الرئيسية » أحمد الجاسم » أحمد الجاسم : الوعي والانتفاضة

أحمد الجاسم : الوعي والانتفاضة

أحمد الجاسم
أحمد الجاسم

يشهد العالم العربي انطلاقة لموجة جديدة من الانتفاضات الشعبية الشبابية ضد الفساد السياسي، وهذه المرة في العراق ولبنان.. وحتى لا نتحدث عن «ثورات»، لأنها لا تستهدف إسقاط الأنظمة حتى الآن، بل إصلاح الواقع، فقد اختارت الجماهير أن تكسر حالة الشكوى والتذمر والصبر والموت البطيء وخيار الهجرة، بالخروج إلى الشارع والساحات، للتعبير عن غضبها واستيائها، بعد أن ساءت الأحوال، وتردَّت الخدمات، من انقطاع التيار الكهربائي، وشح المياه وتلوثها، وتراكم النفايات التي حوَّلت بيروت – وهي أجمل عاصمة عربية – إلى تلال من النفايات، إضافة إلى ازدياد البطالة، وتفشي الفقر والحرمان والأمراض، والفساد الإداري والزبائنية والمحسوبية، وارتفاع الأسعار والإيجارات، حتى وصلت الأمور إلى أن بعض الناس بات لا يملك قيمة شراء الدواء.

إن فضيلة لبنان والعراق، أنهما لا يخفيان شيئا، فغسيلهما منشور للمارَّة، والناس هناك قادرة على التعبير عن همومها، بلا خوف، بعكس أغلب الشعوب العربية المكبوتة، نتيجة غياب سلطة شمولية استبدادية، وبالتأكيد سقف الحرية لدى الشعبين عالٍ جداً، لكنها حرية مجرَّدة من العدالة الاجتماعية، والعيش الكريم، والمساواة في توزيع الثروة، وأمام القانون، في ظل سيطرة زعامات سياسية وطائفية وأمراء حرب تتقاسم السلطة والثروة، والمناقصات والامتيازات.

وفي ظل أوضاع كهذه، يأتي هذا الحراك الشبابي المدني الراقي العابر للطوائف والأديان في ساحة رياض الصلح ببيروت، وساحة التحرير ببغداد وميادين البصرة والناصرية والعمارة، ليعيد لنا الأمل بعودة الروح للجسد العربي، والنبض لقلب الأمة، بعدما تحوَّلت بعض الثورات العربية إلى فوضى وحرائق وحروب أهلية طائفية تستهدف الشريك في الوطن، ومشاريع دينية ظلامية، فحريٌّ بنا أن نشيد بالشباب والشابات الذين تصدروا التظاهرات، على الرغم من حرارة الجو، وتلوث الهواء، وقمع الأمن اللبناني، ومن خلال المتابعة اليومية، لهذا الحراك الممتد من بغداد إلى بيروت.. جدير بنا أن نعيد النقاش في الكثير من المسلمات والإشكاليات والتطورات والأخطاء التي وقعت فيها الثورات العربية منذ ديسمبر 2010:

أولاً: الشرخ الطائفي ليس عميقاً، كما تصورنا، ويمكن تجاوزه، وخصوصا في الدول التي شهدت حروباً أهلية مروعة، مثل: لبنان والعراق، فقد استطاعت الجماهير أن تنظم تظاهرات ومسيرات جامعة تشترك فيها كل فئات المجتمع بلا حساسية -إلى حدٍ ما – حين يتم الالتفاف حول مطالب تمس مصلحة الشعب بأكمله.
ثانياً: غياب الشعارات الدينية والطائفية في الحراكين يعكس شيئاً من التطور في الوعي الجمعي، فلم يتصدر التظاهرات شعار «الإسلام هو الحل»، أو «نريد شرع الله»، بل قرأتُ شعارات ساخرة من فساد التيارات الإسلامية في العراق، مثل «ما نريد واحد ملتحي، نريد واحد يستحي»!

ثالثاً: الصراع الطبقي قادر على تحجيم الانقسام الطائفي، حين ينضوي تحت لوائه جميع المحرومين والمظلومين والمهمشين والمضطهدين من كل فئات المجتمع وطوائفه ضد الطبقة المستغِلة والمسيطرة على المال والسلطة.

رابعاً: الفقر والتهميش والظلم والقمع بحد ذاتها لا تشكل حالة ثورية، ما لم يكن لدى الفقير والمظلوم وعي كافٍ بأهمية الثورة لتحسين الأوضاع.

خامساً: السعي إلى أدلجة الحراك بقدر المستطاع، وهذا مطلب مهم، أي توجيه الجماهير نحو أهداف محددة تحديداً دقيقاً مثل: دولة ديمقراطية مدنية، عدالة اجتماعية، اشتراكية، إلغاء الطائفية السياسية، وعدم ترك الشعارات والمطالب فضفاضة، حتى لا تتكرر أخطاء الثورات السابقة، حين رفعت الجماهير (خبز، حرية، كرامة)، فجاء مَن سرق الثورات، وركب سفينتها، وقادها إلى الهاوية.

سادساً: لا يعول كثير من اليساريين في التغيير الثوري على الطبقة الوسطى، لعدم قدرتها على المواجهة والتضحية وخسران الامتيازات، والشاهد على ذلك، أن الثورة الفرنسية (1789) لم تتحول إلى ثورة، إلا بفعل تيار جماهيري واسع من الفقراء العراة (اللامتسرولين).

سابعاً: رقي الحراك وسلميته مطلب ضروري لتحقيق أهدافه، وهو ما يدحض حملات التشويه، التي تُطلق عليه، بأن هؤلاء «مندسون ومخربون»، وهي حملات اعتدنا علي سماعها من قِبل أبواق الحكومات العربية! والسلمية مشروطة بسلمية السلطة، وليس على طريقة د.هيثم مناع (سلمية سلمية، ولو قتلوا منا ميّة).

إن عملية تغيير الواقع، وفرض ظروف معيشية أفضل ليست سهلة، فالمطالب لا تتحقق بتظاهرة واحدة، بل بنضال طويل النفس، وصمود وتضحيات ووعي بدقة الظرف، وحوار بين مناضلي اليوم والأمس.. فعلى الشباب أن يستفيدوا من تجارب مَن سبقهم في العمل الوطني، وأن يصغوا لنصائحهم، ولاسيما قراءة تجاربهم، حتى يتحقق التكامل في الخبرة السياسية والوعي الثوري.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *