الرئيسية » قضايا وآراء » ناصر العطار : ماذا تعني أمانينا للفنانين العمالقة بالتعاون؟

ناصر العطار : ماذا تعني أمانينا للفنانين العمالقة بالتعاون؟

ناصر العطار
ناصر العطار

يُقال كثيرا، إن أغنية «أنت عمري»، لأم كلثوم، التي لحَّنها محمد عبدالوهاب، جاءت بعد طلب من الرئاسة المصرية، آنذاك، وبعد محاولات من آخرين، تمنوا على المطربة العظيمة والموسيقار العبقري، أن يتعاونا، فظهرت أغنية أطربت لها الدنيا منذ عام 1964 ولغاية اليوم.. هذا الطلب أو التمني، كان في محله في ذلك الوقت، وفي تلك الأجواء، التي كانت فيها أم كلثوم وعبدالوهاب في عز عطائهما، لكن حين يمضي قطار العمر، ويقل العطاء الفني، يصبح تمنٍ مثل هذا أقرب إلى الإلحاح المضر.

أكتب هذا المثال وأُسقطه على النوايا الطيبة، التي يمتلكها هؤلاء، الذين يتمنون أن يعاود عمالقة الفن الكويتي التعاون الآن في أعمال فنية؛ مسرحية كانت أو تلفزيونية أو إذاعية، تحت ظن، أنها قد ترسم على شفاه الناس البسمة والضحكة، كما رسمتها سابق أعمالهم مرات ومرات، وتركت أثرها في نفوس أجيال وأجيال، لما حملته من تلقائية في الأداء، وعدم تشتيت في القصص.

ربما تكون منطلقات النوايا الطيبة شيئا، ومتطلبات الواقع شيئا آخر، فهل نستطيع إلزام الفنان الذي أفنى شبابه في الإبداع، أن يستعيد كامل طاقته مثلما كانت؟ هل ينفع أن نجمع بعض النجوم الكبار، لتحضير أجزاء ثانية لأعمالهم الفنية، وتمثيل أدوار تجاوزونها، وفق أعمارهم الحقيقية؟ وهل نستطيع أن نمنع الفنان القادم بحيويته من الانطلاق والتجربة؟

من الأفضل، أن نكون منصفين مع أوطاننا ومع الفن وأهله، فلا نتشاءم من الأعمال الفنية الجديدة ونفقد الأمل بها، ولا نبكي على الأعمال الفنية القديمة، أو ننفيها كليا من العرض.
إن الإنصاف مع وطننا، يعني أن نعرف كيف نحافظ على وجوده، ونجدد نشاطه، حتى لا يذبل ويسقط، وعلينا أن نجدد نشاطنا، ليتجدد نشاطه، فوجودنا من وجوده، وسقوطنا من سقوطه.

يأتي الفن كأحد أهم عوامل حماية وجود الوطن، إذا أخلص الفنان في الهدف، وتجرَّأ في القول، ودافع عن حقوق المجتمعات، وتفاعل معها، وليس عن أهداف كثير من الحكومات المغلفة، ربما بكلمة شكر أو درع تكريمية، وإذا كنا نتحسَّر على ما قدَّمه الفن الكويتي من روائع ماضية، فإنه من العدالة، أن نسأل أنفسنا بصراحة؛ أليس الفنان منتج عصره، كما يُقال؟
كيف يبدع الفنان، ورقابة وزارة الإعلام شديدة وخانقة؟ وكيف يتلمس الفنان التحديات ويناقش الحلول في مجتمع يتصوَّر أنه مثالي؟
نعم، على الفنان ألا يعتقد أنه سينال رضا الجميع، لأن الفن ثقافة، وليس بالضرورة أن يتوافق جميع الناس على ما يبديه الفنان من رأي وثقافة، وعليه أن يتقبل النقد والاختلاف في الرأي، ويتعلم من الأخطاء، ولا تغريه النجومية، قبل أن يغريه النص المكتوب بعناية، لكن على المجتمع الديمقراطي أن يتيح للفنان حرية التعبير، فهذا حقه الذي كفله دستور وطنه.

على المجتمع أن يواصل تحركاته السلمية، التي تهدف إلى تغيير أحواله، التي لا تحقق مصلحته العامة، مهما كانت هذه التحركات بسيطة ومتواضعة، ما يؤثر في فكر الفنان شيئا فشيئا، ويجعله يهتم بالحسّ الشعبي.
لنسأل أنفسنا، أيضا؛ هل عمالقة الفن اليوم وُلدوا في عالم الفن كعمالقة من دون أن يتدرَّجوا في الخطوات، أو يمروا على محطات فنية فاشلة؟ متى سنثق بجيل فني جديد له الحق، كما كان لسابقه، في أن يتقدم ويقول رأيه من دون أن نشتكي منه، أو نشتمه في مواقع التواصل الاجتماعي، أو نشكك في أخلاقه، أو نعيب عليه أصله، أو نكفره ونتطرَّف ضده؟

إن أمانينا بعودة الثنائيات الفنية الجميلة العتيدة تعني بوضوح – مع شديد أعجابي بأعمالها واحترامي لتاريخها- أننا مجتمع عقيم، لم يعد ينجب المبدعين، وجامد، يهرب من واقعه، ويرفض نفسه، ولا يعترف بشبابه، ومن يهرب من واقعه، سيجد نفسه، آجلا أم عاجلا، أمام مشاكله.

هناك جيل فني ناشئ يمضي في بروزه، ربما لم ينل إعجاب أغلبنا بعد، لكنه يجتهد كل سنة في المسرح والتلفزيون والإخراج والموسيقى وغيرها من أوجه الفنون المتعددة.. يمضي في تجسيد حقيقة مجتمعنا، التي مهما أنكرناها، إلا أنها تبقى حقيقة علينا الاعتراف بوجودها، حتى نغير نمطها، لو كنا مختلفين معها.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *