الرئيسية » قضايا وآراء » عبدالله النيباري : بعد ما شهدناه من تصعيد أمني ومحاولات لتعديل الدستور.. هل سنصبح بحرين أخرى؟

عبدالله النيباري : بعد ما شهدناه من تصعيد أمني ومحاولات لتعديل الدستور.. هل سنصبح بحرين أخرى؟

عبدالله النيباريالمنظر الذي عكسته صورة سبعة من أفراد القوات الخاصة (عالم اليوم 2013/1/6)، وهم يحاوطون أحد الشباب (سلام وليد الرجيب)، ويتبادلون ضربه بالعصي، كان أمراً مرعباً، وخصوصاً أنه جاء بعد افتتاحية جريدة الراي (الجمعة 1/4)، التي تناولت فيه تشخيصاً موضوعياً دقيقاً لحالة التأزم في الكويت، وأرجعت أسبابها إلى فقدان الرؤية، وسوء الإدارة، وعدم القدرة على التعامل مع المتغيِّرات في الساحة، وأهمها قضية التعامل مع الشباب، وشعورهم بعدم الرضا، الذي تحوَّل إلى حالة غضب، عبَّروا عنها بحراك تلقائي، قد لا يكون مثالياً، وقد لا يرضى عنه البعض، وقد تكون عليه مآخذ كثيرة، لكن ما لا يجوز تجاهله، هو أنه يعبِّر عن حالة اجتماعية سائدة وواسعة، فعدم الرضا عن حال البلد، والشكوى من سوء الإدارة التي «حذفت» الكويت إلى مؤخرة الركب، هو أمر شائع بين جميع شرائح المجتمع، وإن اختلفت طرق التعبير عنها.

لكن بعد كل ذلك، فإن المنظر الذي عكسته الصورة يُثير مخاوف عميقة، فهل نحن بصدد تحوُّل من مشروع بناء دولة القانون إلى دولة القمع بالعصا الأمنية الغليظة، وبالقنابل المسيلة للدموع والتوسع في الاعتقال والحجز، الذي سيشمل النساء والفتيات، بإنزال الشرطة النسائية؟

ثم تعرض من اعتقل من الشباب للخطف من الشوارع، كما حصل مع خالد الديين وحمد الدرباس.. فهل هذا هو مشروع النهضة الذي تعدنا به السلطة؟!

وإذا أضفنا إلى ذلك المشاريع المطروحة في قاعة عبدالله السالم، من اقتراحات بتغليظ العقوبة على المساس بالذات الأميرية، بصيغ مطاطة تسمح بالتفتيش في النوايا، والأخطر ما يطرح من اقتراحات لإدخال تعديلات على الدستور، وهذا يُعيدنا لمسألة أساسية تتعلَّق بالنظام السياسي، الذي توافق عليه الكويتيون وحاكم البلاد المغفور له الشيخ عبدالله السالم، وسطر في دستور 1962- والذي كما جاء في مقال جريدة الراي يسمح بالتطوُّر إلى نظام ديمقراطي ملكي دستوري كامل الدسم ودولة مدنية بأحزاب تنافس ببرامجها في الانتخابات ومجتمع مدني فاعل ونشط.

لا بد أن يبرز السؤال: هل نحن مقبلون على تغييرات في هذا النظام تعيدنا إلى الخلف، بدلا من التقدُّم إلى الأمام؟ وهل نحن أمام احتمال استدعاء تطبيق النموذج المعمول به في البحرين، لتكرار ما حدث عام 1976، بحل مجلس الأمة – آنذاك – وطرح مشروع تنقيح الدستور، اقتداءً بحل المجلس المنتخب عام 1975 في البحرين، وتعليق دستور 1973؟

نظام دستوري

طوال الخمسين سنة الماضية، تميَّز النظام السياسي في الكويت عن بقية دول الخليج والجزيرة، بأنه نظام دستوري يُدار بالقوانين، ويسمح بهامش لا بأس به من الحريات – حرية التعبير وحرية الصحافة وحرية تكوين الجمعيات والنقابات – ثم زاد عليها تمكين المرأة من ممارسة حقوقها السياسية، بالإضافة إلى مساواتها مع الرجل، وهي مكاسب للمواطن الكويتي، تميَّز بها عن دول المنطقة، ما حقق له الاستقرار وندرة استعمال العنف والقمع وغياب ظاهرة مساجين الرأي. طبعا لم يكن ذلك بصورة كاملة، فقد صادفت المسيرة عقبات وعثرات، لكنها بقيت متميِّزة عن دول الجوار.

هذا التميُّز كان مصدر قلق للأنظمة المحافظة، وكانت الكويت تعد استثناءً ونظاماً شاذاً بمعنى الشذوذ عن قواعد ضبط الأوضاع في دول المنطقة التي لا يسمح في بعضها حتى تشكيل جمعيات النفع العام.

التجربة البحرينية

بالمقارنة مع ما توافر من استقرار أمني واجتماعي للكويت، عانت البحرين اضطرابات متواصلة منذ أيام هيمنة الضابطين الإنكليزيين بلغريف وهندرسون قبل الاستقلال إلى هذه الأيام، التي تشهد البحرين فيها صِدامات بين قوى الأمن والجماعات الشعبية المطالبة بالإصلاح السياسي.

في أيام بلغريف وهندرسون تعرَّضت القوى الوطنية الإصلاحية للاعتقالات والمنافي، كما حصل مع زعماء الاتحاد الوطني، عبدالرحمن الباكر وعبدالعزيز الشملان وكمال الدين ورفاقهم.

وبعد إعلان استقلال البحرين عام 1970، وإعلان الدستور وانتخابات البرلمان عام 1973، وعودة الأحياء من المنافي، تنفس أهل البحرين الصعداء، بانبثاق عهد جديد، إلا أنه ما لبث أن عادت الأمور إلى سابق عهدها، بعد حل المجلس عام 1975، والعودة إلى استخدام العنف والاعتقالات والسجون وهروب الناشطين إلى المنافي، واستمرت حالة عدم الاستقرار.

وبعد مجيء الملك حمد بن عيسى إلى سدة الحُكم عام 1999، بادر بطرح برنامج إصلاحي توافقي، عاد على أثره كل المنفيين في الخارج، وسمح بتأسيس الجمعيات السياسية، وطرح برنامج الميثاق الوطني، كأساس للإصلاح حظي بالإجماع، لكن عند إعلان الدستور تبين أنه لم يكن متوافقاً مع الوعود التي تضمنها الميثاق الوطني، وكانت المطالب هي العودة لدستور 1973، لكن الدستور تضمَّن إنشاء مجلس شورى معيَّن، يتقاسم سلطة التشريع مع المجلس المنتخب الذي قيِّدت صلاحياته.

 قاطعت بعض القوى السياسية انتخابات عام 2002، احتجاجاً على الخلل في الدستور، ثم عادت كل القوى للمشاركة في انتخابات 2006، ثم انتخابات 2010.

كما عادت القوى السياسية للمطالبة بتصحيح الوضع، والعودة إلى ما يشبه دستور 1973، وانتقلت المطالبات إلى الشارع في فبراير 2011، مع موجة الربيع العربي.

ومرَّ الآن ما يقارب السنتين، والوضع في البحرين يزداد اضطراباً، وهنا نعود لما أشار إليه مقال «الراي» عن موقف الدول الغربية، وعلى رأسها الحكومة الأميركية والرئيس أوباما.

جميع الحكومات الغربية تطالب البحرين، وتنصحها باتخاذ خطوات إصلاحية حقيقية لا قشرية. وفي خطاب أوباما عن حالة الاتحاد في يناير 2012، أشار لوضع البحرين، مطالبا حكومتها بإجراء حوار جدي مع المعارضة، وشدد على أن الحوار لا يكون مجدياً، والطرف المفروض محاورته موجود في السجن!

 لكن الحوار لم يتم، وحتى بعد تشكيل لجنة تحقيق في حقوق الإنسان، برئاسة الخبير بسيوني، وإصدارها تقريرها، لم يؤخذ بتوصياتها، واستمرت الاضطرابات، بل زادت تأججاً.

وزاد على ذلك صدور أحكام قاسية على 13 شخصية سياسية تصل إلى المؤبد، وكل الاحتمالات تشير إلى المزيد من تفاقم الوضع، وإلى أنه لن يتجه إلى التهدئة.

حكومات مجلس التعاون مازالت تتجه إلى التشدد، وعدم الأخذ بنصائح الحلفاء في دول الغرب، بضرورة الانفتاح والتصالح مع الشعوب وإدخال إصلاحات جادة.

واتجهت أخيراً في اجتماع قمة البحرين إلى إقرار الاتفاقية الأمنية، والتي هي في جوهرها التشدد في تحصين وحماية الحكومات والحكام، واعتبار أي تعرُّض لانتقادهم جريمة يُعاقب عليها القانون، هذا مثال وضع البحرين وما يعانيه شعبها.

والسؤال الذي نواجهه في الكويت هو: هل نحن سائرون للأخذ بالنموذج المعمول به في البحرين؟ مجلس منتخب من دون صلاحيات ونظام انتخابي مفصَّل لمصلحة أصدقاء السلطة؟

وهل الكويت في طريقها للتخلي عما تعتبره الأنظمة المحافظة في الخليج حالة استثنائية مثيرة للقلق، والتوجه إلى نظام متوافق مع بقية الأنظمة في المنطقة؟ وهل التدريب الذي تقوم به القوات الخاصة، باستخدام العنف والقمع بالعصي الأمنية وترويض حراك الشباب وتعويد المجتمع على القبول بذلك هو مشروع النهضة الموعودين به؟

هذه مخاوف تنتاب من يتمعَّن في النظر إلى المشهد الكويتي الراهن، مخاوف من أن تتحوَّل الكويت إلى بحرين ثانية.

ملاحظة:

أتمنى أن تصدر إشارة من الديوان الأميري، تقول لأصحاب اقتراح تغليظ عقوبة المساس بالذات الأميرية، إن صاحب السمو لا يحتاج إضافة إلى ما أقرَّه الدستور، وان الاحترام هو في الأساس في قلوب الناس، فالقوانين القمعية لم تحمِ صدام ولا حسني مبارك، ولا بن علي، ولا علي صالح .. وقبلهم لم تحمِ لويس السادس عشر.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *