع العصر الحديث، وكأن السرد الخيالي يحاول أن يلتمس ويلحق بالواقع الذي يفوقه.. وإلى جانب ذلك، تتبدى اللغة والبناء الصوفي، الذي أصبح جزءا لا يتجزأ من بنية الرواية وعالمها، من دون إقحام أو مزايدة.

لا نستطيع القول إن كل أعمال الغيطاني جاءت بالمستوى نفسه، وبالتالي لم تلقَ النجاحات نفسها أو الانتشار ــ بغض النظر عن دعاية الصحف الفارغة ــ إلا أن هناك عدة أعمال تعد علامة فارقة في مسيرته الروائية، ومسيرة الرواية العربية بوجه عام، منها على سبيل المثال: أوراق شاب عاش منذ ألف عام 1969، الزيني بركات 1974، وقائع حارة الزعفراني 1976، خطط الغيطاني 1978، التجليات (الأسفار الثلاثة) 1990.

وفي ما يلي شهادات لبعض المثقفين وكُتّاب الرواية عن الرجل وعالمه:

تحت هذا العنوان، يقول كاتب السيناريو والمدرس بالمعهد العالي للسينما أشرف راجح عن عالم الغيطاني: «كان أساطين الموسيقى الشرقية قديما يلمزون على مطرب أو مطربة ما بأنه يغني بما يُعرف موسيقيا بالصوت «المستعار» (أي الصوت الذي لا يأتي مباشرة من الحنجرة، وإنما من تجويف الأنف أو الصدر أو البطن).. ورغم أن هذا الأمر كان مُعتداً به تماماً فى الغناء الغربي وأصوله في الأوبرا الإيطالية بمواضع ما تحت مُسمي «فالستو»، لكنه كان مُنتقداً تماماً فى الغناء الشرقي، باعتباره يفقر الغناء من الاحساس و«السلطنة»، حتى جاءت الأسطورة فيروز، لتحطم هذه الدعاوى، بإحساسها و«سلطنتها» وصوتها «المستعار».

وهو ما جرى مع الفارس العملاق الذي ترجَّل عن جواده بالأمس القريب، القريب الأديب الكبير جمال الغيطاني، الذي بدت لغته في البدايات كأنها صوت «مستعار» من الماضي.. من نصوص المؤرخين العظام بالدولة المملوكية، كالمقريزي وابن تغري بردي وابن إياس على الأخص، وهذه اللغة لم تسعفه طويلا، لكنه استطاع أن يقيم صرحا عملاقا من الأدب الفذ الفريد بهذا الصوت وتلك اللغة، بل ويقدم اختراقا متوهجا يتحرك به في حركة حرة عبر الأزمنة والأماكن والبلاد، وكذلك القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، بما فيها أكثرها معاصرة، ويطرح فلسفته الهادئة وتأملاته الإنسانية العذبة في المشاعر وفي البشر، بذات الصوت الذي يأتي كخرير ماء وادع ينساب بأحد أسبلة شارع المعز، وحين نسمعه في البرنامج التلفزيوني، الذي كان يقدمه على التلفزيون المصري وهو يتجوَّل بين حنايا القاهرة الإسلامية، بين الحارات والمساجد والأسبلة والمدارس، ندرك السر: هذا الرجل لم يكن يستعيد ماضيا ولَّى أو تاريخا محفوظا.. إنه يحكي عما «عاشه» فعليا.. إنه صوت «أصيل» لرجل «عاش منذ ألف عام»، وسيبقى حيا».

عن شاب عاش ولم يمت

من ناحية أخرى، يذكر الكاتب والروائي فتحي سليمان، جمال الغيطاني، مُستحضراً وجوده الذي لم يختفِ بهذه العبارة «ميتاً خلقت، ولم أكن من قبلها شيئاً يموت، فمت حيث حييت»، مضيفا: «عندما تم الوعي وآل الأمر إلى الانقضاء، تذكرت أن جمال كان يردد دائماً أن النهاية في البداية، ولحظة تهدم البنيان تتحدد عند تشييده، وموت الإنسان يبدأ عند ولادته، كم كان قنوعاً بهذه الفلسفة، وكم كان حالماً حين صرَّح للمقربين منه، بأن الرحيل لا يعني الموت، بل هو لقاء مَن سبقوه هناك.. هناك في الأرض الحقيقية للصبابة والوجد». هنيئاً لك يا جمال بسنوات عمرك الألف، وساعات نومك الهانئة، وحضورك القوي في الفراغ وهيامك الغامض بالتساؤلات.

نعلم جميعاً أنك كنت ترى ساعة الافتراق، وكنا نتساءل: لماذا يبدو مهموماً ومتقدماً عن سنوات عمره؟ ومع الوقت أدركنا أن نظرتنا للسنين لا تتعدى ما عاصرناه من أحياء عاشوا بين جنبات الرقم مئة، فما بالك بشاب عاش ألف عام وقال لمن حوله: «لو مت ع السرير ابقوا احرقوا الجسد ونطوَروا رمادي ع البيوت، شوية لبيوت البلد وشوية ترموهم على «تانيس» وشوVية حُطّوهم في إيد ولد، ولد أكون بوسته ولا أعرفوش»/من أشعار سيد حجاب.

عالم جمال الغيطاني

ونختتم الموضوع بكلمات للغيطاني نفسه، يصف فيها كيفية تخطيه عتبة هذا العالم، إذ يقول «أعتقد كلما تقدّم الكاتب في السن، شعر أكثر بالزمن، فمشروع «التجليات»، مثلاً، مُنطلقه وفاة والدي، لكن مع تقدم العمر وشعوري بالزمن، بدا لي أنه تحدث حالة من إعادة النظر والتعلق بما يفنى، فبدأت مشروعاً طويلاً اسمه «دفاتر التدوين» وجزؤه الأول «خلسات الكرى»، ينطلق من مقولة صوفية: «ماذا يمكن أن يكون لو أن ما لم يكن كان»، فمثلا أنت تلتقي شخصاً في مكان ما صدفة، أو تقع عيناك على سيدة جميلة في مطار أو في أحد القطارات، ثم يمضي كلٌ إلى حاله. وأنا هنا أنطلق من ماذا لو أن علاقة بدأت في هذه اللحظة؟ وأنطلق إلى المُتخيَّل، ومن هنا يدخل العجائبي في الواقعي، والدفتر الثاني «دنا فتدلى» يتعلق بالقطار، وأكتب عن القطارات التي تعاملتُ معها في حياتي، وتكون الذات هي المُنطلق، وهناك بعض الوقائع حقيقية وبعضها متخيّل، ويكون القطار هو المدخل لفهم الحياة والواقع، وربما اخترت القطار، لأننا كجنوبيين لنا تعلق خاص بالقطار، إذ يمثل لنا الحنين والعودة إلى الأصول. وفي الدفتر الثالث «رشحات الحمراء» اكتشفتُ مع العُمر أن أي إنسان له مرجعية مختلفة، أي أنه قد يكون عرف الحب وعمره أربع سنين مثلاً، وهذه الحبيبة الأولى، هي التي ستحدد مساراته في ما بعد، تجاه مَن يُحب أو يخفق لهن قلبه. فـ «رشحات الحمراء»، هي تداعيات الحبيبة الأولى، ومحاولة الوصول إلى أصل انطلقت منه، وهي فكرة صوفية أساسية، إذ التقى عندي التدوين الذاتي بالتجربة الصوفية. وفي الدفتر الرابع «نوافذ النوافذ» أكتب عن الحياة، من خلال النوافذ التي طللت منها، طَلاً واقعياً أو مُتخيّلاً.

وأشير هنا إلى أنه عندما تستعيد واقعة من طفولتك، فإن الحقيقي عادة يختلط بالمُتخيَّل، أو أُكمِل الحقيقي بالمُتخيّل، الذي كنتُ أتمنى أن تكون عليه.
والدفتر الخامس «نثار المحو» يعتمد على اصطياد اللحظات المُتناثرة، التي أفلتت من المحو.

ببلوغرافيا

جمال الغيطاني من مواليد جهينة بمحافظة سوهاج – جنوب مصر في عام 9 مايو 1945. انتقل إلى حي الجمالية بمصر القديمة، وتلقى تعليمه بمدارسها، حتى التحق بمدرسة العباسية الثانوية الفنية، التي درس بها ثلاث سنوات فن تصميم السجاد الشرقي وصباغة الألوان، وتخرج فيها عام 1962. تم اعتقاله في أكتوبر 1966، وأطلق سراحه في مارس 1967. عمل مراسلاً حربياً، من خلال مؤسسة أخبار اليوم من عام 1969 حتى عام 1974. كما شارك في تغطية الحرب اللبنانية، وكان على الجبهة العراقية خلال الحرب مع إيران. بعدها، انتقل إلى قسم التحقيقات، وفي عام 1985 أصبح رئيساً للقسم الأدبي بالجريدة نفسها. أسس ورأس تحرير جريدة أخبار الأدب عام 1993. تحوَّلت العديد من أعماله إلى شاشة السينما والتلفزيون، مثل فيلم حكايات الغريب، فيلم أرض أرض، مسلسل الزيني بركات.

الجوائز

– جائزة الدولة التشجيعية للرواية 1980.
– وسام الاستحقاق الفرنسي من طبقة فارس 1987.
– جائزة سلطان العويس 1997.
– وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى.
– جائزة لورباتليون لأفضل عمل أدبي مترجم إلى الفرنسية عن روايته التجليات 2005.
– جائزة جرينزانا كافور للأدب الاجنبى – إيطاليا 2006.
– جائزة الدولة التقديرية 2007.
– جائزة معهد العالم العربي بباريس، عن قصة نثار المحو 2009.
– جائزة النيل للفنون والآداب 2015.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *