الرئيسية » آخر الأخبار » زكريا المحرمي: نحن مجتمعات عاجزة عن الحوار .. ونعاني فقرا مدقعا في القيم الإنسانية

زكريا المحرمي: نحن مجتمعات عاجزة عن الحوار .. ونعاني فقرا مدقعا في القيم الإنسانية

زكريا المحرمي
زكريا المحرمي

حوار: هدى أشكناني
وسط ما يجري من تصاعدات سياسية كثيرة على الساحة العربية، كان مهماً جداً، طرح عدة تساؤلات حول ماهية ما يحدث.

ضيفنا د. زكريا المحرمي، رغم أنه باحث في الفكر الإسلامي، لكنه أحد المستنيرين العمانيين القلائل، وأنت تقرأ له (كتبه، مدونته وتغريداته) تجده هادئا متنورا، كما كان الشيخ محمد عبده، دائما ما يردد عبارة «ديني لنفسي ودين الناس للناس»، وهو الأمر الذي لا نجده في مجتمعاتنا الخليجية، إلا ما ندر.

هو دكتور وباحث، له عدة إصدارات، منها: كتاب «الصراع الأبدي- قراءة في جدليات الصراع السياسي بين الصحابة وانقسام المواقف حولها»، «الإباضية.. تاريخ ومنهج ومبادئ»، و«استئناف التاريخ».

«الطليـعة» حاورته حول رؤيته لتطورات الساحة العربية اليوم، وما يكتنفها من صراعات على مختلف الأصعدة.. وهذا الحوار مفصلا:

● من يتابع الأحداث في الساحة العربية يلمس هذا التصاعد المفاجئ في مختلف الدول العربية وآخرها لبنان.. برأيك، مَن وراء كل ما يحدث؟
– أكاد لا أشك أن الطغاة من السياسيين وأصحاب رؤوس الأموال من تجار السلاح والدين، هم المستفيد الأكبر من كل المآسي الذي تنزل على رأس هذه الأمة، إضافة إلى أن خشية الغرب من قيام وحدة عربية وإسلامية غير معروفة الهوية والاتجاه تدفع به نحو دعم قوى الطغيان والاستبداد في العالم العربي، وقد استفادت هذه القوى من الثقافة العربية المثقلة بميراث هائل من العصبيات العرقية والقبلية والطائفية التي تنفجر في وجوهنا، كبراكين ثائرة من قيح الماضي ودمامل التاريخ.. كل هذه العوامل علينا أن ندركها ونستحضرها في وعينا، إن أردنا الخروج بالأمة من هذا المأزق التاريخي الحرج.
العالم العربي لم يستطع بعد التحرر من الاحتلال الأوروبي تكوين دول مستقرة، سياسيا واقتصاديا، فأغلب دولنا الوطنية كانت قائمة على تسلط أنظمة عسكرية أو قبلية مدعومة من الخارج.

غلاف كتابه
غلاف كتابه

● كيف ترى المشهد الآن في لبنان؟
– لبنان لم يكن خارجا عن تلك الدائرة، حيث تكون نظامه السياسي الحديث على أسس طائفية رجعية كرَّستها الأنظمة الإقليمية المجاورة، وهي أنظمة، إما عسكرية أو قبلية.. ولأن الشعب اللبناني يتميَّز بدرجة عالية من التعليم والوعي السياسي، كان لا بد له في يوم ما أن يكتشف أن نظامه السياسي الذي فصَّله البدو والعسكر، لا يمكنه أن يقود بلدا بحجم لبنان، ذي التاريخ العريق للفينيقيين نحو المستقبل.
لكن تقرير هذه الحقائق لا ينفي وجود منتفعين من حالة القلق والتوتر في بلداننا العربية، وأهم المستفيدين هو الكيان الصهيوني، القائم على أسس عرقية ودينية ظلامية، الذي ما فتئ يعرّش بين مكونات مجتمعاتنا العربية، من خلال استثارة النعرات الطائفية تارة، والعرقية تارة أخرى.

حب التملك

● ماذا لو كان العالم كله متساويا، كما هي الكائنات الأخرى ذات الفصيلة أو النوع الواحد تأكل ذات الطعام من دون الحاجة لأن تدفع الثمن؟ كيف يمكننا العودة إلى هذه الطبيعة؟
– يوفر حب التملك للإنسان الشعور بالأمان، ويزداد هذا الشعور، بزيادة الملكية.. ومن أجل التوسع في التملك، لا يتورع عن الاعتداء على الآخر، لذلك نرى هذا التدافع بين البشر والشعوب على مرّ التاريخ.
في الجنة وحدها يمكن للإنسان أن يشعر بالأمان وعدم الحاجة إلى التعدي على الآخر أو إيذائه.. في الجنة فقط تتحقق للإنسان المساواة الكاملة والأمان التام، بيد أننا لا نعيش في الجنة، فآدم خرج منها، بمجرَّد اكتسابه للوعي وإدراكه أنه يتميَّز عن باقي الكائنات بالمعرفة، لكنها معرفة سيطرت عليها الأهواء وغريزة حب التملك، أي أن الإنسان بمجرَّد تحوله إلى كائنٍ عاقلٍ واعٍ بذاته وحاجاته ورغباته وأهوائه ونزواته يكون قد فارق النعيم الذي تمثله البدائية والجهل، فالمعرفة والوعي بجانب كونهما تكريما للإنسان، إلا أنهما في الوقت ذاته تكليف وابتلاء، وهذا هو بالتحديد ما أشار إليه القرآن بقوله (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا).
من أجل العودة إلى حالة الإنسان الأول، أي الحالة التي لم تطغَ فيها الأهواء والرغبات على صوت الضمير والرحمة والحب والإنسان، على الإنسان أن يكتشف ذاته، ويتعالى على أهوائه، وأن يستمع إلى صوت العقل والضمير، وأن يتبع القيم والأخلاق التي جاء بها الدين رحمة للعالمين.

مجتمعات مريضة

● كوارث انسانية أصابت بشراً لا ذنب لهم سوى أنهم يحلمون بالوصول إلى بقعة آمنة، والمعيب هذا الصمت السائد في العالم.. لماذا لا توجد تحركات حقيقية من قِبل منظمة الأمم المتحدة أو جامعة الدول العربية أو حتى من قِبل دول الخليج، لنجدة دول عربية ومسلمة (العراق، سوريا وفلسطين)؟ ألا يوجد أي دافع قومي أو إسلامي؟
– إنني لأقف مذهولا أمام هذا البرود الفاقع للدول العربية والإسلامية أمام مآسي اللاجئين والمهاجرين.
إن هذا الصمت المطبق مرآة لأمراضنا النفسية والاجتماعية، فنحن مجتمعات اعتادت مناظر الموت الجماعي الوحشي، إلى درجة أن معاناة اللاجئين صارت أمرا لا يستحق حتى اجتماعا، لما يسمى بجامعة الدول العربية أو المؤتمر الإسلامي.
نحن نعاني فقرا مدقعا في القيم الإنسانية وتصحرا في المشاعر.. وللأسف الشديد، تاهت بوصلة دول الخليج.. فبدلا من تقديم الدعم الإنساني للشعوب والمجتمعات المتوترة، قمنا بتقديم مزيد من الأسلحة ومعدات الحرب، إلى درجة أن بعضنا صار يدعم هذا الطرف ويسلحه، وبعضنا الآخر يدعم الطرف الآخر ويقدم له المال والسلاح.. فصارت تلك المجتمعات تقتل بعضها بعضا نيابة عنا.

حرف المسار

● غالباً ما تتخذ الشعارات المناهضة للفساد، منحى آخر.. دينيا، عرقيا.. الخ، كيف تتم عملية توجيه الأمة بهذا الشكل وتأطير فكرة الثورات والمسيرات الشعبية في حدود ضيقة دينية كانت أم قبلية؟
– الشعوب العربية مثلها مثل بقية الشعوب البشرية، تخشى الخراب وتكره الحرب والدمار، لذلك نجد أن المحرك الأساس لجميع حركات التحرر في ثورات الربيع العربي كان حب الخير للمجتمع، من خلال رفض الفساد، والمطالبة بتحسين الأوضاع الاقتصادية والسياسية، بيد أن الطغاة والمنتفعين من الفساد في الداخل وأصحاب الأجندات الدينية والقبلية الضيقة والمتآمرين على مجتمعاتنا في الخارج سرعان ما حاولوا ركوب موجة الحركات الشعبية، وتحويل مسارها نحو تحقيق مصالحهم الخاصة، ونجاح هؤلاء أو فشله، إنما يرجع إلى درجة وعي المجتمعات ونخبها المثقفة، بكل ما يُحاك ضدها من مؤامرات ومحاولات، لحرف مسار الحراك الشعبي عن طريقه الإصلاحي.

قيم العنف

● غالبا مَن يدفع ثمن هذه العمليات الحربية هم الأبرياء الأطفال والنساء.. لماذا كان اللجوء للقوة دائما في المقدمة؟
– ذلك راجع بشكل أساس إلى الطبيعة الثقافية للمجتمعات العربية عامة، حيث تغلب عليها قيم الذكورة والعنف والاستبداد وغياب الحوار.. وهكذا كان الأمر بالنسبة للمجتمع اليمني، الذي كان قبل هذه الحرب يعيش حوارا بين مكوناته المختلفة، لكنه حوار من النوع العربي القائم على قعقعة السلاح وهدير المدافع، وهو ما يؤكد أننا مجتمعات عاجزة عن الحوار، ولا نستطيع رؤية الآخر، إلا من منظار التنجيس والتكفير.

خيار العرب

● هل يمكن اعتبار ما يحدث الآن في الأوطان العربية أحد أشكال الحرب العالمية الثالثة، وإن اختلف الشكل والأسلوب؟
– هناك نظرية تقول إن ما يحدث في الوطن العربي وبقية أنحاء العالم من حروب صغيرة، يمثل شكلا جديدا من الحروب العالمية، حيث يتم فيها استنزاف إمكانات القوى الكبرى وقدراتها، من خلال مواجهة كيانات هلامية غير محددة الهوية.. ولأن الحرب الباردة لم تؤدِ إلى اشتباك نووي بين المعسكرين الشرقي والغربي، فإن فكرة الصِدام النووي ليست مطروحة في الحرب العالمية الجديدة التي تشهدها المنطقة، لكن هناك أسلحة جديدة يتم استخدامها، مثل العمليات الانتحارية، والطائرات بدون طيار، والهجمات الإلكترونية، كما أن الغاية من هذه الحرب، مماثل لغايات الحروب العالمية السابقة، ألا وهو إعادة صياغة الخرائط الجغرافية والحدود السياسية، وتقسيم الشعوب، بناءً على المحددات العرقية والطائفية. لذلك، فإن كل ما يحدث في العالم العربي مرتبط، عضويا، بمؤسسات صناعة القرار في أميركا وأوروبا والصين وروسيا.. أما العرب، فإن القرار الوحيد الذي أعطي لهم، فهو ليس في حرية خوض هذه الحروب من عدمه، فذلك أمر تم اختطافه منهم، بسبب ارتباط النظام العربي بصانع القرار الأميركي، وإنما ترك للعرب حق اختيار طريقة قتل الآخر العربي وتعذيبه.. هل يتم بالذبح والحرق، كما يفعل «داعش» وأخواته، أم بالتقطيع واستخدام المثاقب (الدريل)، كما هي حال فرق الموت العراقية؟!

حماية الشباب

● كيف يمكن منع الشباب من الانضمام إلى المنظمات الإرهابية التي تتخذ من الدين ستارا لها؟
– الدين هو المكون الأساس لثقافة مجتمعاتنا العربية، وهو أهم ملجأ يلوذ به التائهون والحائرون والخائفون في ظلمات الواقع العربي، لكن ضعف الخطاب الديني وارتباط المؤسسة الدينية في العالم العربي بالأنظمة المستبدة جعل الشباب يبحثون عن خطاب بديل، وهو ما فعلته الحركات الإسلامية، ونجحت فيه نجاحا باهرا.
إن أهم طريقة لتجفيف منابع «داعش» وغيره من حركات متطرفة، يتمثل في استقلال المؤسسات الدينية عن الأنظمة السياسية، وفي تقديم خطاب ديني وسطي ذي جاذبية وإبهار يستطيع إقناع الشباب، بأن الدين هو الرحمة والإحسان وخفض الجناح، وليس الاعتداء والتعذيب والقتل.

قوة الأمل

● بعد الفشل الذي تعيشه الدول العربية بعد الربيع العربي والثورات، هناك إجماع واضح على أن الثورات لم تجلب سوى الخسارة، لماذا انطفأت قوة التغيير برأيك؟
– أغلب الثورات في التاريخ مرَّت بحقبة مماثلة لما تشهده دول الربيع العربي من سيادة الفوضى وتسلط القوى المتطرفة أو القيادات العسكرية الحديدية، وقد عاشت فرنسا 60 عاما من الفوضى والاستبداد بعد الثورة، لكن بذرة الحرية والديمقراطية ظلت تنمو وتورق إلى أن أثمرت فرنسا الحديثة، التي نراهاز
وفي تصوري، إن الأمل بمجتمع الحرية والعدالة الاجتماعية لا يزال متوقدا في قلوب الشباب العربي، وعلى هذا الأمل وعلى هذا الجيل الذي حطم قيود الجمود والاستبداد نعول، على الرغم من كل محاولات القوى التقليدية وحلفائها الإقليميين والدوليين التي تحاول إجهاض مشروع الربيع العربي.

السلطة الفردية

● قيل مثلما بدأت الدولة الفلسطينية بالانتهاء والتلاشي، كذلك أصبحت سوريا، في ظل تسارع الأحداث.. كيف ترى العالم العربي بعد سنتين؟
– الإشكال يكمن في أن الدولة العربية الحديثة لم تتأسس على مبدأ سلطة الدستور ومرجعية التاريخ والانتماء إلى الأرض، بل على سلطة الشخص ومرجعية الأيديولوجيا والانتماء إلى الحزب، لذلك، فإن مشروع الدولة مرتبط بالأشخاص، قوة وضعفا، وحين ينهار نظام الدولة المتجسد في شخص الرئيس القائد، تنهار الدولة بكامل مؤسساتها، وتعمّ الفوضى، ويبدأ الاقتتال والانقسام، وهو ما حدث في العراق، ويحدث الآن في سوريا وليبيا واليمن.. ولعل الحالة الفلسطينية أفضل حالا، لأن القضية الفلسيطنية لا تزال أكثر قوة وتأثيرا من وهج الأشخاص والأيديولوجيات.. أما عن مآلات الأحداث بعد سنتين من الآن، فنتيجة لسرعة التحول في مساراتها صار من الصعب التكهن بالنتائج قصيرة الأمد، لكني أستطيع القول وبكثير من الثقة إنه على المدى البعيد ستصل الشعوب العربية إلى بر الأمان، وستكون قادرة على بناء دولة الحرية والعدالة والقانون.

● ما الذي يمثل مفاتيح التغيير.. قوة الشعب أم وعيه؟
– الشعوب المغيبة الوعي، هي شعوب راضية بالاستبداد قابلة للاستعباد، لذلك جاهد الأنبياء لتحرير الشعوب، من خلال استنهاض وعيها وانتشالها من حالة التخدير التي جعلتها فريسة لاستغلال كهنة الأديان الباطلة، والسلطات السياسية والاجتماعية المستبدة، ولنا في قصص إبراهيم وموسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام برهان على أن الشعوب لن تفكر في التغيير، ما لم تعِ ضرورة هذا التغيير وأهميته. لذلك، فإن المثقف الذي يسعي إلى تحرير الشعوب واستنهاض وعيها، جدير بأن يكون هو المقصود بالحديث «العلماء ورثة الأنبياء»، فلا معنى لعلم لا يقوّم الشعوب ولا يحررها من قيودها.

Print Friendly, PDF & Email

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *