الرئيسية » ثقافة » تجارب وثائقية من الأرض المحتلة (2-2): فضائح الصهيونية وتوثيق وقائع الاحتلال اليومية

تجارب وثائقية من الأرض المحتلة (2-2): فضائح الصهيونية وتوثيق وقائع الاحتلال اليومية

افلام وثائقية

كتب محمد عبدالرحيم:

نستكمل في هذا الجزء من الدراسة حول الأفلام الوثائقية التي أنجزت من قِبل فناني الأرض المحتلة بعض الأعمال التي تراوحت بين كشف فضائح الصهيونية من داخل الأجهزة الرسمية السيادية، إضافة إلى توثيق وقائع الاحتلال ومقاومته، كما في حالته تشويه الهوية والتلاعب بالجغرافيا، وبناء ما يسمى بالجدار العازل.

حُرّاس البوابة وفضائح «شين بيت»

«حرّاس البوابة» وثائقي للمخرج الإسرائيلي درور موريه، يتناول الممارسات الدموية لوكالة الأمن الداخلي الإسرائيلية، من خلال 6 رؤساء سابقين لها، كاشفاً دورها في الصراع العربي- الإسرائيلي، وتدابيرها داخل إسرائيل وخارجها، بهدف الحجة الواهية التي تصدّرها إسرائيل للعالم، ألا وهي.. أمن إسرائيل.

حكايات من «شين بيت»

«شين بيت»، هو اسم وكالة الأمن الداخلي الإسرائيلية، وعن طريق 6 من رؤسائها السابقين يبدأ سرد حكاياتهم، ووجهة نظرهم في ما حدث، سواء من القضايا التي تولتها الوكالة بالتحقيق، أو التي عملت على تنفيذها.

فهؤلاء يسردون النجاحات والإخفاقات التي واجهوها، بداية من جمع المعلومات حول الأعداء، ورصد حركات الناشطين المخالفين لسياسة إسرائيل، على حد سواء، من الفلسطينيين والإسرائيليين، وأخيراً العمليات السريّة التي عملت على تصفية الكثير منهم، كاغتيال فلسطينيين قاما باختطاف حافلة رُكاب، واكتشاف مخططي اغتيال إسحاق رابين، وهو سابق لمقتله على يد متطرّف يهودي.

مبررات هزيلة

ما يلفت النظر في حوارات هؤلاء، هو مبرراتهم التي يتفوّه بها كل مسؤول أمني، يتناسى القوانين والحقوق، ويردد كالببغاء أسبابه الواهية، التي مصيرها الحتمي هو الفشل. فأحدهم يُلقي بالمسؤولية على السياسيين، ويروي قائلاً «كُتب علينا أن نواصل القتال والقتل طوال الأجيال العشرة المقبلة – وهؤلاء يجدون الدعم والتشجيع من هيئاتنا السياسية – ومن المحتمل أن يكون صعباً للغاية أن ينفتحوا ليروا وجهة النظر المختلفة بأنفسهم». بينما يضيف آخر قائلاً «في الحرب على الإرهاب تُغفل الأخلاقيات».

أما أحد رؤساء شين بيت السابقين، ويشغل الآن منصب وزير الداخلية، فيقول إنه “لا يمكن إحلال السلام إلا باستخدام الأساليب العسكرية».

وتكتمل السخرية السوداء في عبارات أحد أعضاء البرلمان الإسرائيلي الحالي، وأحد الرؤساء السابقين لوكالة الأمن الداخلي، إذ يقول «عندما تترك شين بيت تصبح يسارياً إلى حدٍ ما».

ربما يختلف الكثيرون حول الفيلم ورسالته، فهو رغم انتقاده لمؤسسة مهمة من مؤسسات إسرائيل، إنما يفعل ذلك، تجنباً لانهيار الدولة التي أصبحت تتآكل بالفعل، كما رآها فيلم «2048».

إلا أن «حرّاس البوابة» يتحدث عن المشكلات المزمنة وشحن الرأي العام، للضغط على السياسيين لحل هذه المشكلات، مؤكداً أن الاحتلال ليس عملاً أخلاقياً، لا جدوى منه، وعلى إسرائيل أن تنسحب من أراضي الضفة الغربية، وتعمل جاهدة على إقامة دولة فلسطين. وهي في النهاية رؤية وفكر صانع الفيلم، التي قد يختلف معها الكثيرون، سواء من إسرائيل أو العرب.

«شرقيّة».. مآسي البدو في إسرائيل

في عام 2007 أطلق مُزارع إسرائيلي النار على أشخاص من البدو اقتحموا مزرعته في صحراء النقب، وقتل شخصاً وأصاب آخر. وفي عام 2008 أقرّ البرلمان بمبادرة من سياسيي اليمين المتطرف قانوناً يعد مثل هذه الأعمال دفاعاً عن النفس. وبذلك، برّأت المحكمة عام 2009 المزارع الإسرائيلي، لأن تصرفه هذا كان دفاعاً عن النفس، ولكنها حكمت من ناحية أخرى على البدوي المُصاب بالسجن عشرين شهراً.

هذه هي السياسة الإسرائيلية التي حاول الفيلم فضحها وكشفها، حتى أنه تم تصويره بالكامل خلسة، بعيداً عن أعين السلطات الإسرائيلية.

يتناول فيلم «شرقية» للمخرج عامي ليفني، وكاتب السيناريو جاي عفران، الوضع المزري الذي يعانيه البدو في إسرائيل.

ويستوحي الفيلم اسمه من الرياح الشرقية التي يعدوها البدو رياحاً شريرية، وهو اسم دال عن حالة الفناء التي يعانيها هؤلاء.

البداية كانت بحصول بعض البدو بعد 1948 على قطعة أرض، ولكن لم يتم توثيق ذلك بوثائق ورقية، بل شفهياً، ومن خلال المصافحة.

والآن، تحاول الحكومة هدم هذه المخيمات، وتشريد ما يقارب سبعين ألف بدوي، ولكن هناك يهودا من المنطقة يدافعون عنهم، وبلا فائدة. كما أن الحكومة لا تقدم لهؤلاء الناس الكهرباء والماء أو فرص العمل ويفقدون أراضيهم، من خلال إعادة توطينهم المزعومة، ويفقدون بالتالي مصادر دخلهم، ما يُنذر بوضع خطر، يكاد ينفجر في أي لحظة.

يحاول الفيلم توثيق حالات هؤلاء، عبر شخصية عدنان أبووادي، وهو رجل يعمل بالحراسة في مصلحة السكك الحديدية، ويقف أمام الكاميرا للمرّة الأولى، ويعاني المشكلة ذاتها، إذ يعيش هو وأسرته في قرية محكوم عليها بالزوال، ولا يجدون البديل، بحجة توطينهم أو إسكانهم في تجمُّعات بمناطق أخرى.

نعتقد بأن الفيلم لم يُبد أي دعاية سياسية للسياسة الصهيونية، بل حاول فضحها، والوقوف ضدها في صراحة شديدة. ولكن الجدل الآن أن مناضلي العروبة يرفضون ويُتاجرون بموقفهم الرافض لعرض الفيلم في بلادهم، حدث هذا في مصر وتونس، إضافة إلى العديد من المحاولات في المغرب.

كل هذه الحشود من دون أن يُشاهد أحد الفيلم، أو يعمل عقله في ما يحاول الفيلم إيصاله من رسالة، بخلاف الحُكم الجمالي على عمل سينمائي، وليس من قبيل الدعاية السياسية.

حكاية الكاميرات المكسورة

عماد برناط.. مزارع من قرية بلعين، وبسبب الجدار العازل الذي اقتطع معظم أرضه، لم يجد سوى العمل من خلال الكاميرا، التي كانت هواية في بادئ الأمر، ثم تحوَّلت إلى عمل احترافي، بأن يقوم ببيع اللقطات إلى وكالات الأنباء التي تٌشهد التظاهرات السلمية، في مواجهة جيش الاحتلال.

بدأ الرجل التصوير منذ عام 2005، وهو العام الذي ولد فيه ابنه الأصغر الرابع، جبريل، الذي يدور جزء من أحداث الفيلم حوله.

وعن طريق تحطيم كاميراته الخامسة، التي يستعرضها في بداية الفيلم، ويؤرخ بها فصوله، يقرر بمساعدة المخرج الإسرائيلي جاي دافيدي – صاحب الخلفية والفكر اليساري – صُنع فيلم يعرض ما حدث ولم يزل، وأطلقا عليه «5 كاميرات مكسورة».

يبدأ الفيلم بصوت عماد، الذي سيصبح الراوي للأحداث، ويظهر الخط الدرامي في الربط بين حياة ابنه جبريل، وتطاول الجدار العازل، فالجدار يكبر ويعلو ويمتد مع عُمر الطفل، فأي مستقبل سينتظره هو وجيله، أمام جدار سيحجب عنهم الحياة؟

الفيلم يوثق لمواجهات شبه يومية بين قوات الاحتلال وسكان القرية المناهضين لوجود الجدار العازل، بداية من الخروج في التظاهرات، وحتى الاشتباكات، بل يصل الأمر لتصوير مشهد قتل أحد شباب القرية، وتقديم واجب العزاء. إلى هذا الحد كان من الممكن اعتبار الفيلم وثائقياً.

ولكن..

المخرج لم يُدرك جيداً الفارق ما بين النهج التوثيقي والروائي. فقد تجمَّعت لديه مادة مصوّرة، نتيجة عمله لوكالات الأنباء العالمية، ثم جاء التفكير في عمل الفيلم، وبالتالي كان البحث عن كيفية جمع هذه المادة في خط درامي مؤثر. فكان الطفل جبريل هو هذا الخط الذي سيتم التوسل به لسرد الأحداث. كل هذا لا يمثل أدنى مشكلة. إلا أن الفيلم ينتمي أكثر إلى الروائي منه للتوثيقي، كما كان من الممكن اعتباره على أقل تقدير من الدوكيودراما.

فالفيلم في أكثر الأجزاء منه أصبح إعادة إنتاج للحظات مضت، إضافة إلى المشاهد التمثيلية والمتكلفة ذات الدلالة الروائية، أكثر منها تصويراً لواقع حي.. كأن يتقدم جبريل ويتخطى بوابة تفتيش، ويسير فوق الطريق بالقرب من الجدار الصاعد، ويمد يده بوردة إلى أحد جنود الحراسة.

كما اتضح عمل «دافيدي» أكثر عند وضع الكاميرا ثابتة وبزاوية في غاية الحرفيّة، ليبدو أنه تكوين مدروس للكادر السينمائي، فيظهر جزء من عربة البوليس في يمين الكادر ويصبح الشارع الطويل في العمق، ليتوافد من خلاله المتظاهرون نحو الكاميرا.

اللقطات التي صورها عماد عند مداهمة بيته، والبحث عن أخيه – وهو ما حدث من قبل وأعاد تصويره -فالرجل يفتح الباب للجنود وهو مُمسك بالكاميرا، فيعبرونه إلى الداخل، وكأنه أحد أفراد القوة العسكرية، أو أنهم بعض الممثلين في الفيلم. إضافة إلى المشاهد المُفتعلة في حواره مع أفراد أسرته، وخاصة زوجته، التي تنظر إلى الكاميرا وتتلعثم مرّات عدة – لا يمت الأمر إلى التلقائية – حتى أن أحد الأصدقاء لفت نظري بعد مشاهدة الفيلم بأن الزوجة كلما ظهرت كانت ترتدي الإيشارب، على الرغم من أنها في منزلها ومعها زوجها وأولادها فقط، ما يدل على التحضير مسبقاً لكل مشهد ظهرت به.

ملحوظة أخيرة

بشأن الكاميرات الخمس المكسورة، وما قامت بتصويره بالفعل، فالصورة في معظم أحداث الفيلم يبدو أنها تمَّت من خلال «كاميرا واحدة» حديثة نسبياً، بخلاف الكاميرا المكسورة/ضحية جنود الاحتلال، ولا يبدو اختلاف جودة المادة المصوّرة إلا في لقطات جبريل وهو رضيع، فيبدو القِدم على المادة المصوّرة.. أما باقي الأحداث، فلا يبدو بها تباين عدة كاميرات انتهت حياتها تباعاً، بل كاميرا واحدة قامت بتسجيل كل شيء، وهو ما يتنافى واسم الفيلم وفكرته، ويؤكد وجهة نظرنا بأن الفيلم تمت إعادة تصويره بالكامل وفق لقطات أشبه بالأرشيفية لأحداث مضت.

إلا أن المشكلة الأكبر ليست في كل ما سبق، ولكنها تتجلى أكثر في التعليق المصاحب للفيلم، والذي أدّاه عماد بصوته، وبالطبع من حق المخرج صياغة تعليقه، كيفما شاء، ولكن أن يُثقل التعليق الأحداث ويحاول فلسفتها بأكثر مما تطيق، أو أن تحتمله الصورة، فهو أمر مزعج فنياً لأقصى حد.

بالطبع، لم نستخدم العبارة المجانية التي تقول «لو حدث ذلك لكان أفضل»، لأنها في البداية والنهاية رؤية صانع الفيلم، التي يجب قبولها أو رفضها أو التفاعل معها وفق الطريقة التي قدمها بها.

إلا أن ما يميز هذه التجربة، أن الرجل حلم وحقق ما حلم به، وهذا يكفي. كما أنه تناول طبيعة هذا الصراع بعين مواطن فلسطيني في المقام الأول، شاركه في موقفه مخرج إسرائيلي، حاولا معاً من دون صخب أو كليشيهات إدانة وضع همجي لن يستمر بحال من الأحوال.

فيلم الشرقية

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *