الرئيسية » آخر الأخبار » هل تريدها مصلحة يا سيد حسن؟!

هل تريدها مصلحة يا سيد حسن؟!

تظاهرات مناصرة لحزب الله
تظاهرات مناصرة لحزب الله

كتب ناصر العطار:
يبدو أن التعلم يمضي ببطء في حياة الإنسان يا سيد حسن نصرالله، فعقول الناس لا تتعلم أغلب شؤون الدنيا في لحظة واحدة، وكلما تعلمت، يبقى أمامها المزيد.. المهم عدم الظن بأن الناس لن تفهم، ولن تستكشف الأمور يوما.

في حياتنا العربية ظروف وأحوال تمرُّ بنا، ربما نكرهها، لكنها، تدفعنا للاعتراف، وتصحيح ما ارتكبناه من أخطاء، وما اقترفناه من خطايا.

حسن نصر الله
حسن نصر الله

إنك تعلم، يا سيد، أنه في زمن الخمسينات والستينات كان معظم الناس في أمتنا العربية متيقنين، بأن حل مشاكلهم يكمن في التحرر من المستعمرين الأجانب، وفي وحدة أوطان الأمة على أساس القومية الجامعة، ولست، يا سيد، كبيراً في العمر، ولا بعيداً عن الأحداث، حتى تنسى يوم اختفى فيه الإسفلت – على حد تعبير ممثل مصري قدير – حين رحل جمال عبدالناصر، وتكدَّست ملايين الناس في كل مكان تنعاه وتودعه، وترفض قبل رحيله بثلاث سنوات استقالته، رغم مرارة هزيمة معركة 1967، وتصرُّ على مواصلة الحرب.. كانت المشاعر مفعمة ما بين عاطفة جيَّاشة نحو امتزاج الوطنية والقومية العربية، ورغبة في التحرر من الرجعية، والثأر من الصهيونية وأعوانها، وفرح عارم بامتلاك الشعوب العربية لمقدَّراتها.

نحن في الكويت، أصبحنا نموذجاً عربياً متميزاً، قبل أن تهب علينا الرياح، وتغطي توهجنا، وتحرمنا من جمالنا.. كانت مشاعر ملايين الناس في كل أنحاء الأمة تطير من فرط الحماس والفرح، في ذلك الزمن الذي كانت مصر فيه تمتلك مخيلة مانديلا أثناء دراسته، كما كتب في مذكراته، وهي تفرض اسم العرب في العالم، كأصحاب حق، وتكسب تأييد الهند والدول الآسيوية لنضال الشعوب العربية نحو الاستقلال، وتتعاون مع ألمانيا لصناعة الطائرات العسكرية، لكن أخطاءنا، نحن العرب، يا سيد، وخطايانا، وتدبير المؤامرات ضدنا – رغم عدم اعتقاد البعض بالمؤامرة – سحقت كل هذه المشاعر، وبعثرت كل الآمال، وقيَّدت كل الحقوق.

أمة واحدة وعدو واحد

كان الناس يظنون أنهم يكفيهم أن يكونوا من أمة واحدة صاحبة حق ضد عدو واحد، وأن عبدالناصر بطلها، وأن الاستعمار انجلى عن أوطانها.

الاندفاع والحماس لهما عواقب، والاعتماد الكلي على الفرد «المُلهم» له مخاطر، وتجاهل الآراء الأخرى يؤدي إلى القهر.. ومهما كتبت عن جسامة التحديات وحق تلك التجربة في مواجهتها، فإن لها سلبيات، والسلبيات لا تعيب على المبدأ أصالته.

في حقيقة الأمر، لم تكن يا سيد كل الحكومات العربية في ذلك الوقت مقتنعة، بل وصادقة في ما تقوله، وتقوم به لرفع شأن القومية العربية.. بعضها كان يلاحق الأوهام ويجري خلف مكاسب خاصة، وبعضها كان يدعم جماعات متأسلمة متشددة، فنتج عن تجربة الخمسينات والستينات، خصوصا بعد وقوع الهزيمة، استبداد حكومي عربي، وتسلط على الناس باسم الدين والمال.

لتسمح لي، يا سيد حسن، أن أكون صريحا معك، وأقول إن جماعات الإسلام السياسي لم تنشأ كخيار طبيعي في الأمة العربية، وما لم ينشأ كخيار طبيعي، فإن علامات الاستفهام والتعجب لن تكف عن طرح نفسها أمامه.. كان الناس، يا سيد، يعرفون الدين بتنوُّع مستويات معرفتهم له، وباختلاف التزامهم به قبل الهزيمة، وفي عز وطنيتهم وقوميتهم وتحررهم الاجتماعي، لم يكن الناس في زمن الخمسينات والستينات يا سيد في عصر الجاهلية، حتى تأتي جماعات متشددة ترشدهم للهداية، كانت مصالحهم العامة هي هدفهم الأساسي، وبالتالي، لم يكن شغلهم الشاغل تكفير بعضهم، لكن الأغلب من حكوماتنا العربية، وقبلها السياسة الغربية، التي استفادت من وجود إسرائيل، لم تتقبل التفاف الناس حول مصالحها العامة في الخمسينات والستينات.. فكيف تمَّت تفرقة الناس عن مصالحها العامة يا سيد؟ فتحت أكثرية عهود السبعينات العربية الرسمية الأبواب لجماعات الإسلام السياسي، لتنفرد بعرض بضاعتها للناس المحبطة، استسهلت أكثرية الحكومات العربية التمييز بين حقوق الناس، بعد أن تفرقوا لقبائل وعوائل وطوائف متناحرة ومتصارعة، وخدعتهم باسم الاستعداد لمواجهة إسرائيل، مثلما فعل «البعث» السوري الذي تعرف يا سيد مدى فساده واستبداده منذ احتلال الجولان، تراجعت حيوية المجتمعات العربية منذ منتصف السبعينات، وهدم التشدد أواصر العلاقات بين معظم أفرادها، ولهث الكثير منهم خلف المادة بأي وسيلة، وتحول مفهوم الحب في حياتهم إلى جنس رخيص، وانقلب مفهوم الشعب في عقول الكثيرين إلى مفهوم الأتباع، الذين يجرون خلف الأحزاب غير الديمقراطية والمترهلة، أصبحت الدساتير صورية، وباتت الواسطة هي الأهم.. وفي هذه الأجواء البائسة تكسَّبت جماعات الإسلام السياسي، حتى الثورة الإسلامية في إيران، التي قامت ضد الطغيان، تكسَّبت باسم حماية الدين، مثلما يتكسَّب ما تسميه الشيطان الأكبر باسم نشر الديمقراطية، فإيران حددت، على لسان مرشدها، أربع دول ترى أن شعوبها مظلومة، وتحتاج للمساندة، وهي اليمن والبحرين وسوريا وفلسطين، وهي بهذا التحديد توقد ناراً أوسع، ليعلو اسمها فوق التلال المشتعلة.

جماعات متأسلمة

أسألك بالله، يا سيد، هل يشرفك أن تكون هذه هي عوامل بروز جماعتك المتأسلمة، مثلها كمثل بقية جماعات الإسلام السياسي؟! وهل تقبل أن تكون هذه دوافع بقائها؟ هل تتوقع، يا سيد، أن تتحكم الجماعات المتأسلمة بمصائر الناس وكرامتهم وحرياتهم، لو ساد في أوطانهم احترام الدساتير؟ ألا ترى، يا سيد، أن الناس بدأ يظهر عليها الآن التململ من كل جماعات الإسلام السياسي، وبدأت تتعلم كيفية فرض كرامتها، من دون وصاية أو توجيه من أحد؟ هل تريدها مصلحة يا سيد حسن؟ لقد دمرت السياسة الغربية والمتحالفون معها في الأمة مصالح الناس، من خلال كل جماعات الإسلام السياسي.. نعم، هناك فرق بين مقاوم ومحتل، وأعرف أن لك ابناً شهيداً قتلته إسرائيل، يا سيد، اسمه محمد هادي، وأعرف أن إسرائيل قتلت الشهيد أحمد ياسين والشهيد عبدالعزيز الرنتيسي من حركة حماس، وقتلت غيرهم، يرحمهم الله جميعا، وبالتأكيد تذكر وقفة اللبنانيين والشعوب العربية في حرب 2006، هل تذكر تصريحك الغريب بعد نهاية الحرب، يا سيد، حين قلت لو أنني أعرف ما ستنتج عنه الحرب، لما خطفنا جنوداً إسرائيليين؟

بصراحة يا سيد، يذكرني تصريحك بالكلمات التي غناها العندليب الأسمر: لو أني أعرف خاتمتي ما كنت بدأت.. قد يكون هذا الكلام في الحب مقبولاً، لأن الحب تجربة شخصية قد يندم عليها الإنسان، وقد يجددها، لو استطاع قلبه مرة ثانية، لكن كيف يكون مقبولاً بعد تضحيات الناس ومساندتها أن يخرج من يعتبر نفسه رأس حربة في المعركة ليقول ما قلته؟ ثبت بالدليل القاطع، أن الشعوب هي الحامي الأساسي والأهم للأوطان، فيما جماعات الإسلام السياسي تضحي وتحمي بقدر ومقياس ولمصلحة معينة، حتى وإن قدمت شهداء!

أسألك يا سيد، هل أنتم الجماعة الوحيدة التي قاومت الاحتلال؟ هل مقاومتكم تبيح لكم أن تصبحوا دولة داخل لبنان؟ أليس في مقاومتكم انتهازية يا سيد؟

ثغرة لتوغل إيران

لا شك أنك حرٌّ في اختيار مرجعيتك الدينية، لكن هل يصح أن تكون مرجعيتك الدينية يا سيد «ثغرة» تتوغل منها يد إيران على لبنان، لتزيد من عدد ثغراته وتضغط عليه أكثر؟ تركيبة لبنان، التي كثيرا ما يُحكى عن حساسيتها، لم تنقلب وبالا على أهله حين كانت العروبة تحتضه، حين أرسى اجتماع جمال عبدالناصر وفؤاد شهاب رئيس لبنان عام 1959 في منطقة وادي الحرير، التي تقع على الحدود السورية – اللبنانية، كما قال فؤاد بطرس وزير خارجية لبنان السابق، معادلة ثابتة شكّلت صمّام أمان للاستقرار في لبنان، فلا تعارضت سياسة لبنان مع سياسة دولة الوحدة، آنذاك، ولا فرضت دولة الوحدة على لبنان التخلي عن صداقاته الخارجية.

وتعرف يا سيد كيف تبعثر لبنان، وتحارب أهله في ما بينهم، بعد تراجع العروبة، وكيف أصبح حزبكم المتأسلم جزءا من هذا التبعثر.. يساهم فيه ويتقاسم وتفرض الأيادي الخارجية من خلاله أجندتها.

أعرف أن صناديق الديمقراطية لا تفرق في نتائجها بين كل الأفكار، لكن كل جماعات الإسلام السياسي لم تأتِ بالديمقراطية، بل جاءت نتيجة امتلاء ساحات المجتمع العربي بالخوف المذهبي المتبادل وبالطاعة العمياء للحكومات.

ماذا يعني يا سيد أن تسقط جماعة الإخوان المسلمين بعد أن حكمت مصر سنة واحدة؟ وماذا تعني تظاهرات المجتمع المدني في العراق ولبنان وارتفاع شعارات فيها ترفض الطائفية؟ ماذا يعني يا سيد أن توجه طفلة عربية خرجت في إحدى التظاهرات السلمية كلامها للمسؤولين في بلادها قائلة: متى تفهمون يا سادة أنها بلادنا، وأنتم تحكمونها، وليست بلادكم ونحن نسكنها؟

يعني أن الربيع العربي يا سيد في حقيقته لم ينتج عن مؤامرة، ولم يهدف لإرهاب، ما دام هناك إنسان عربي تعلم أن في الوطن انتماءه يؤدي فيه واجباته بلا منةً منه، ويمارس حقوقه بلا فضل من أحد.

إذا كانت كل جماعات الإسلام السياسي يا سيد تريد تحقيق مصالحها الخاصة، فالناس تريد تحقيق مصالحها العامة، والمصالح العامة تضمنها سيادة القانون، وليس التنفيع والمحاصصة، وجماعات تنتهزغياب القانون لتعظم أرباحها.

دعم نظام يقتل الأبرياء

ألا تزال، يا سيد، تظن أن الحل في مواجهة الإرهاب، هو في دعم نظام قتل أبرياء خرجوا في تظاهرات سلمية يطالبون بالإصلاح في وطنهم؟ يتهم البعض ثورة يوليو 1952، بأنها السبب في ظهور زعامات عربية فاسدة ومستبدة، وهذا اتهام صحيح، لأن الثورة عبارة عن انقلاب، وليس بالضرورة أن ينتج عن الانقلاب اختيار صائب في المرة الأولى، أو في أكثر من مرة، لكن هل تبجحت يا سيد ثورة يوليو بدعم نظام فاسد ومستبد، بحجة الدفاع عن الوجود والتصدي للمؤامرات؟ هل يقوم طرف بنيل فائدة قصوى من طرف آخر، ما لم يكن مشابه له في الصفات؟ كيف يا سيد وأنتم الذين تدعون خشية الله في الناس وتسعون لتحقيق مطالبهم تقبلون بمساندة نظام لا يخشى الله في شعبه، ويرفض تحقيق مطالبه؟

جماعات التخويف

كل الاختلافات، التي نراها يا سيد بين الجماعات المتأسلمة وغالبية الحكومات العربية والسياسة الغربية والكيان الغاصب، أكاد أقول إنها لا تفيد كثيراً، وربما لا تعني شيئا مهما، لأن كل هؤلاء المختلفين متفقون ضد مصلحة الإنسان العربي العامة، فالكيان احتل أرضه، والسياسة الغربية دعمت هذا الاحتلال، والاستبداد العربي الرسمي تسلط عليه، من خلال جماعات المال والتأسلم، وباسم مواجهة الاحتلال.

سيد حسن، جماعات الإسلام السياسي تمَّ دعمها، للتخويف، وبعد شعور البعض بالقهر، لكن القهر لا يستمر في أوطان تمضي شعوبها بصعوبة بالغة نحو الديمقراطية، والتخويف لا يصنع شعباً، والشعب لا يبقى جاهلاً، ورحمة الله أوسع من احتكارات كل جماعات الإسلام السياسي، ومن أهداف من دعمه.

جانب من الحراك الشبابي اللبناني
جانب من الحراك الشبابي اللبناني
Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *