الرئيسية » قضايا وآراء » عبدالهادي السنافي : لصوصية برعاية دولية

عبدالهادي السنافي : لصوصية برعاية دولية

عبدالهادي السنافييلتبس على البعض عند وصفه ما كان يحدث في دول الربيع العربي، قبل قيام الثورات، بأنه كان مجرد فساد يمكن إصلاحه، عبر حزمة تعديلات ثانوية، أو حتى رئيسة، لكن الحقيقة أبعد من ذلك، حيث ما كان يحدث ليس فسادا، بل لصوصية، ويتجلى ذلك عبر الأرقام الفلكية التي جمعتها أُسر المجتمع المافيوي الحاكمة، وذلك بالتزامن مع الشراكة العميقة مع المؤسسات الرأسمالية المتعولمة، باستخدام نفوذ تلك المافيات بالسلطة، واستغلال مساحات الأراضي وبقية الثروات الطبيعية أبشع استغلال للصالح الخاص على حساب الصالح العام.

فقد دأبت تلك المافيات الحاكمة على تنظيم تلك السرقات، باستخدام كل أنواع الجرائم الاقتصادية، بداية من تبييض الأموال وتنظيم الاحتكارات وإبرام صفقات سلاح مشبوهة بعملات خيالية، حتى تصل السيطرة إلى قمتها، وتفرض ما يسمى بديكتاتورية السوق، حيث تقوم المافيات الحاكمة وطبقة المحاسيب بالسيطرة الكاملة على السوق من الصناعات الصغيرة إلى الكبيرة.

واللافت بالموضوع أن كل الفساد السابق على مرأى ومسمع ما يعرفون بالدول الديمقراطية (الغرب)، وأحيانا بالتعاطي معها، فمثلا داعية الديمقراطية وحقوق الإنسان في الشرق الأوسط – الولايات المتحدة – أبرمت صفقة لبيع الأسلحة مع إحدى الدول الخليجية بقيمة 60 مليار دولار، في ظل أزمة عالمية لم يتم التعافي منها، كما لا يخفى على أحد أن القواعد الأميركية منتشرة بشكل موسع في دول الخليج العربي منذ نهاية حرب الخليج الأولى، وليس هناك أمكانية للاطلاع على كيفية وحجم تلك الاتفاقيات، ليستطيع الشعب معرفة إجمالي الميزانية التي تصرف من ثرواته على هذا التواجد العسكري، إلا الكويت، التي من الممكن أن تناقش تلك الأمور بجلسة سرية عن طريق مجلس الأمة.

إن المبلغ المذكور أعلاه، والذي استخدم في شراء السلاح، كان كفيلا بحل جزء من مشكلة «بطالة الخريجين»، التي تعانيها هذه الدولة الخليجية، ولكن الديكتاتورية الإمبريالية هي التي تقرر دائما عن البلدان العربية وتملي عليها أوامرها.. لذلك، نجد دولة مثل فرنسا – بلد الحريات- على علم ودراية أن سيف الإسلام القذافي كان يتقاضى، وبشكل مباشر، عائدات الحقل النفطي الذي كانت تديره شركة توتال الفرنسية، وحتى في مصر لم يكن ابن الرئيس محمد حسني مبارك يحسب حسابا للفقراء والمهمَّشين وسكان المقابر والقوارب والعشوائيات، بل كان يحسب حساب جيبه الخاص، فقد كان يتقاضى لقاء توريد الغاز المصري لإسرائيل ما نسبته 5 بالمئة من عائدات الشركة.

إن تلك اللصوصية لا توردها منظمات مكافحة الفساد، أو تقارير البنك الدولي، بل على العكس تماما، نرى تقارير تلك المنظمات النيوليبرالية كلها تتجه نحو خفض «الدعوم»، وأحيانا إلى إلغائها عن المحروقات والمواد الغذائية، والتي تعد عصب الحياة، واصفين تلك الدعوم بأنها تبذير للمال العام، وتبديد له، داعين بالوقت نفسه للانفتاح والتحرر الاقتصادي، وهذه السياسات، وهي من شروط الإقراض لصندوق النقد الدولي النيوليبرالي، والتي التزمت بها العديد من دول الربيع العربي أثبتت فشلها.

إن رفع شعارات الخبز والعمل والحرية والعدالة الاجتماعية حركتها السياسات النيوليبرالية، ونتيجة لها سقطت ديكتاتوريات، بل إن الثورة من المفترض أن تسقط مجموعة الأفكار والقوى والمسيطرة معا، ونقصد بالأفكار طريقة عمل منظمات المجتمع المدني والاحزاب السياسية التي أثبتت فشلها وخطأ مسارها، بعد أن قامت بتجزئة المطالبات وتحويلها لقطاعات (امرأة، بيئة، حقوق إنسان، تعليم) على حساب التقدم الاجتماعي والاقتصادي للمجتمع، والتي يرجع لها السبب بتردي تلك القطاعات، وهذا ينطبق أيضا على الاصلاحات السياسية، فالمطالبة بإصلاحات سياسية بشكل منفصل عن الإصلاحات الاقتصادية عبث محض لن يحدث التغيير المنشود.

 آخر العمود:

مع استفحال المشاكل الاجتماعية بالكويت، ظهرت بعض الأصوات المطالبة بتعديل قانون الـ«B.O.T»، كأحد الحلول التي من خلالها ستتم معالجة بعض القضايا التي لها علاقة بهذا القانون، وآخر تلك التصريحات، تصريح رئيس اللجنة الاقتصادية، الذي أكد وجود تعديلات على القانون.

وللعلم، فإن قانون الـ«B.O.T» ادخلت عليه تعديلات جذرية، لسد الثغرات أمام المتنفذين الذين حاربوه قبل تقديمه وأثناء مناقشته وبعد صدوره، وسيكون لي وقفة في مقال حول هذا القانون وتعديلاته السابقة والمطروحة.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *