الرئيسية » حبيب السنافي » حبيب السنافي : موضوعية الجريمة

حبيب السنافي : موضوعية الجريمة

حبيب السنافي
حبيب السنافي

تعرُّض الكويت لجريمتين منكرتين وفريدتين من نوعهما – جريمة تفجير مسجد الإمام الصادق وجريمة ما يسمى خلية العبدلي – خطب جلل، يتطلب من سلطات البلد التفكير والبحث، ملياً، في إرهاصاتهما وتداعياتهما الداخلية والخارجية، كما يتطلب الأمر مراجعة جادة في كيفية تعاطي الإعلام بالذات مع وقائع الجريمتين.

الجريمتان يعوزهما التوصيف الجنائي الدقيق، فالأولى جريمة إرهابية ذات طابع ديني تكفيري، المتهمون فيها من جنسيات مختلفة، والتهم الموجهة تتضمَّن القتل العمد مع سبق الإصرار، والشروع في قتل آلاف الأشخاص، والانضمام إلى جماعة محظورة تناهض سلطات الدولة، فالجريمة هنا إرهابية وتكفيرية بالدرجة الأولى، لأنها موجَّهة من عصابة تعتنق فكرا دنيئا، نحو طائفة تعتقد فكرا دينيا مخالفا.

هنا تبدو الأمور محددة أكثر في فهم طبيعة الجريمة ودوافعها وأسبابها وتحديد المسؤولية الجنائية على عصابة متطرفة هائجة، يلتبس على الكثير بأن يحلل ويصف فكرها بالتعميم والشمولية للطائفة المنتمية لها، وهذا وصف مجافٍ للواقع، فالحقيقة أن هناك فرقاً جلياً بين التيار الإسلامي التقليدي والأفكار المتشددة لتلك العصابة، ومن الزلل والخطيئة أن نوجه أصابع الاتهام لكل مَن يعتنق فكرا دينيا، ونطالب بمحاكمته.

أما الجريمة الأخرى – خلية العبدلي- فتختلف توصيفاً، كما ذكرنا في المقدمة، عن الجريمة الأولى، فهي جريمة سياسية بالدرجة الأولى، وكان من الضروري التعاطي في شأنها، أمنياً وإعلامياً، بأداء مغاير لما جرى.. ففي القضية المتهمون مواطنون، ووجهت لهم تهمة التخابر مع أطراف خارجية مؤثرة إقليمياً – إيران – وميليشيا حزبية – حزب الله – لها امتدادها الفكري وذراعها العملياتية خارج لبنان، كما تضمن نص الاتهام بند القيام بأعمال عدائية ضد الكويت والمساس بوحدة وسلامة أراضيها.

هنا تبدو الوقائع تأخذ منحى أشد خطورة وعدوانية لأمن وسلامة البلد، وبيان تهم النيابة العامة له صداه في نفوس البعض، ممن ينظر للأمور نظرة طائفية بحتة، ويتصيَّد الفتن بالمياه العكرة.

وسائل التواصل الاجتماعي أخضعت الشائعات والأخبار المفبركة لهيمنة الأفراد، وأمسوا وكالات أنباء حرة، فكان دورهم سلبياً في تجييش وإثارة المشاعر المكبوتة، والتركيز على طائفية الجريمتين، مع قصور إعلامي رسمي لحصر كل جريمة في نطاق ضيق، بوصفها جرائم جنائية – قتل وحيازة أسلحة – وإبعاد النفس الطائفي عنهما، وعدم تسييسهما قدر الإمكان، والنظر للجرائم بموضوعية، بعيداً عن حوافزها ودوافعها، لأن ذاك محله المناهج الدراسية ومواعظ المساجد والتنشئة الاجتماعية.

وحتى نكون أكثر قرباً للواقعية والعقلانية، نلحظ أن الأحكام القضائية الأخيرة لمنفذي تفجير مسجد الإمام الصادق أوجبت صك البراءة لنصف أعداد المتهمين، ما يستدعي وجوب حرصنا على التعامل مع الأحداث الدامية بميزان التعقل والتروي والبت في إطلاق التهم جزافاً، حتى يقول قضاؤنا النزيه كلمة الحق الدامغة.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *