الرئيسية » آخر الأخبار » الحديث عن الاكتفاء الذاتي من الغذاء.. كلام مكرر وفعل غائب

الحديث عن الاكتفاء الذاتي من الغذاء.. كلام مكرر وفعل غائب

مزارع الكويت تتآكل
مزارع الكويت تتآكل

كتب إيهاب علام:
منذ أيام قليلة، استعرض مجلس الوزراء، خلال اجتماعه، التوصيات الواردة ضمن التقرير النهائي للجنة المشرفة على إعداد استراتيجية للاستثمار في السلع الغذائية الرئيسة في الكويت، التي تم الانتهاء منها، شاملة كافة جوانب الأمن الغذائي، ضمن أربع نقاط رئيسة مهمة، هي: تحليل الوضع الراهن، استراتيجية الأمن الغذائي، استراتيجية الاستثمار في السلع الغذائية الرئيسة، وخارطة الطريق لتطبيق استراتيجية الأمن الغذائي والاستراتيجية الاستثمارية.

وكانت هذه اللجنة شكلها نائب رئيس مجلس الوزراء وزير المالية، أنس الصالح، لإعداد استراتيجية الاستثمار في السلع الغذائية، برئاسة الهيئة العامة للاستثمار، وإعداد تقرير حول هذه الاستراتيجية، وتقديمها لمجلس الوزراء.

وقد توصَّلت اللجنة إلى أن استهلاك المواطن الكويتي من الطعام يزيد بنسبة 62 في المائة على المعدل العالمي، مستندة في ذلك إلى إحصائيات منظمة الأغذية والزراعة العالمية (فاو)، مشيرة إلى أن ارتفاع نسبة هذا الاستهلاك من شأنه أن يهدد الأمن الغذائي الكويتي، مجددة المطلب القديم الجديد، وهو إعادة النظر في منظومة الدعم التي تقدمها الحكومة للمواد الغذائية للأسر الكويتية، والمزارعين، ومربي الثروة الحيوانية وتوجيهها بصورة أفضل لتعظيم فوائدها.

لا جديد

ولم تأتِ اللجنة بجديد في تقريرها، حيث أشارت إلى أن الكويت لا يمكنها تحقيق الاكتفاء الذاتي في أي من المواد الغذائية (ما عدا إنتاج البيض)، وسيبقى اعتمادها بواقع 100 في المائة على استيراد بعض المواد الرئيسة، مثل: الأرز، السكر، القمح، الحليب المجفف، وأغذية الأطفال، وبنسب متفاوتة لباقي احتياجاتها من المواد الغذائية الأخرى.

ولا شك أن تحقيق الأمن الغذائي، أو الاكتفاء الذاتي من المواد الغذائية، حلم تأمل الكويت تحقيقه، لكن هذا الحلم حينما يخرج إلى أرض الواقع يصطدم بعدم وجود مقومات تحقيقه، فكثير من مقومات تحقيق الأمن الغذائي لا تتوافر في الكويت، كما أنه يصطدم بكثير من العراقيل والمعوقات، التي منها عدم ملاءمة الوضع الجغرافي والمناخي للبلاد للكثير من المحاصيل، وعدم وجود المساحات الكافية من الأراضي الزراعية، هذا بالإضافة إلى قلة المياه، وهي العنصر الأهم في الزراعة.

يُضاف إلى ذلك، تقلبات الجو، التي تؤدي إلى إتلاف كثير من المزروعات، سواء بسبب شدة الحرارة في أشهر الصيف، أو انخفاض درجات الحرارة في المزارع الشمالية بالعبدلي في أشهر الشتاء، ما يأتي بموجات باردة تتلف المحاصيل الزراعية وخاصة الحقلية، بعدما يبذل المزارع جهوداً كبيرة، ويدفع الأموال الطائلة ويزرع، وهذا الأمر كبَّد الكثير من أصحاب المزارع أموالاً طائلة، وجعلهم عاجزين عن الزراعة.

كذلك، يصطدم حلم تحقيق الأمن الغذائي بسوء التخطيط والعشوائية في القرارات، ومثال على ذلك، ما يحدث منذ سنوات في توزيع المزارع.. فكثير من المزارع وزعت، إما لتسويات سياسية وإما إرضاءً لمسؤولين في الدولة، وهناك الكثير من المزارع تم توزيعها على مَن لا يستحقها، كان آخرها توزيع الهيئة العامة للزراعة والثروة السمكية منذ فترة ليست بالبعيدة نحو 600 مزرعة على الشركات والمؤسسات، بهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي في الغذاء للكويت، لكن نتيجة سوء التخطيط، والمحسوبيات، حصلت مئات من الشركات، التي ليس لها علاقة بالزراعة، من قريب أو بعيد، على مزارع، وهذا لم يصب في مصلحة الزراعة والغذاء، وإنما في صالح المصالح والمنافع الشخصية.

كما أن المزارع التي تم توزيعها في الفترة السابقة في العبدلي والوفرة، من أجل الزراعة، لم يُستغل منها في هذا الغرض سوى 10 في المائة فقط، بينما استغلت بقية هذه المزارع في الترفيه وبناء المساكن، أو في البيع والتأجير، ومن المزارع أيضاً ما تم تجزئته إلى قسائم أصغر، وبيعه من الباطن، وبعضها متروك من دون استخدام منذ سنوات، وغض الطرف عن هذه التجاوزات التي باتت ظاهرة للعيان، ما أكد للجميع عدم شفافية هذا التوزيع للمزارع، وعدم جدية الهيئة العامة للزراعة في تحقيق نسبة جيدة من الاكتفاء الغذائي.

تجاهل حكومي

وفي الوقت الذي نجد الحكومة تتحدث عن الأمن الغذائي، وإعداد استراتيجية للاستثمار في السلع الغذائية الرئيسة، نجد القطاع الزراعي لا يحظى بالاهتمام المطلوب، الذي من شأنه أن يحقق لو جزءا كبيرا من الأمن الغذائي، الذي تتحدث الحكومة عن تحقيقه، فالزراعة في السنوات الأخيرة في الكويت تتراجع بشكل ملحوظ، بعدما تحوَّلت الزراعة إلى مهنة طاردة، والأسباب كثيرة ومتعددة، منها مشكلة تراجع الدعم للمزارعين، ومشكلة المياه المعالجة التي تنقطع لفترات طويلة وأسعارها مرتفعة ونسبة الملوحة فيها عالية، لدرجة عدم صلاحيتها للزراعة، ما يجبر المزارع على جلب المياه الحلوة من المضخات، إضافة إلى أن مكائن التحلية التي يتم استيرادها من الخارج تكلف آلاف الدنانير، بالإضافة إلى تكاليف صيانتها ومدها بالكهرباء.  يُضاف إلى ذلك مشكلة العمالة المتخصصة، فكيف يستطيع المزارع زيادة إنتاجه، أو المساهمة بالشكل المطلوب في الأمن الغذائي للبلاد، في ظل كل هذه الظروف التي تعمل على محاربته؟

وعلى الحكومة، قبل الحديث وتشكيل اللجان لإعداد استراتيجية للاستثمار في السلع الغذائية الرئيسة، أن تجد حلولا جذرية لكافة المشكلات والمعوقات التي تواجه القطاع الزراعي والمزارع الكويتي، ولا بد من أن تحظى الزراعة بمكانة جيدة  في خطة الدولة، والاهتمام بهذا القطاع المهم والحيوي في خطة الدولة، وتسخير مهندسي الهيئة العامة للزراعة، لإجراء الأبحاث والدراسات، التي من شأنها زيادة وعي المزارع بنوعية الثمار، التي من الممكن زراعتها وكيفية حمايتها من الآفات.

مشاكل العمالة

ومن المشكلات الكبيرة التي تقابل تطور الزراعة في الكويت، مشكلة العمالة الماهرة، ومشكلة العمالة هذه تؤكد أن وزارات الدولة تعمل كجزر منفصلة.. ففي الوقت الذي يشتكي فيه المزارعون بشدة من نقص العمالة، نجد وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل هند الصبيح، تتحدث عن التركيبة السكانية، وضرورة تقليل العمالة الموجودة في الكويت، بنسب قد تزيد على 30 في المائة من إجمالي العمالة الموجودة في الكويت.

ومن المضحك – المبكي، أن تقوم الحكومة بتوزيع قسائم بمنطقة العبدلي للإنتاج الحيواني والنباتي، ولا توفر العمالة اللازمة لإنجاح التجربة، وتضع شروطا تعجيزية لاستقدام تلك العمالة.. وفي ظل هذا النقص في العمالة، يضطر بعض المزارعين لتأجير عمالة باليومية، تتراوح أجورهم بين 8 و10 دنانير، حتى يحصد إنتاجه، ولا يتعرض للتلف.. فكيف يتطور القطاع الزراعي من دون أيدٍ عاملة ماهرة؟

تحقيق الاكتفاء الذاتي في إنتاج البيض فقط

وفق الأرقام التي اعتمدتها الحكومة في خطة التنمية الخمسية (2015 / 2020)، فإن هذه الأرقام تؤكد أن الكويت لن تحقق الاكتفاء، إلا في إنتاج البيض المحلي فقط، حيث بلغت نسبة الاكتفاء، حتى آخر بيانات متاحة للخطة، بنسبة 121 في المائة.

وفي قائمة عرضتها الخطة لتطور الاكتفاء الذاتي من الإنتاج النباتي والحيواني والدواجن بين عامي 2009 و2012، تبين أن هناك تراجعا في الاكتفاء الذاتي للحليب، والدواجن والأعلاف والخضراوات، في وقت شهدت هذه المنتجات المرتبطة بالحياة اليومية للمواطنين والمقيمين ارتفاعاً في الأسعار، نتيجة اضطرار الدولة إلى استيرادها من الخارج لسد النقص.

أما نسبة الاكتفاء في اللحوم الحمراء، فقد ظلت عند مستويات متدنية، إذ بلغت 22 في المائة، بينما كانت 14 في المائة عام 2010.

وفي خطة الحكومة الخمسية، لا يبدو أن السنوات الخمس المقبلة ستشهد اكتفاء في هذه المنتجات جميعها، باستثناء البيض والأعلاف، إذ سيرتفع الاكتفاء المحلي في الاعلاف إلى 112 في المائة، في 2016 ثم  152 في المائة في 2020، وهو ما يفسر استثماريا، بأن هناك استثمارات سيشهدها هذا المنتج.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *