الرئيسية » ثقافة » ضمن إصدارات سلسلة المسرح العالمي: «المسرح القصير».. الأشكال الكلاسيكية وكيفية التمرد عليها

ضمن إصدارات سلسلة المسرح العالمي: «المسرح القصير».. الأشكال الكلاسيكية وكيفية التمرد عليها

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

كتب محمد جاد:
«لم يبقَ ما يُقال»!.. بهذه العبارة الموجزة والبالغة الدلالة، يضع صمويل بيكيت حداً فاصلاً بين أشكال مسرحية كانت، وأشكال وعالم جديد سوف يسير المسرح على غراره طويلاً، ويصبح التجريب هو المجال الأكثر صعوبة، من حيث شكل ومضمون النصوص المسرحية.

وفي الكتاب الصادر حديثاً عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت، سلسلة المسرح العالمي، عدد «سبتمبر/نوفمبر 2015» في 259 صفحات، بعنوان «المسرح القصير»، يتم استعراض أفكار وبدايات هذا الشكل المسرحي، والظروف الاجتماعية والسياسية التي أوجدته، كطريقة للتعبير الفني المغاير للشكل الكلاسيكي للمسرح.

الكتاب عبارة عن دراسة مطولة ترجمها منتجب صقر، عن عدة دراسات مُختارة، إضافة إلى نماذج من نصوص مسرحية تمثل هذا الاتجاه في الغرب.

على مدى تاريخ المسرح ظهرت أشكال مسرحية قصيرة عديدة في أوروبا، كالكوميديا الهزلية/الفارس، التي لاقت نجاحاً كبيراً في القرون الوسطى، والتي كانت تعرض في المهرجانات والأسواق الشعبية.
من ناحية أخرى، نجد مسرحيات ماريفو في فرنسا القرن التاسع عشر، وألفردي دي موسيه وموليير. إلا أن هذه الأشكال الدرامية كانت تقلد في شكلها وبنيتها المسرحيات الطويلة، إضافة إلى ذلك، نجد المسرحيات القصيرة في نصوص المعاصرين،
كتشيخوف، الذي تميَّزت مسرحياته القصيرة، بأنها متأثرة بالسرد القصصي، وخاصة أنه حوَّل العديد من نصوصه القصصية القصيرة إلى نصوص مسرحية.

شريحة الحياة

يُعد مفهوم «شريحة الحياة» مقابلاً لمفهوم المسرحية ذات الحبكة، التي عبَّر عنها الناقد الفرنسي جان جوليان في كتابه «المسرح الحي»، بأنها تعبير جديد للشكل المسرحي القصير أو المختصر، وهنا لا يوجد حدث، فلا نبدأ من نقطة واضحة وننتهي بنقطة محددة، فهي مشاهد مأخوذة عن الحياة الواقعية ومنفصلة بعضها عن بعض، وبهذا يُعد هذا الشكل خروجاً على قواعد المسرح الكلاسيكي الأوروبي، التي أرساها أرسطو في كتابه فن الشعر.. فجمالية شريحة الحياة تعطي الأهمية لعامل المفاجأة، وتهاجم الحتمية المُتعارف عليها في المسرحيات ذات النهايات التقليدية.

الشكل الدرامي الجديد

نادى أوغست ستريندبرغ بهذا الشكل في مؤلفه النقدي (الدراما الحديثة والمسرح المعاصر) عام 1889، اعتماداً على بنية المسرحية ذات الفصل الواحد، التي تأخذ حيزاً زمنياً حوالي 15 دقيقة.. هذا التغيُّر في الزمن أعاد النظر في التعريف الأرسطي للتراجيديا، والقواعد الكلاسيكية في المسرح من زمن عرض وحبكة وحل العقدة في النهاية، فكان لابد من اختصارات للفعل والزمن في العرض المسرحي، من خلال مشهد واحد ينوب عن المسرحية المجزأة إلى فصول، وطال تجديد ستريندبرغ الحوار، الذي أصبح لا يقتصر على كونه انعكاساً للحوار في الحياة اليومية، بل تعداه، ليصبح محل حوار الشخصيات الظاهر، في شكل منولوج داخلي، وهو ما عُرف بـ «الضمير الحي»، و«الموضوع الملحمي».
فالتركيز الدرامي هنا بلغ مداه، بتجاوزه الفصل الواحد، واستقراره في المشهد الواحد. وهنا يقول ستريندبرغ «في كل دراما يوجد مشهد وحيد، هذا ما أريده».

المسرح اللاحركي

ويضيف موريس ماترلينك سمة أخرى للمسرح القصير، من خلال نصوصه المسرحية «العميان والدخيل» عام 1890، وهو هنا لا يصف تطور نزاع أو علاقة عاطفية، بل يواجه المتفرج منذ رفع الستار بحالة أو موقف غير قابل للتطور/لا حركي، فلا يوجد حدث، بل فقط التركيز على الحالة الدرامية، ولا يوجد جدل حواري يدفع بالأحداث أو يبحث لها عن حل، ليجد المتفرج نفسه في النهاية في مواجهة حالة مسرحية لا مَخرج منها. فالأمر هنا يبدو كعرض تفاصيل قصة قصيرة أمام الجمهور.

حالة بيكيت

تأتي تجربة صمويل بيكيت في المسرحيات القصيرة، من خلال مجموعة من النصوص أطلق عليها «دراماتيكول»، أي الدراما القصيرة، وهي: خطوات 1975، سولو 1980، ارتجالية أوهيو 1981، كارثة 1982، وماذا أين 1985. وتتسم هذه النصوص بتقاطع الأشكال والأنواع الأدبية، والتعامل الدقيق مع الزمان والمكان، والجدل الدائم بين علاقة الحاضر بالماضي، لينتهي الأمر إلى حد اللامكان واللازمان، الذي سبق أن طرحهما في مسرحيته «في انتظار جودو».
في هذه النصوص يندر الكلام، ويُترك المجال لجسد الممثل، الذي بدوره يحفظ تماماً في حركته وصوته، تعبيراً عن حالة العدم التي جسدها بيكيت في أعماله.

المسرح القصير في العالم العربي

ويُلقي المترجم نظرة سريعة إلى النصوص القصيرة في العالم العربي، مشيراً في البداية إلى أن مصطلح «المسرحية القصيرة» يغيب عن اللغة العربية والمعاجم المتخصصة، ويعود الفضل لكتاب المسرح الأول، كتوفيق الحكيم، يحيى حقي وخليل هنداوي. ثم يأتي الجيل الثاني، مثل: سعدالله ونوس، كما في «حكاية جوقة التماثيل»، ألفريد فرج في «صوت مصر» و«جواز على ورقة طلاق»، وليد إخلاصي في نصوصه «أغنيات الممثل الواحد»، و«قطعة وطن على شاطئ قديم»، والعديد من الأسماء الأخرى، مثل: عصام محفوظ، عبدالغفار مكاوي، شاكر السماوي، محفوظ عبدالرحمن عبد الكريم المناع وآخرين.

نصوص مهمة

يعرض منتجب صقر للعديد من النصوص القصيرة الغربية المهمة، كصلاة من أجل بتول لوليم فولكنر، أحدهم سيأتي للنرويجي جون فوس، الحب المستحيل للفرنسي أندريه بينيديتو، غرف للفرنسي فيليب ماينيانا، وصمت الشيوعيين للفرنسي جان بير فانسان. ثم ترجمة كاملة للنصوص المسرحية: الغرف والممر لفيليب مينيانا، أناتول فيلد للسويسري هيرفي بلوتش، وقرطاج مرّة أخرى للفرنسي جان لوك لاغارس.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *